نصيحة جزائرية للشعب السوري!

صحيح أن الفارق الزمني بين الثورتين الجزائرية والسورية حوالى ربع قرن من الزمان، إلا أن أوجه الشبه بين الثورتين واضحة للعيان. لهذا بات البعض يخشى، على ضوء المبادرات الدولية والروسية تحديداً، أن تنتهي الثورة السورية على الطريقة الجزائرية البائسة، وأن يعود جنرالات الأمن والجيش إلى تشديد قبضتهم على البلاد والعباد عبر مصالحات زائفة وقوانين الوئام الوطني الكاذبة المفصلة على مقاس القتلة والمجرمين الذي عاثوا في البلاد خراباً وتدميراً وقتلاً. وقد وضع أحد الباحثين الجزائريين أوجه الشبه التي لا تخطئها عين بين الحالتين الجزائرية والسورية. ولو رتبنا الأحداث من البداية إلى النهاية لوجدنا التالي:
خروج مظاهرات مطالبة بإلغاء الانقلاب الذي قام به جنرالات الجزائر على نتائج الانتخابات وضرورة إعطاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفرصة في الحكم. بالمقابل، خرجت مظاهرات شعبية في سوريا مطالبة بتغيير نظام الحكم. وكما تصدى النظام الجزائري للمظاهرات الشعبية بالحديد والنار، أنزل بشار الأسد الجيش إلى الشوارع فوراً للقضاء على التجمعات الشعبية والسياسية. وقد تشابه النظامان في شن حملة مداهمات واعتقالات في صفوف المعارضة واختفاء عشرات الألوف، مما حدا بالمعارضة إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسها في كلتا الدولتين، فأصبح صاحب الحق متمرداً في نظر النظامين.
وكما ظهرت في الجزائر جماعات متطرفة مجهولة المنشأ، شعارها محاربة النظام وتشويه سمعة المعارضة، برزت على الساحة السورية أيضاً جماعات لم يعرف أحد من أين جاءت. والغريب أن كل تلك الجماعات جاءت باسم الدين وشعارها «الله أكبر». ويعتقد الكثيرون أنها صنيعة أمنية في كلتا الحالتين، ولكم القياس. ثم تلى ذلك البدء في حملات التصفية الجماعية لكل من كان له علاقة من قريب أو من بعيد بالمعارضة الأصلية.
لاحظوا أيضاً ظهور المجازر الجماعية بالجملة، والمجرم مجهول، والكل يتبرأ من الجريمة. أضف إلى ذلك الحملة المسعورة لتشويه صورة الإسلام والمعارضة. وكما هرب ملايين الجزائريين للخارج، أصبح العالم الآن يضرب المثل بعدد اللاجئين الذين هربوا من سوريا جراء الصراع الدامي. وقد أصبح كلّ من الشعبين منبوذاً أينما حلّ، وصارت صفة الإرهاب ملازمة لهما.
لاحظوا أن العالم في ذلك الوقت تحرك، لكن ليس لإنصاف الشعب الجزائري المسكين، بل لإنهاء الصراع لصالح الجنرالات والحفاظ على النظام. لاحظوا أيضاً أن العالم يعيد الكرة الآن في سوريا، حيث تناسى ما حل بالسوريين من كوارث، وأصبح همه الحفاظ على الحكم في دمشق من خلال مصالحات مفروضة على الشعب فرضاً بعد أن ذاق الأمرّين على مدى سنوات من التشرد والجوع والمرض والدمار. وكما دخل الشعب الجزائري وقتها في حالة من الضياع والتيه والحسرة، وكان يتمنى الرجوع إلى نقطة البداية والرضى بالواقع، فإن الكثير من السوريين بات يحن إلى أيام الطغيان الخوالي، ويريد سلته بلا عنب.
إلى هنا كل شيء متطابق حرفياً بين التجربتين الجزائرية والسورية. وعلى ضوء ذلك يمكن أن نتوقع الأحداث التالية في سوريا بناء على النموذج الجزائري. أولاً: الدعوة إلى الحوار بين أطراف النزاع برعاية أصحاب المصالح. ثانياً: الدعوة إلى الوئام المدني ووقف إطلاق النار واعتبار الوضع حرباً أهلية، وبالتالي لا أحد سيُحاسب لاحقاً. ثالثاً: الدعوة إلى مصالحة وطنية، وذلك يعني عفا الله عما سلف، وينجو الجميع بفعلته والذين ماتوا، والمجرمون حسابهم عند ربهم ولا عقاب، ولا متابعة، ولا هم يحزنون في الدنيا. رابعاً: بقاء النظام في الحكم، ويتم استبدال الرئيس بشخصية جديدة حسنة السمعة وتـُرضي الجميع، لكنه في الواقع تطور يخدم النظام ويدعم قوته، ويعطيه شرعية جديدة لم يكن يحلم بها قبل الثورة. خامساً:.عندما ترضى المعارضة بالمصالحة فاقرأ السلام عليها، لأن النظام سيعمل على تلميع صورته وتشويه سمعة الطرف الآخر، ويستحيل بعدها القيام بثورة ديمقراطية في البلد. سادساً: العودة إلى نقطة الصفر، والجميع سيسكت خوفاً من تكرار الاحداث من جديد، وكلما ظهرت بوادر انتفاضة قام النظام بتفجير هنا وآخر هناك، فيهدأ الجميع.
ولمن ما زال لديه أمل في الحرية، فإن النظام الذي قتل مليون سوري لا يقيم لك أي وزن ولا أهمية لوجودك، فيما لو تمكن ثانية. لاحظ كيف صمت الشعب الجزائري بعد تلك التجربة المريرة، وانظر إلى أين وصل وضعه الآن. رئيس مشلول، وفساد ليس له مثيل، ومجرمون يمارسون الموبقات على رؤوس الأشهاد، ولا أحد يجرؤ على الكلام، فالجميع خائف. وليعلم السوريون، إذا رجع النظام، فلن يرحم أحداً. وبالتالي، كل من ينخدع بوعود المصالحة المزعومة في سوريا، فلا يلم إلا نفسه. لهذا أمام الشعب أمران اثنان: إما أن ترضوا بالعودة إلى نقطة الصفر وفق الأحداث المتوقعة، وإما أن توحدوا الصفوف، وتحسموا أمركم ضد النظام الحاكم، لأنه في أضعف أحواله، ولو كان قادراً على المواجهة لما بدأ في الدعوة إلى المصالحة أصلاً .
فاختاروا مصيركم الآن: إما أن تكونوا أو لا تكونوا.
اللهم اشهد أني قد بلغت.
أخوكم المحب ابن الجزائر.

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

د. فيصل القاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول حليم رياض الجزائر:

    الدكتور المحترم فيصل القاسم
    لا يمكن المقارنة بين الازمة الامنية والسياسية في الجزائر في التسعينات والازمة السورية .
    فالجيش الجزائري لم يقنبل الدين حملوا السلاح ضده رغم تواجدهم في المدن والاحياء الشعبية بالمدافع والطائرات والبراميل الدناميت ولم يدمر احياء عن اخرها. فلا مجال للمقارنة الجيش السوي للاسف احرق و دمر وطنه.

  2. يقول amar antar:

    السلام عايكم أخي فيصل،المصااحة آتية بين الأخوة الأعداء السوريين و يبق فيصل هو الخاسر
    أما الثورة الجزائرية ايست كما يفهمها أخي فيصل،الشعب الجزائري بطل و له جذور علوية و لم يدخل العدو في أموره الداخلية من المشركين و الكفار وصية عليهم،و في الجزائر الجيش الا سلامي جزائري و الجيش الوطني الشعبي جزائري
    و الأرهابي جزائري والحديث طويل،أما الثورة السورية بدأت من تركية بقررات اسرئيلية و بنادق أمركية تتنافة مع الواقع في سورية و ما يطمح اليه الشعب السوري
    أمريكة هدفها تدمير سورية و بناء اسرئيل الكبري مع من هم في تركية،
    وتركية تطمح تدمير العرب من أجل بناء دولة عثمانية جديدة مع احتلال شمال العراق الغني بي النفط و ضم كردستان العراق.و شكرا

  3. يقول المراقب - السويد:

    -1- تبادل تجارب للنظام والثوار . جزء ايجابي واللآخر سلبي .
    النضام السوري استفاد كثيرا مما حصل في الجزائر وكذلك من نصائح النضام الجزائري .
    وأخرها زيارة رئيس البرلمان السوري للبرلمان الجزائر ي وأخده لقوانين المصالحة عندرجوعه لسوريا .
    -2- علي الثوار كذلك اللإستفادة من التجربة الجزائرية .

  4. يقول أبو علي السعودية:

    -1- تبادل تجارب للنظام والثوار . جزء ايجابي واللآخر سلبي .
    النضام السوري استفاد كثيرا مما حصل في الجزائر وكذلك من نصائح النضام الجزائري .
    وأخرها زيارة رئيس البرلمان السوري للبرلمان الجزائر ي وأخده لقوانين المصالحة عندرجوعه لسوريا .
    -2- علي الثوار كذلك اللإستفادة من التجربة الجزائرية .

  5. يقول محمد القلعي المغرب:

    اخشى ان تحصل فلسطين على استقلالها مخافة ان يتم التنكيل بشعبها على غرار الشعوب العربية من طرفحكامها

  6. يقول احمد:

    ماتقوله يا عزيزي فيصل بعيد عن الواقع ، فالشعب الجزائري عرف مظاهرات في 05/10/1988 من أجل الثورة على الحزب الواحد ثم جاءت التعددية السياسية حيث عرفت فوز الفيس ” الجبهة الاسلامية للانقاذ” بالانتخابات البلدية والولائية ثم جاءت الانتخابات التشريعية حيث اكتسح الفيس في الدور الأول ، لكن فوز الفيس لم يكن متعلقا ببرنامج طموح أعجب الشعب وإنّما صوّتت الجماهير على الفيس لسببين : الأول : هو انتقاما من الحزب الواحد آنذاك والثاني هو تعلقلشعب بالإسلام ، أما ماحدث في سوريا فهو أمر دُبر بليل

  7. يقول كاريزما- الجزائر -:

    كتبت ، و فارنت فأصبت.

  8. يقول خنوش حميد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اﻷخ فيصل القاسم.
    اﻷصل أنه لا يوجد أي تشابه بين الحالتين. ﻷن الزمان غير الزمان والمكان غير المكان. النظام الجزائري هو من أعلن نتائج انتخابات الذي فازت بها
    الجبهة الإسلامية للإنقاذ,والنظام كان مستعداً ﻷتعامل مع الوضع. لوﻵ التدخل الفرنسي الذي مازال يحسب الجزائر وﻵية من وﻵياته يتدخل في كل كبيرة و صغيرة,

1 4 5 6

اشترك في قائمتنا البريدية