ريدلي سكوت لـ«القدس العربي»: فيلم «الخروج: آلهة وملوك» قصة موسى أسطورة تاريخية وليست دينية وربطها بفلسطين محل نقاش

حجم الخط
0

هوليوود – «القدس العربي» كان رد المخرج العالمي ريدلي سكوت واضحا ولاذعا على الإنتقادات التي وجهت اليه من جراء تكليف نجوم أوروبيين لأداء أدوار شرق أوسطيين في فيلمه الاخير «الخروج: ألهة وملوك»، الذي يروي قصة خروج بني اسرائيل من مصر بقيادة النبي موسى، قائلا «لو قلت إن بطلي هو محمد فلان من بلد كذا لما تمكنت من تمويل الفيلم». وتقدر ميزانية الفيلم بنحو 140 مليون دولار.
الحقيقة هي أنه من السذاجة أن نلقي اللوم على سكوت بهذا الشأن لأن الجمهور غالبا يذهب الى السينما لمشاهدة النجوم. وأي مخرج، حتى لو كان عربيا، كان فعل الشيء نفسه. ألم يكلف مصطفى العقاد النجم الهوليوودي أنتوني كوين ببطولة فيلم «الرسالة» و»عمر الخيام». ومؤخرا سألت مخرجا عربيا يعمل على مشروع عن حياة القائد المسلم خالد بن الوليد، من كان الممثل المفضل له لأداء بطولة الفيلم فرد قائلا «جورج كلوني». هذا هو واقع صنع الأفلام. لا يمكن تمويل أو تسويق فيلم ضخم من هذا النوع بدون أسماء نجوم عالميين.
ويقوم ببطولة «الخروج» الممثل البريطاني كريستيان بيل، الذي يجسد دور النبي موسى، والاسترالي جويل ايغرتون (فرعون رمسيس)، وآرون بول (يوشع بن نون)، وسيجوري ويفر وبين كنجسلي، الايرانية فرحاني، والفلسطينية هيام عباس. ولكن الأهم هو ليس من جسد الشخصيات وإنما كيف قدمها سكوت للمشاهد.
عندما قابلت هذا العملاق السينمائي، الذي ترعرع في بيت علماني، اعترف أن معرفته بالنبي موسى قبل شروعه في صناعة «الخروج» كانت سطحية. «كنت أعرف الأساسيات، وهي أن موسى كان الطفل الذي وُجد في النيل وتربى في بيت فرعون، ثم قاد العبريين الى خارج مصر، ولكن لم أكن أعرف شيئا عن الرجل نفسه، وخلفيته العسكرية وقدراته القيادية وكيف غيّر العالم ومجرى التاريخ». يعلق سكوت.
إعجاب سكوت بشخصية موسى وشغفه ببناء عالمه في مصر القديمة كان الدافع وراء اخراج هذا الفيلم وليس المضمون الديني أو الرسالة الإلهية. كما أنه اقنع ستيف زيليان الملحد بكتابة السيناريو. «قلت له إن إلحاده كان عاملا ايجابيا في سرد القصة بشكل منطقي وعقلاني وتقديم طرح ذكي وثاقب البصر عن شخصية موسى وتطورها من جندي فرعوني لنبي إلهي». يقول سكوت.
سكوت يصر على أنه ليس ملحدا وإنما يجلس على الحاجز بين الإلحاد والإيمان، وربما هذا ما يفسر طرحه في الفيلم، اذ أنه يمزج سرد القصة باستناده على الروايات الدينية والتحليل العلمي الحديث، مما يجعلها مقبولة للمؤمن والملحد. فهو يعرض الأحداث، كما ذكرت في الروايات الدينية، ولكنه يترك مجالا للشك والتساؤل بشكل ضمني وغير توجيهي.
ظهور الله لموسى على جبل سيناء، يحدث بعد عاصفة قوية تهيل بعض الصخور التي تصيب رأس موسى وتفقده الوعي. وعندما يفيق، يظهر ربه أمامه بصورة طفل ويأمره بالعودة الى مصر لينقذ بني اسرائيل من ظلم فرعون. سكوت يقول إن هذا الطفل هو الملاك الذي بعثه الله ليتواصل مع موسى. هذا طرح يمكن أن يقبله المؤمن، ولكن من منظور علماني يبدو أن موسى كان يتخيل هذا الطفل من جراء الضربة على رأسه، حتى أن زوجته التي تواسيه عند رجوعه البيت يرجف خوفا تقول له إنه يتوهم. طبيا هذا ممكن، إذ أي خلل في المخ، سواء كان نتيجة حادث أو مرض، قد يؤدي الى هلوسة. وكثيرا ما شاهدنا أفلاما يخاطب فيها شخص شخصا وهميا لا يراه أحد غيره. هؤلاء الاشخاص عادة يعانون من أمراض نفسية كانفصام الشخصية. وهذا ما صرح به الممثل بيل، واصفا موسى الذي قام بتجسيده بأنه كان مجنونا ومنفصم الشخصية. ولكن سكوت يبقى غامضا في هذا السياق، قائلا «ممكن القول إن هذا الطفل هو ضمير موسى. أنا أردت أن أتفادى أصوات البرق والرعد من وراء الغيوم». بغض النظر عن هوية هذا الطفل، فانه بغيض وكاره للإنسانية. ويأمر موسى بارتكاب أعمال عنف تؤدي الى تدمير وخراب في مصر ومقتل عدد كبير من مواطنيها الأبرياء، حتى الحيوانات لم تنج من الهلاك.
وبعد أن قتل رب موسى أبكار كل بيت في مصر وهم نائمون في مهودهم، يأتي الفرعون الى موسى حاملا جثة طفله الهامدة بين يديه ويعاتبه «أهذا ربك الذي تريدنا أن نعبد، قاتل أطفال؟» وكأن سكوت يريد أن يلمح الى أن موسى أو ربه كانوا إرهابيين مثل الإرهابيين المعاصرين. أليس هذا ما يفعله عناصر الدولة الاسلامية في سوريا والعراق؟ يقتلون الكبير والصغير بإسم الدين؟
«اذا قلت إنه ارهابي فسوف أُزج في السجن، فلا تفرض على هذا التعبير،» يقول سكوت ضاحكا. «أنا أظن أنه ربما أكثر أصوليا، ومعنى ذلك أنه كان يؤمن أنه على حق بما كان يقوم به. الخطر بالاصولية هو عندما يسيء الاصولي التفسير ويلجأ الى العنف».
وعندما يشعر موسى بالأسى على موت الأبرياء ويتحدى أوامر ربه، يرد عليه ربه قائلا «عليك أن تقتل الأبرياء لكي تحذر زعماءهم من عواقب أعمالهم وتجبرهم على تحرير شعبك». رغم ذلك، سكوت لا يؤمن أن الله كان انتقاميا. «انا برأيي أن الله عليه أن يراقبنا ويشاهد أعمالنا، وكيف نتعامل مع بعضنا البعض، ولا ينتقم منا».
هناك أيضا بعد سياسي لفيلم سكوت يستحضر الوضع الراهن في الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني. بنو اسرائيل يناضلون بالوسائل كلها لنيل حريتهم من الفراعنة، كما يفعل الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الاحتلال الاسرائيلي. هل هم مناضلون للحرية أم إرهابيون؟ ومرة أخرى سكوت يعلق بغموض: «هذا قابل للجدل. أنا أفهم غضب أناس مظلومين، ولكن اللجوء الى الارهاب لتحقيق أهدافهم السياسية غير صحيح».
كما أن سكوت يطرح تفسيرا علميا للضربات الإلهية للمصريين مثل تحويل مياه نهر النيل الى دم، ثم فيضانه بالضفادع، ثم ظهور البعوض، ثم انتشار الذباب ثم الدمامل والبثور، ثم البرد والرعود. إذ أن الدم نتج من هجمات تماسيح دموية وان الضفادع خرجت من النيل وهاجت في مصر هربا من الدم، وجلبت معها البعوض، وبعد موتها هاج الذباب على جثثها وأدى الى الدمامل والبثور. أما شق البحر الأحمر أمام موسى وبني اسرائيل في طريقهم الى سيناء فهو ليس معجزة إلهية بل حدث نتيجة سقوط كويكب عليه.
جليا اذا أن سكوت لا يجد بعدا دينيا في قصة موسى، ويعتبرها أسطورة تاريخية مثل غيرها من الاساطير. ولكن ذلك لا يعكس مدى إيمانه بالله. فهو ما زال يبحث عن خالق هذا الكون وأصل البشرية، كما فعل في أفلامه السابقة وخاصة «بريموثيوس»، الذي يفترض فيه أن خالق البشر هو من كوكب آخر. «لا بد وأن يكون هناك خالق لهذا الكون. إنه من السخافة أن نعتقد أننا هنا لوحدنا في هذا العالم. أنا متأكد أن هناك مخلوقات غيرنا في هذا الكون».
بلا شك أن سكوت يحاول أن يتفادى الإدلاء بتصريحات مثيرة للجدل عن علاقته بالله والدين، خشية من رد فعل المحافظين في أمريكا ومقاطعتهم لفيلمه. فهو يعلم جيدا أن بامكانهم أن يحطموا الفيلم في شباك التذاكر، كما فعلوا عام 2005 لفيلمه «مملكة السماء»، الذي سلط فيه الضوء على شهامة المسلمين وسماحة زعيمهم صلاح الدين الأيوبي وبشاعة الصليبين في الديار المقدسة.
«أنا سردت القصة كما هي وأنت عليك أن تستخلص ما تريد منها. هذا فيلم روائي وليس وثائقي،» يقول ضاحكا.

من حسام عاصي:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية