أريحا: أقدم مدن العالم وأكثرها انخفاضا عن مستوى سطح البحر

فادي أبو سعدى

Jan 03, 2015

رام الله – «القدس العربي»: مدينة أريحا في الضفة الغربية، تعتبر من أقدم مدن العالم على الإطلاق، وتقع عند مستوى 250 متراً تحت سطح البحر ولا تماثلها في ذلك أي مدينة أخرى في العالم. كانت تسمى مدينة «القمر» وقديما أطلق عليها اسم «مشتى فلسطين» إذ يقصدها الفلسطينيون والسياح من مختلف أنحاء العالم. احتفلت بمرور عشرة آلاف عام على وجودها قبل فترة قصيرة. في المدينة الكثير من الآثار التاريخية والدينية والسياحية، واشتهرت بمزروعاتها من الموز وأنواع التمور، وهي معروفة بكرم أهلها الذين اعتادوا وجود السياح بينهم على مدار العام.
جغرافياً، هي الحدود الفلسطينية مع الأردن، وهي البوابة الرئيسية للفلسطينيين إلى العالم بأسره، وتقع على الحدود مع البحر الميت، ومن سخرية القدر أن إسرائيل طرحت البحر الميت للتصويت العالمي باعتباره أحد عجائب الدنيا، بينما هو بحر فلسطيني مشترك مع الأردن، لكن إسرائيل تتصرف وكأن البحر ملكها الخاص، ولا شركاء لها فيه.
يمتلك الجانب الفلسطيني الحق في سبعة عشر كيلو متراً على الشاطئ الشمالي من البحر الميت، لكن هذا على الخرائط فقط، لأن الحقيقة أن إسرائيل لا تسمح للفلسطينيين بالوصول إلى البحر تحت أي ظرف. مدينة أريحا معروفة منذ القدم بإعتبارها سلة الغذاء الرئيسية في فلسطين، فإضافة إلى الاكتفاء المحلي فقد كانت تصدر الخضار والفواكه بشكل يومي إلى الخليج العربي والشام، بيروت وعمان، أما الآن فالمنطقة المحاذية لنهر الأردن والبالغة مسافتها 1-5 كيلومترات وكانت تسمى «الزور» فجفت، ذلك أن إسرائيل سحبت مياه نهر الأردن ومنطقة المغطس.
بالنسبة لإسرائيل، فقضية أريحا أمر يتعلق بالأغوار كمنطقة حدودية أكثر منه في مدينة أريحا لذاتها، فهي تكثف الاستيطان في تلك المنطقة لتصبح من ملكياتها من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي تبقي على أراض واسعة كمناطق عسكرية مغلقة، وفي الحالتين فأن الفلسطينيين لا يستطيعون الوصول إلى مزيد من الأراضي، إلا أن الجانب الفلسطيني نجح بفرض نفسه كطرف مشاطئ في فكرة «قناة البحرين» أي البحر الأحمر والبحر الميت، وأصبح لدى الجانب الفلسطيني فيتو كما الحال لدى الطرف الأردني أو الإسرائيلي، ما يعني اعتراف إسرائيل بأن للفلسطينيين حدودا على شاطئ البحر في منطقة الأغوار، حتى وإن لم يستطيعوا الوصول إليه الآن.
سياحياً، فالمشكلة في أريحا هي المشكلة العامة ذاتها التي تعانيها السياحة في فلسطين، والتي توصف أنها «سياحة دقائق» رغم أن المدينة يزورها سنوياً ما بين مليون ومليون ونصف سائح، وتبذل جهوداً كبيرة لجعلها سياحة ربما تطول لساعات، ومن ثم إلى أيام، إلا أن الشائعات الإسرائيلية المتواصلة أن فلسطين غير آمنة، تحجب السياح عن الوصول وبالتالي تكلف الفلسطينيين خسارة الكثير من الأموال، رغم أن المدينة عاشت تاريخاً لم يمر على الكثير من بلاد العالم الأخرى، وحقبا تاريخية متنوعة وكثيرة.

آثار المدينة

عرفت أريحا بأنها أول مدينة محصنة في التاريخ، فأريحا القديمة، أو «تل السلطان» هي أقدم منطقة في المدينة وتقع على سفح تلة إلى الجانب الشرقي من المدينة الحالية، وقد أظهرت الاستكشافات الأثرية التي قام بها عالم آثار بريطاني، وجود مستوطنات تعود إلى تسعة آلاف عام قبل الميلاد. تحدد هذه الفترة الإنتقال من البداوة إلى الاستقرار الزراعي، ويعتقد بوجود بقايا لثلاث وعشرين حضارة قديمة قامت بالبناء في هذا الموقع، فالعديد من الهياكل القديمة ماثلة إلى اليوم، ومن بينها أقدم نظام درج في العالم، وأقدم حائط، وأقدم برج دائري للدفاع في العالم، حيث يعود إلى سبعة آلاف عام قبل الميلاد، وهو موجود في وسط الموقع، وتعود آخر سلالة قامت بالإستيطان في هذا الموقع إلى العصر البيزنطي والإسلامي الأول.
يقطع المنطقة «نبع عين السلطان» الذي سمي بهذا الاسم لأن البابليين قاموا بإقتلاع عيني ملك منحى عن العرش من بيت المقدس، وقد أطلق عليه أيضاً اسم «نبع اليشا» بعد أن قام النبي إليشا بتحلية مياه هذا النبع.
من المعروف أن مدينة أريحا البيزنطية كانت موجودة داخل وحول المدينة الحالية الحديثة، فقد تم اكتشاف العديد من الأديرة والكنائس فيها، أهمها الاكتشافات الخاصة بدير قرنطل «جبل الأربعين»، حيث بلغ ارتفاع الجبل نحو 350 متراً إلى الغرب من مدينة أريحا والذي يطل على وادي الأردن، وفي هذا الموقع أمضى السيد المسيح عليه السلام 40 يوماً وليلة صائماً ومتأملاً إغراءات الشيطان له، وعلى المنحدر الشرقي للجبل توجد العديد من الكهوف ويبلغ عددها حوالي ثلاثين وربما أربعين كهفا، وقد سكنها النسّاك والرهبان في الأيام الأولى للمسيحية.
في المدينة العديد من الأديرة، أما دير مار يوحنا، فيقع على نهر الأردن، وقد بنته جماعة الفرنسيسكان في عام 1925 على مقربة من ساحة المدينة، وفيه كنيسة الراعي الصالح، وعدة أيقونات جميلة إضافة إلى مروحة ونوافذ مزخرفة وتمثال للسيدة العذراء والطفل يسوع وتمثال للسيد المسيح وبعض اللوحات الزيتية، وفي الكنيسة مكان لتعميد الأطفال، وآخر للاعتراف أمام الكاهن، وهناك مجموعة من الأديرة الأخرى مثل دير الروم، دير الحبش، دير المسكوب، المغطس، دير القبط، دير القلط، قصر حجلة أو دير حجلة.

قصر هشام

إلى الشمال من مدينة أريحا، وعلى مسافة 5 كيلومترات تقريباً، وفي منتصف منطقة صحراوية يقع القصر المزخرف المسمى «قصر هشام»، وهو الذي شيده الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك أو الوليد بن يزيد، حيث كان مقراً للدولة حين كانت السلالة الأموية العربية تحكم إمبراطورية تمتد من الهند إلى فرنسا، وكما هو الحال مع معظم الخلفاء العرب، وهو ما جعل الخليفة هشام بن عبد الملك يفضل حرية الصحراء على حياة المدينة في العاصمة دمشق.
أما القصر، فهو عبارة عن مجموعة من الأبنية وأحواض الاستحمام والجوامع والقاعات الكبيرة، وقاعات مليئة بالأعمدة الأثرية، وتعتبر الفسيفساء والزخارف والحلي من الأمثلة الرائعة للفن والعمارة الإسلامية القديمة. وتقول الروايات القديمة، أن زلزالاً عنيفا ضرب المنطقة ودمر الأبنية في قصر هشام قبل أن تكتمل، وبفعل الأتربة والأنقاض المتراكمة، حفظت الفسيفساء والرسومات الرائعة الموجودة في القصر.

طواحين السكر

عُرف إنتاج قصب السكر وتصنيعه منذ زمن الأمويين، وقام الصليبيون بتوسيع إنتاج السكر للتصدير إلى أوروبا، ولهذا بنوا طواحين سكر متطورة، بقيت آثارها في مدينة أريحا، وما تزال الآثار الدالة على القنوات التي جلبت المياه من عين الديوك، ظاهرة للعيان اليوم، وقد وفرت المياه الطاقة اللازمة لتشغيل الطواحين إضافة إلى ورشات صناعة الخزف ويستطيع المرء أيضاً رؤية آثار المعصرة والمصنع القديمين، وهي موجودة في منتصف الطريق بين تل السلطان وجبل قرنطل.

مدينة «نعران»

هي المدينة البيزنطية الصغيرة، التي تقع على بعد أربعة كيلومترات إلى الشمال الغربي من أريحا قرب نبع عين الديوك وعين النويعمة، حيث تستطيع تتبع مسار القناة التي جلبت المياه إلى قصر هشام، من أكثر الآثار الدالة على هذه القناة هي روعة القوس العظيم الذي يربط أطراف الوادي بالقرب من الينابيع.
على المدخل الجنوبي لمدينة أريحا، عند نقطة التقاء وادي القلط مع سهل أريحا، تقع تلول أبو العلايق والموقع مشيد بين عدة تلال منخفضة على جانبي وادي القلط، وتستطيع الوصول إلى هذا الموقع بسلوك الطريق العام القدس- أريحا أو عبر سلوك طريق أريحا القديم المحاذي للوادي، وتعود أقدم الاكتشافات في موقع تلول أبو العلايق إلى العصر النحاسي قبل الميلاد، لكن البقايا القديمة التي هدمت تعود للعصر الهلنستي أو العصر الروماني، وكانت أريحا في فترة الإمبراطورية الرومانية حديقة غناء مليئة بالفاكهة وأشجار النخيل، وحينها قام مارك أنتوني بإهداء هذه المدينة الجميلة إلى كيلوباترا ملكة مصر، لكن المدينة وصلت إلى قمة تطورها في فترة حكم هيرودوس العظيم، حيث قام ببناء قصره الشتوي في موقع تلول أبو العلايق، الذي بات يعتبر من أفضل وأجمل الأبنية المرممة في الموقع، ويعتقد أنها كانت المركز الإداري لأريحا في ذلك الوقت، وقد بني القصر على جانبي الوادي للسماح لساكنيه بمشاهدة المياه المنسابة في الوادي في فصل الشتاء.

الحديقة الملكية

الاكتشاف الأهم، كان عندما عثر على حديقة ضخمة من أشجار النخيل والبلسم بمساحة تقدر بأحد عشر ألف متر مربع خلال حملات التنقيب عن الآثار من الناحية الشمالية من القصر، وقد سميت بـ»الحديقة الملكية» وتم العثور أيضاً على أساسات للحائط الذي يحيط بالأبنية وكذلك على بعض الورش، وبرك السباحة، والأفران، ومعصرة لصناعة الخمر، وأنظمة مجاري، وأبنية لحفظ المياه، ويقال أن هذه المنطقة كانت تعرف على أنها المنطقة الصناعية للمدينة في ذلك الوقت.
لكن أحداً لا يعرف حتى الآن، متى هجر هذا الموقع وأشارت بعض الدراسات إلى أن هذا قد تم حين ضربت المنطقة بزلزال عنيف في القرن الأول للميلاد، لكن بعض الآثار في تلول أبو العلايق من العصر البيزنطي والإسلامي تشير إلى أن الموقع لم يهجر بشكل كامل، ولكنه تقلص من حيث المساحة.
وستبقى مدينة أريحا والأغوار مثار حديث وبحث في أي اتفاق سلام، ذلك لأنها منطقة حدودية مع الأردن ومن المناطق الأكثر استراتيجية كونها سلة غذائية، وفيها البحر الميت، ونهر الأردن، وبوابة الفلسطينيين الرئيسية إلى العالم عبر الأردن، وتحتاج للكثير من الأموال لتكون كما ينبغي مجاراة لمكانتها الهامة على مختلف الصعد.

فادي أبو سعدى

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left