أطفال ينجزون معرض «لحظة2» وعفويتهم تحكي المرارة

«رجل الثلج» ينضم للنازحين من سوريا إلى لبنان

زهرة مرعي

Jan 26, 2015

بيروت – «القدس العربي» أن يمسك طفل نازح من سوريا إلى مخيم عشوائي في سهل البقاع، الشمال أو الجنوب، بكاميرا ويُدرب على استعمالها، فهذا بمقياسه حدث لم يكن حلماً. حجم المأساة التي يعيش وسطها النازحون في المخيمات العشوائية ليس لإنسان وصف بؤسها، الكاميرا هي الأصدق. إلى هؤلاء الأطفال وصلت «جمعية مهرجان الصورة ـ ذاكرة»، لتنفيذ مشروعها الثاني «لحظة2»، بعد «لحظة1» الذي نُفذ في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
بعد تسعة اشهر من المتابعة، وبتعاون مع منظمة اليونيسف كان افتتاح معرض «لحظة2» في صالة مسرح المدينة في بيروت. حصيلة تدريب ما يقارب 500 طفل بين عمر 9 و12 سنة على التصوير، وتزويدهم بكاميرات رقمية، كان معرض يؤرخ الحياة اليومية في مخيمات النزوح، حركة الناس، لهو الأطفال وتعثر حياتهم. 157 طفلاً كان لصورهم فرصة الوصول إلى المعرض. وكان لصورهم أن تروي حكاية التشرد بعيداً عن الديار.
في الصور عامة مشهد لا يغيب. إنها الخيام المُنشأة بجهود ذاتية. موادها الأولية من جدران وأسقف من كل ما طالته اليد. قماش مهمل. أوراق اعلانات ضخمة. المحظوظون منهم عثروا على قطع من ألواح الزنك. عجلات السيارات المرمية تفترش سطوح الخيام. تحميها من الاقتلاع حين تجن الطبيعة. المشهد الآخر الجامع بين حال البشر من صغار وكبار الافتقار إلى الأحذية الملائمة لتلك البيئة القاسية. نادرون من فازوا بحذاء كامل الأهلية. كثيرون ينتعلون مشايات أو حفايات آيلة للسقوط. وكثيرون تآلفت اقدامهم مع الوحل والتراب والثلج، وصارت جزءاً من الطبيعة. ثمة صورتان في المعرض عبرتا بشفافية وصدق عن حال الأقدام. كاميرا طفل ولجت عالم الأقدام المتعثرة في تلك المخيمات القاسية. التقط طفل صورة لجمع أطفال تظهرهم من الركبة حتى القدم. أقدام تروي بعريها عمراً من القهر. ومن حظي منهم بـ»حفاية» كان الدهر قد أكل عليها وشرب. الصورة الثانية تعيدنا إلى مدرسة ما قبل بناء الحجر والإسمنت. هي مدرسة «تحت السنديانة» التي طالعنا عنها في الكتب. لبنان عجز عن استيعاب كافة تلامذة النزوح السوري. والعالم العربي بماله المكدس في بنوك الغرب يتفرج على تلامذة سوريين دون مدارس. أطفال اخترعوا المدرسة. فكان الجلوس على قماش كبير أرضاً، يعلمون بعضهم بعضاً، والـ»حفايات» تزنر حدود المدرسة المستحدثة رغماً عن الواقع.
في المشترك الموازي الذي شكل جاذباً لعين الطفولة النازحة عن الديار، برزت مجموعة من البورتريهات. بينها كبار السن، حيث لقسمات الوجوه المنهكة من ندوب غدر الزمان والحياة، حكايات مرّة «كزوم» الزيتون. ومنها وجوه أطفال بعضهم ألغى البسمة والأمل حتى من بؤبؤ العين. وآخرون جذبهم اللهو إلى عالمه، فتناسوا للحظات افتقادهم لأدنى متطلبات الحياة. عين طفل اغتنمت عرساً في المخيم. عروس بالأبيض يحيط بها المحبون. هو عرس يحتاج لأن يكون فرِحاً. عري منتشر بين الأطفال لم يغب عن الكاميرا. وتعددت الصور التي زينتها ازهار مرتفعة بفرح قرب بعض الخيام. من بين عشرات الصور التي حفلت بها القاعة الفسيحة وكذلك وسطها، لقطات تختزن لماعية عين وموهبة. منها: طفل يحمل كتابه ويذاكر، كرسيه جرة غاز فارغة خارج الخيمة. عائلة في صورة تذكارية تضم الأب، الأم والأطفال. وربما طفل العائلة هو المصور، ليحفظ في ارشيفه ذكريات النزوح. تجمعات لأطفال وأخرى لبالغين، والأيدي تنشد بعض الدفء من موقد صنع من المتيسر خارجاً. رجل الثلج سجل نفسه نازحاً مقيماً، ووجد من يمنحه قبعة وشالأً. صورة مؤلمة لأطفال يطلون من خلف شبك معدني، وكأنهم محشرون في قن دجاج. في المخيم العشوائي الفقير حتى العدم، ثمة خيمة أزالت سقفها عوامل الطبيعة. أهلها يحتمون بما لها من جدران، وتبقى السماء خيمة لكل من شردهم الظلم والقهر والنزاعات المسلحة.
عيون الاطفال النازحين من سوريا تنقل واقعهم في المخيمات المنتشرة على الأراضي اللبنانية. أما القائمون على هذا المشروع في جمعية مهرجان الصورة ـ ذاكرة، فيرون أن التصوير الفوتوغرافي «يلعب دوراً علاجياً للأطفال من خلال السماح لهم بالتعبير عن أنفسهم بطريقة فنية سليمة. يخفف آلام هؤلاء الأطفال. يمكن لهم تصوير حياتهم اليومية واكتشاف قدراتهم وتطويرها. لدى الأطفال نظرة عفوية وذكية وحساسة يرون من خلالها العالم». نعم من خلال براءتهم وعفويتهم صور الأطفال النازحون حالهم. والعالم يتفرج، وضميره يمارس الفعل عينه.

زهرة مرعي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left