يبدو أن عناصر الحكم في العراق لازالوا مصممين على اتباع ألف باء التحرير، الذي درسوه أيام المعارضة، في أكاديميات المخابرات الامريكية والغربية والايرانية. ذلك التحرير الذي شاهد العالم أجمع، من على شاشات الفضائيات، أولى تطبيقاته العملية على أرض الواقع، وعاش العراقيون احتفالاته الوحشية منذ عام 2003 وحتى اليوم.
كانت قوات (التحرير) الامريكية والبريطانية تتقدم برا وجوا وبحرا، لتدمر كل شيء على الارض بأسلحتها الفتاكة، وتهد المصانع والبنايات والجسور والطرقات، وتحرق المزارع والحقول، بينما كانت طلائع (التحرير) العراقية القادمة من خلف الحدود، تجوب الشوارع والازقة وتقتحم البيوت، تبحث عن كل عالم وطبيب وأستاذ جامعي ومفكر وشاعر وكاتب وضابط وطيار فتقتله. كانت تلك هي أولى خطوات التحرير الموعود، ثم استمرت الحملة بوسائل أكثر جرما مما سبق، بعد أن تبوأت تلك العناصر الخط الاول والثاني والثالث في كل المؤسسات العسكرية والشرطية والأمنية، وبات صنع القرار بيدها، وكل جهد الدولة المالي والاداري والبشري رهن إرادتها، فكانت النتيجة مئات الآلاف من الأبرياء قتلى ومعتقلين ومغيبين، وملايين البشر من دون ذنب مهجرين في كل أصقاع العالم، وأخرون تم إلقاؤهم على قارعة الطريق بعد أن اجتثوا وأقصوا من وظائفهم وقطعت أرزاقهم. ولان المحررين الجدد لا هم لهم سوى سرقة قوت الناس وثروات البلد، فقد تركوا شعبهم حطبا للسيارات المفخخة التي تحصد يوميا العشرات منهم، ثم وضعوا البلد في صدارة المؤشرات العالمية التي تبحث عن الاجّهل والامّرض والافّسد والاعّوز والاتعس، ثم يعود اليوم درس التحرير مرة أخرى، كي يتم تطبيقه على المناطق التي يقولون إنها معاقل لتنظيم الدولة في شمال وجنوب العاصمة بغداد، وكذلك في قرى ونواحي وأقضية محافظة ديالى وصلاح الدين، التي تشهد معارك لتحريرها من قبضة التنظيم.
لقد شهدت هذه المناطق جرائم بشعة ترافقت مع دخول القوات الحكومية النظامية وغير النظامية، ففي قرية بروانة وحدها وجد 77 مواطنا تم إعدامهم بإطلاقات في الرأس، وكانوا معصوبي الاعين ومقيدي الايدي، حيث نسبت إحدى النائبات عن محافظة ديالى الجريمة الى الميليشيات المحمية من قبل قوات الأمن، كما أكد المواطنون لإحدى الفضائيات بأنهم استنجدوا بمختار القرية الذي ذهب ليتفقد ما حصل فشاهد 35 جثة في منزل واحد، ثم عثر على أربعين أخرى في مكان قريب خلف المنزل، فعاد مسرعا ليقول لهم أتركوا كل شيء واهربوا، لانهم سوف يقتلوننا جميعا، وقد نشرت بعض الفضائيات العراقية شريط فيديو يصور الجثث الملقاة في الطرقات والبيوت، بينما ذووهم يحتضنون أجسادهم والدماء تسيل من الرؤوس. فهل تحرير المناطق يجب أن يكون ثمنه دماء وأموال الابرياء وتدمير دورهم وحرق مزارعهم؟ وهل وقوع محافظات عراقية كاملة تحت سيطرة «تنظيم الدولة»، يعني أن السكان فيها باتوا جميعا عناصر في هذا التنظيم؟ وإذا كان التنظيم قد ارتكب مجزرة في قاعدة سبايكر، فهل أن دماء ضحاياها يجب أن يدفعه الابرياء في كركوك وصلاح الدين والموصل وديالى؟ نعم هكذا هي العقول المريضة قد قررت، لذلك كتبوا على جدران قرية بروانه «هذا ثأر سبايكر»، حيث يبدو أن مقولة إحدى النائبات الحليفة للمالكي، التي سبق لها أن قالت عبر الاعلام، إذا قُتل سبّعة من الشيعة فيجب أن يقابلهم سبّعة قتلى من السُنّة، يبدو أن هذا القول بات قانونا في العراق اليوم، وأن تطبيقه يجب أن يرافق حملات التحرير التي تقوم بها القوات العسكرية والميليشياوية. إذن ما الفرق بين جرائم «تنظيم الدولة» وجرائم التحرير التي تحصل اليوم من قبل السلطة؟ وأين الحدود الفاصلة بين سلوك الدولة القانوني، وسلوك المنظمات المسلحة من خارج الدولة التي لا تعترف بالقانون؟ والى متى يبقى الانسان العراقي ضحية إجرام الدولة واللادولة؟
لقد تبارى الشركاء في تصريحات الإدانة والاستنكار والمطالبة بتشكيل اللجان التحقيقية، كما في كل مرة، كما ضجت المنابر الدينية بالمطالبات نفسها، لكن لا أحد فيهم يعي أن كل ما يخرج من أفواههم هو عار عليهم، لان كل المتحدثين هم أصحاب سلطة وقرار ونفوذ ديني ودنيوي. إذن يستنكرون ويدينون مَنْ؟ ها هو رئيس ما يسمى مجلس النواب العراقي يقول إنها «جريمة يندى لها الجبين وتقشعر لها الابدان قامت بها مجاميع مسلحة أمام أنظار القوات الامنية الحكومية»، لكن هل يعي رئيس مجلس النواب أن بدلته وربطة عنقه ويديه ملطختان بدم الابرياء من أهالي بروانة أيضا، لانه مسؤول في هذه الدولة؟ كلا أنه لا يعي ذلك، لانه سعى بكل الوسائل وقاتل قتال الصحابة الاوائل في سبيل الفوز بهذا المنصب، فقط كي يحقق فرية ما يسمونه التوازن في المؤسسات الحكومية في البلاد، أي أنه نظر الينا، نحن العراقيين، على أننا شيعة وسنة، وهذا هو حال كل المسؤولين في الدولة العراقية اليوم، وعندما ينظر المسؤول الى منصبه على أنه مجرد كرسي يوازن به كراسي الاخرين، يصبح هو نفسه مجرد قطعة من هذا الشيء، لذلك بات مسؤول السلطة التشريعية الحالي مجرد خط في لوحة الحكم الحالي، لان مؤسسته هابطة القيمة، وعندما تهبط قيمة المؤسسات في بلد ما تنفجر الجغرافيا وتندلع الحروب الاهلية وينعدم التفاهم على كل شيء، بينما تحقيق مؤسسات أصيلة ورصينة معناه إيجاد قوة قادرة على توحيد البشر، فتُنسى الجغرافية الطائفية ولن تكون وسيلة دفاع، كما هو حاصل اليوم في العراق وفي أقطار أخرى مجاورة. إن اختزال العمل السياسي العام بالحصول على منصب جريمة كبرى، لأنه يفرغ المناصب من قيمتها الشرعية والقانونية، كما أنه يحول العمل السياسي الوطني الى مجرد مزادات لبيع وشراء المناصب، إضافة الى أنه يغيّب الدولة ويجعلها مجرد مسرح للخلافات والصراعات الحزبية والطائفية.
إن رئيس البرلمان العراقي الذي دخل الانتخابات الاخيرة باسم قائمة انتخابية هي «ديالى هويتنا»، باعتباره من سكنة هذه المحافظة، هل يستطيع اليوم أن يقول لأهالي ديالى وليس كل العراقيين، ما هي المفاســـد التي استطاع درأها عن أهله في تلك المحافظة، وهو الذي يتربع على كرسي أعلى سلطة في البلد؟ وما هي المنافع التي استطاع جلبها إليهم؟
٭ باحث سياسي عراقي
د. مثنى عبدالله
أحيي وطنيتك يا دكتور مثني يا عراقي يا أصيل
ولكني غير مقتنع بأن سلطة رئاسة البرلمان هي الأعلى بالعراق
والا لما تخلى عنها الشيعة والأكراد للسنة العرب – وأعتقد أنك تعتقد ذلك
أعلى سلطة بالعراق يا دكتور هي سلطة قاسم سليماني – أليس كذلك
رحم الله شهداء الغدر بالعراق من جميع الأطراف
ولا حول ولا قوة الا بالله
الاخ الكريم داود بعد التحية…نعم أوافقك الرأي في سلطة سليماني , لكني قصدت بأن سلطة البرلمان هي الاعلى لانها هي كذلك في علم السياسة . أي أننا نتحدث عما هو معروف وليس كما هو معروض في العراق….مع التقدير
اود ذكر مداخلة او اضافة لمقالة دكتور مثنى والتذكير بمواقف سابقة لرئيس البرلمان تجاه مجزرة مشابهة لمجزرة بروانه ألا وهي مجزرة جامع مصعب بن عمير – حيث ظهر على شاشات التلفاز في حينها بمؤتمر صحفي مشترك مع زعيم منظمة بدر ليثول ان الحادث ناجم عن خلافات عشائرية وليس هناك اي دوافع طائفية او دور للميليشيلت وراء الحادث وان الكلام عن محاولات التغيير الديمغرافي لتركيبة المجتمع في ديالى غير صحيحة – لذا يمكن للقارئ الكريم ان يتصور حقيقة هذا رجل ومموقفه من ناخبيه وحتى من افراد عشيرته الجبور في ديالى الذين هم من ضحايا هذه الحوادث – وختاما نقول حيبنا الله ونعم الوكيل وان غدا لناظره قريب
يبدو ان كلمة ايران مزروعة في جينات الكروي وستسبب له كل الامراض النفسيه لايتلمون عن مجازر داعش ويتكلمون عن مجازر التحرير
ماهذا الكلام. كل من ينتقد فعل اجرامي لميليشيات شيعية يتهم لانه ارهابي او يوافق على الارهاب. الكل يجب ينتقد ولا يقبل باي عمل ارهابي وخصوصا من ميليشيات حكومية وباسلحة الدولة .فهمت. اما المجرمين الاخرين فهم ليسوا من الدولة بل ببساطة خارجون عن القانون.
اخي د. مثنى المحترم
كعادتك وصفت وأجدت, بارك الله بقلمك
الاستاذ د.مثنى بارك الله فيك وحياك و كثر من امثالك ايها العراقي الاصيل النبيل .اقرء كل كتاباتك منذ فترة طويلة , و اعرف جيدا انك تنقل مأساة العراق و العراقيين جميعا , ولكن هذه المرة حاولت ان لا اقرء مقالك هذا لكي لا اتألم ولكي لا اصاب بالاحباط و الكأبة لايام و ولكن لم افلح . اتمنى ان يأتي يوما واقرء لك مقالايبعث في النفس و نفس العراقين جميعا البهجة و السرور . تقبل تقديري و احترامي