توبي ماثيسن في «السعوديون الآخرون»: شيعة السعودية ينتظرون مواقف الملك سلمان والسيستاني مرجع أكثريتهم

سمير ناصيف

Feb 21, 2015

أوضاع المنتسبين إلى الطائفة الشيعية في المملكة العربية السعودية، سياسيا واجتماعيا، تشكل موضوعا هاما للدراسة، ولكن عددا قليلاً جدا من الباحثين أجرى دراسات علمية وموضوعية عنه، اولا، لحساسية الموضوع، وثانيا، لصعوبة الحصول على المعلومات والبيانات في الخصوص، وثالثا، بسبب تبدّل الأوضاع في المنطقة الشرقية من السعودية في السنوات والعقود الأخيرة وفي المنطقة عموما بشكل متواصل.
وقد تجرأ توبي ماثيسين، الزميل الباحث في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في كلية «بيمبروك» في جامعة كيمبردج البريطانية، وأجرى دراسة عن الموضوع بدأت في عام 2008 واستمرت لسنوات وأثمرت هذا العام كتابا بعنوان «السعوديون الآخرون، الشيعة والانشقاق والطائفية».
وأوضح ماثيسين في المقدمة ان كتابه أتى نتيجة لبحث ميداني أجراه في المنطقة الشرقية من السعودية، وفي بعض المناطق الأخرى المجاورة في عام 2008، ولمقابلات أجراها خلال وفي السنوات التالية لهذا التاريخ، في موقع البحث وفي دول أخرى تنتشر فيها المجموعة الشيعية. وقد ضمّت لائحة الأشخاص والقادة الذين تحدّث إليهم وحصل منهم على المعلومات شخصيات موالية وأخرى معارضة للنظام السعودي، ورجال دين وصحافيين وباحثين ومنتسبين إلى الشيعة، ممن ليسوا ناشطين سياسيا داخل السعودية ولا خارجها (في الكويت وسوريا ولبنان والبحرين واوروبا وامريكا).
كما أوضح الكاتب في مقدمة كتابه أيضا، ان الدولة السعودية كانت بحاجة لتعاون العائلات والقبائل وقادتها ورجال الدين في المنطقة الشرقية، ذات الأكثرية الشيعية، لبسط سيطرتها على منطقة غنية بالنفط وتنتشر فيها الشركات المتعدّدة الجنسية التي تنقّب عنه وتستخرجه. ولكنه اشار إلى ان قادة الشيعة في المنطقة الشرقية، وبرغم تعاونهم مع السلطة المركزية في بعض المراحل، لم يتم دمجهم في النخبة السياسية التي تدير شؤون البلد، كما تمّ دمج قادة المجموعات السنّية المسلمة، برغم ان قادة السعودية، وخصوصا الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز قام بمبادرات فاعلة وهامة في هذا المجال.

المشكلة كانت، حسب المؤلف، انه عندما انطلقت صناعة واستخراج النفط في خمسينيات القرن الماضي، انتسب بعض أبناء المنطقة الشرقية إلى نقابات عمّالية ومنظمات يسارية وقومية عربية ونظموا اضرابات ضخمة مما دفع السلطة المركزية إلى منع الاضرابات والتظاهرات وتجميد الانتخابات البلدية وحظر أي تجمعات سياسية. وبعد انحسار دور اليسار والقومية العربية، اتجه أبناء المنطقة الشرقية إلى انشاء كتل معارضة إسلامية التوجّه، وامتدت الحركة الشيعية الإسلامية «الشيرازية» من العراق إلى السعودية، وخصوصا في السبعينيات، وحدثت انتفاضة شيعية في المنطقة الشرقية من السعودية في عامي 1979 و 1980 كانت الحركة «الشيرازية» محركا اساسيا لها.
العامل الاقتصادي لعب دورا في التحركات الشيعية، اذ قال الكاتب انه منذ اكتشاف النفط في السعودية، وخصوصا في المنطقة الشرقية، لعب أبناء المجموعة الشيعية دورا اساسيا في هذه العملية في كل مراحلها (الاكتشاف والاستخراج والتصدير) ولكنهم حصلوا على حصة أقل من باقي أبناء السعودية من الثروة التي حصدتها المملكة من هذه الصناعة النفطية.
وقد ادت المواجهة بين الدولة وبعض سكان المنطقة الشرقية إلى هجرة عدد كبير من السعوديين الشيعة من مناطقهم في فترة ثمانينيات القرن الماضي، وانتقلوا إلى دول كالعراق وايران. وتأثر بعض منهم ممن استقروا في ايران، بعد نجاح الثورة الإيرانية في تسلم السلطة في طهران، بالمواقف الثورية للنظام الجديد هناك ولكن قسما كبيرا منهم عاد إلى السعودية بعد ذلك، وانقسمت المجموعة الشيعية في المنطقة الشرقية إلى فئتين رئيسيتين احداهما تؤيد الجناح المعتدل في الحركة «الشيرازية» وتعتبر مرجعها الأساسي النجف الأشرف، والفئة الأخرى اختارت آية الله الخميني كمرجع لها. وهذا الانقسام، حسب الكاتب، ما زال موجودا لدى شيعة السعودية.
إلا أن الكاتب، وفي محاضرة القاها في لندن وقدّم فيها كتابه الجديد، أشار إلى ان أكثرية شيعة السعودية اختارت حاليا آية الله العظمى علي السيستاني، ومقره النجف الأشرف في العراق، كمرجع لها، لأن علاقتها بالسلطة كانت أفضل خلال فترة حكم الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز، ولأنها في هذه المرحلة ليست في حالة تأجج سياسي، بل في فترة هدوء بانتظار الوجهة التي سيختارها الملك سلمان بن عبد العزيز وإذا كان سيختار اصدار عفو عن قادة من أبناء شيعة السعودية محكوم على بعضهم بالاعدام وعلى بعض آخر باحكام سجن بسبب نشاطاتهم المعارضة للسلطة المركزية ودعواتهم لقلب النظام في عام 2011.
وتحدّث الكاتب عن اتفاق تم في عام 1993 بين السلطة المركزية وقادة الشيعة في المنطقة الشرقية صدر من بعده العفو العام عن المعتقلين عن الشيعة، وذلك بعد حرب الخليج الاولى، وانتشار القوات العسكرية الأمريكية على الأراضي السعودية. وقد لاقت هذه الخطوة معارضة من السنّة المتشددة ومن المجموعات الشيعية المتشدّدة، في الوقت ذاته. وبين الجهات الشيعية التي عارضت هذا التوجه حزب الله في الحجاز، الذي وُجهت إليه الاتهامات بتفجيرات مدينة الخُبَر، في عام 1996، التي أصابت مساكن العسكريين الأمريكيين.
وأشار الكاتب انه، منذ عام 1993، تمّ ضمّ شخصيات من القيادات الشيعية إلى مجلس الشورى، وفاز قادة من المجتمع المدني الشيعي في المنطقة الشرقية بمقاعد في انتخابات المجالس البلدية، وعادت حركة صحافية وثقافية كانت ممنوعة في المنطقة إلى الظهور. وكل ذلك، تم بمبادرات من ولي العهد آنذاك (الذي أصبح ملكا بعد ذلك) الراحل عبد الله بن عبد العزيز. وقد انشأ الملك الراحل حوارا وطنيا بين السلطة المركزية والقادة الشيعة في المنطقة الشرقية (حسب المؤلف) تمّ تعزيزه في عام 2003 في وثيقة بعنوان «رؤية لحاضر ولمستقبل الوطن.»
بيد ان ماثيسين يشير إلى انه بعد انطلاق انتفاضات ما سُمّي «الربيع العربي» في عام 2011 خرج سعوديون شيعة في تظاهرات في شوارع مناطقهم في الاحساء والقطيف. وكان ردّ فعل السلطة المركزية،عنيفا ما ادى إلى مقتل متظاهرين وحدوث توتر بين الجهتين وانطلاق شعور متزايد بعدم الاندماج لدى بعض الشيعة، ولاعادة النظر إليهم من البعض، ولهذا السبب اختار هذا العنوان لكتابه.
واعتبر الكاتب ان الاصلاحات والمبادرات التي قام بها الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز ازاء شيعة السعودية كانت ذات أهمية كبيرة ولكنها لم تبدّل بشكل جذري أوضاعهم ولم تغيّر طريقة تعامل النظام معهم، كما لم تتوصل إلى تغيير النظرة الوهابية المتشددة إلى الإسلام الشيعي وإلى الاعتراف به كجزء أساسي من مدارس الفقه الإسلامي. وفي وقت قبلت فيه المدرسة الحنبلية الوهابية المذاهب الإسلامية الأخرى كالشافعية والمالكية والحنفية، فانّها لم تقبل بالمذهب الجعفري الشيعي.
وأشار المؤلف إلى انه لا يعتقد ان الدولة السعودية ستنفذ احكاما بالاعدام ضد قادة من الشيعة السعوديين الذين طالبوا بتغيير النظام السعودي في عام 2011 لأنها تدرك أن الخلافات المذهبية هي سياسية أكثر منها دينية ولا تود تصعيدها.
بيد ان الكاتب يستذكر ان مواقف الملك الراحل عبدالله المعتدلة وانفتاحه ازاء شيعة السعودية تعرضت لانتكاسة في عام 2005 بسبب المواجهة السنّية- الشيعية في العراق وانعكاسها على أوضاع شيعة السعودية، وان انتفاضة شيعة السعودية في عام 2011 فاقمت هذه الامور، بالاضافة إلى انتفاضات شيعة البحرين ضد نظامهم، وردود الفعل السلبية ضد المذهب الشيعي من بعض رجال الدين ودعاة الوهابية والسلطة في السعودية.
ولكنه، وفي محاضرته في لندن، أشار إلى ان التبدلات الأخيرة في الأوضاع في العراق، ومواجهة المتطرفين والمتشدّدين فيه، ربما ستدفع إلى تهدئة الأوضاع بين السنة والشيعة في السعودية، وفي المنطقة عموما. ولكن يجب، في الوقت عينه حسب رأيه، وقف الحملات بين الجانبين، والاعتراف المتبادل بالمساواة في إسلامية الجهتين. وهذا ما طالب به 450 موقعا لوثيقة بعنوان «شراكة في الوطن» نُشرت في وسائل إعلام لبنانية وعربية مؤخرا ووقّعها منتسبون إلى الحركة «الشيرازية» الشيعية في السعودية المعتدلة نسبيا، بالإضافة إلى بعض المنتسبين إلى حركة «خطّ الإمام» المقربّة من إيران. وشملت تواقيع شخصيات شيعية من القطيف والدمام والاحساء ومناطق أخرى.
ويوضح الكاتب ان انطلاق منظمة «القاعدة» واعلانها شن الحرب على النظام السعودي والسعودية عموما نبّه شيعة السعودية إلى خطورة الوضع بالنسبة إليهم، برغم الحملات القائمة ضدهم من بعض الجهات السنّية المتشدّدة. وبالتالي، فالوضع الحالي ينتظر مبادرات لمعاودة الحوار بين الجانبين(السلطة والقيادات الشيعية في المنطقة الشرقية)، والذي يعطله صدور الفتاوى عن دعاة وهابيين متطرفين يعتمدون التحريض الطائفي والمذهبي. والكل ينتظر موقف الملك سلمان إزاء هذا الوضع، حسب الكاتب، بما في ذلك دول حليفة للسعودية من خارج المنطقة.
وجدير بالذكر ان الشيعة في السعودية يشكّلون حوالي 10-15 في المئة من مجموع سكان البلد، ويقطن حوالي 75 في المئة من مجموعهم في المناطق التي تتواجد فيها الثروات النفطية السعودية.
ومن الواضح ان الكاتب تمنى ان تستمر المبادرات الايجابية التي بدأها الجانبان في ظل الأوضاع الراهنة الخطيرة التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط عموما، والعالم العربي بشكل خاص. فالقضية، برأيه، سياسية قبل أي شيء آخر. ومتى تمت معالجة القضايا السياسية فبالامكان معالجة الخلافات المذهبية والاجتماعية.

Toby Matthiesen: The Other Saudis: Shiism, Dissent, and Sectarianism.
Cambridge Middle East Studies, Cambridge 2014.
292 pages.

سمير ناصيف

- -

2 تعليقات

  1. أنا أعيش في المنطقة الشرقية ولا أجد أي ظلم للسعوديين الشيعة بل بالعكس. في القسم عندنا أكثر من ٧٠ % شيعة بدأ من رئيس القسم حتى الفراشين. هناك الكثير من السنة في السعودية لا يجدون قوت يومهم. ثم لو قارنا وضع الشيعة في السعودية بوضع السنة في إيران ( وهم أيضا يقطنون في مواقع إنتاج البترول) لوجدنا أن الشيعة السعوديين في نعيم يحسدون عليه. ثم لا يجب أن ننسى أن حاكم المنطقة الشرقية متزوج منهم ( وله منها أبناء أي أمراء) فكيف يظلمهم وهم أنسباؤه؟؟

    • أنا متأكد لو امتنع الشيعة عن تبعيتهم وانقيادهم نحو إيران وامتنعوا عن دفع الخمس للمعممين الذين يعدون من اثرياء إيران لوجدت الشيعة من أغنى العوائل ولو نظرت للمناصب التي يتقلدها الشيعة في الدوائر الحكومية مثل شركة ارامكو وغيرها لعرفت بأن الحرية التي يدعون انها سلبت منهم انما هي حرية الانقياد والولاء لدولة إيران وهذا لايرضي أي دولة خاصة وأن إيران تستغلهم كأدوات لتحقيق مشروعها الصفوي كما حدث في اليمن …

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left