إنه الجنرال سليماني فأين جنرالنا العربي؟

حجم الخط
10

أصيخوا السمع إلى كل وسائل إعلامنا، فلن تجدوا فيها اسماً ألمع من اسم الجنرال قاسم سليماني، حتى طغى على أسماء وألقاب أصحاب الجلالة والفخامة والسمو من قومنا.
إنهم يغطّون في سبات عميق، بينما يقضم الجنرال من جُرف خريطة الوطن العربي كل يوم قطراً وليس متراً. تجدونه في دمشق وبيروت علناً، وفي غيرهما سراً، بينما يضع على خريطة العراق خطوط طول وعرض جديدة، ويحدد أبعاد كل محافظة ومدينة وقرية فيه، كي تتلاءم مع المصالح الإيرانية المنفجرة في كل اتجاه، فلم يعد تأمين الشريط الحدودي كافياً كي تقر عين الولي الفقيه، وهو ذراعه التي لا تلين. إنه يتجول في الشمال على أضواء مشاعل الأكراد، التي تنير له الطريق، ويسير في الجنوب تسبقه مباخر الميليشيات من رفاق السلاح في الثمانينيات، وفي الوسط تُفتح له كافة أبواب مكاتب المسؤولين، سنة وشيعة وأكرادا في المنطقة الخضراء، بل البعض منهم وضعوا صوره على مكاتبهم محاطاً بالرفاق في جبهات القتال. إنه الوحيد الذي بات يحظى بالمقبولية من جميع الأطراف السياسية العراقية. لا تأخدوا على محمل الجد تصريحات هذا وذاك، التي تشير بامتعاض إلى دور الرجل، فالأمر بيد زعماء الكتل، وهؤلاء بات قاسمهم المشترك هو قاسم سليماني، حتى شيوخ العشائر وزعماء القبائل ورجال الدين ووجهاء القوم وعليته، باتوا ينتظرون بفارغ الصبر زيارته لهم في بيوتهم أو مضايفهم أو مكاتبهم، أو يسمح وقته لزيارة يقومون بها إليه، لأنه التعويذة الوحيدة التي تطرد عنهم الخطف والاعتقال والقتل، وتجعلهم آمنين مطمئنين على مستقبلهم السياسي أو الاجتماعي من سطوة الميليشيات.
يقول الأكراد أنه أول من هب لنجدتهم لوجه الله.. جاء يحمل شحنات الأسلحة والأدوية برفقة مقاتلين وخبراء ومستشارين، عندما وصل عناصر «تنظيم الدولة» إلى تخوم أربيل وهددوا حدودها. ويقول زعماء الإسلام السياسي الشيعي، إن الأمريكان أخلوا بالتزامهم في معاهدة الأمن المتبادل، ولم يصدوا عناصر التنظيم الذين احتلوا محافظات كبرى فيه، وحده الجنرال هو من هب لمساعدتهم والذود عن سلطانهم، ومازال يقود المعارك في كل الجبهات.
ويتحدث زعماء الإسلام السياسي السني همساً أو على استحياء، بأن الرجل يفتح ذراعيه لكل الأطراف، ولا «فيتو» لديه على أحد، وهي شهادة التقطوها له من زيارة سرية له قاموا بها لطهران بعيداً عن الأضواء، كي لا يجرحوا مشاعر حواضنهم الشعبية. كان فحوى الزيارة يدور عن ماهية الأسس التي تضعها طهران كي يكونوا مقبولين لديها في حكومة الشراكة العراقية، حتى لو كانوا مجرد ديكور يكمل المشهد السياسي. لكن السؤال المهم هو، هل أن الجنرال على خطأ في تحركاته في العراق وغير العراق؟ وهل من حقه أن يمارس هذا الدور القبيح علانية وسراً؟ والجواب على ذلك، في السياسة الخارجية لا توجد أدوار قبيحة وأخرى جميلة، حتى الدور الجميل هو قبيح، لكن تتم تغطيته بمساحيق التجميل، لانه طريقة للتعامل مع الأصدقاء، كي يبدو مقبولا أكثر ويحقق مصالح أكبر، فالسياسة حروب بلا دماء، والحروب سياسة تسيل في ساحاتها دماء. فعلامنا نلوم الجنرال لأنه يتجول بحرية مطلقة في عواصمنا ومدننا. إذا كانت السياسة الإيرانية تمثل خطراً على العراق والمنطقة العربية، فإن الخطأ هو في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كما هو موجود في السعودية ومصر وبقية دول التأثير العربي. الدليل على هذا الخطأ هو أنه بعد كل هذا التغول الايراني في العراق، يُصرّح وزير الخارجية السعودي، بكل خبرته الطويلة التي تجازوت عقودا من السنين، بأن إيران في طريقها لوضع يدها على العراق، وكأنه قد اكتشف الاسبرين! كان يجب أن تكون هذه الفكرة موجودة لدى صانع القرار العربي في كل الأقطار، خاصة الموثرة منها قبل عام 2003، كي لا يشاركوا في ذبح العراق من الوريد إلى الوريد، بل أيضا ذبحوا أنفسهم وأمتهم بوقوفهم المذل وموافقتهم على احتلال العراق.
من الطبيعي عندما تحدث ظروف استثنائية في دول ما، أن تأتي كل دولة لتحافظ على مصالحها في ذلك المكان، وهذه لعبة دولية طبيعية للدفاع عن المصالح. عندما حصلت الثورة الفرنسية كل الدول الاوروبية تدخلت كي تفهم ما الذي يجري. إذن ما الدافع الذي أبقى الدول العربية، خاصة المجاورة للعراق تشيح بوجهها عنه، بينما تحركت إيران فيه منذ اليوم الاول للاحتلال، على الرغم من أن إيران وسوريا والاردن والسعودية والكويت، كان احتضان وتدريب وتمويل ما يسمى المعارضة العراقية هو قاسمهم المشترك؟ جواب هذا السؤال يكمن في أن إيران لديها رؤية ومشروع ليس للعراق فقط بل للاقليم عموما. رؤيتها هي خريطتها التي عرفت بها كل تفاصيل العوامل الفاعلة في الواقع، ومشروعها هو خطوتها الاولى التي تحركت بها كي تكون هي الفاعل الرئيسي فيه وليس غيرها، كما أنها حرصت على أن تكون لهذا المشروع وجوه كثيرة، كي تلبس كل وجه بما تقتضيه ظروف ووجهة التحرك. لها وجه إمبراطوري قومي فارسي تقابل به الأتراك، ولها وجه مذهبي تكسب به أتباع المذهب في كل مكان، وتحاول أن تجعلهم أذرعا لها، ولها وجه آسيوي تتحرك به على الهند وأفغانستان والصين وكوريا وغيرها، كما أنها تسعى للحصول على وجه نووي كي تجلس مع الدول في هذا النادي أيضا، بينما لا يقابل كل هذا التحرك أي فعل استراتيجي عربي قائم على فهم هذا الدور واستحقاقاته السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية علينا. صحيح أن السعودية تسعى اليوم لتطوير القدرات العسكرية النووية الباكستانية، بهدف أن تكون تحت تصرفها لتحقيق التوازن مع إيران نووية مستقبلا، لكن هذا السلاح أصبح مجرد حالة ردع ساكن، لان الردع الفاعل هو بما تملكه أنت من أذرع فاعلة ممتدة للدفاع عن مصالحك في ساحات أخرى، وكي تنجح استراتيجيتك يجب أن تكون عوامل النجاح بيدك، وليس بيد الآخرين. أربع عواصم عربية خطفها المشروع القومي الإيراني ووضعها في رحله، ومازالت استراتيجيتنا التي نصوغها في بيانات قممنا العربية ولقاءات زعاماتنا الثنائية، هي التعبير عن القلق والاستنكار والاحتجاج على كل التمزيق الذي يقوم به الاخرون لشبكة أمننا القومي.

٭ باحث سياسي عراقي

د. مثنى عبدالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    مقال حزين لواقع حزين

    هدف ايران هو بكل بساطة مكة المكرمة
    ولماذا – لأن مهديهم سيخرج هناك بجوار الكعبة
    ولذلك لا أستغرب التعاون الصفوي الصهيوني الغربي علينا

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول مهند العراق:

    الدنيا دول يا دكتور. باﻻمس كان الرفاق يضعون صورة القائد الضرورة بجانبهم واليوم يضعون صورة سليماني. ماهو الفرق! كلهم رفاق.

  3. يقول عبدالله ناصر:

    الجنرال العربي اثقلته النياشين
    فلم يعد قادرا على خوض المعارك !! ههذا جوابا مختصرا على عنوان الموضوع!

  4. يقول سلمى:

    هذا هو الواقع التعيس و لكن الأيام دول و الحرب سجال و أعمار الشعوب لا تقاس بسنوات قلائل و كثيرا ما يكون الوصول الى القمةهو بداية السقوط.

  5. يقول محمد - مصر:

    الجنرال العربي موجود بس مشغول بأكل “رز” الخليج

  6. يقول سامح // الامارات:

    * الفرق واضح من زمان ؟
    ( ايران) تخطط سرا وعلانية وتنفذ ع الأرض .
    ( العرب ) للأسف لا يخططون ولا ينفذون !!!
    * ومما زاد الطين بلة ظهور البعبع ( داعش ) وقيامه بجرائم غير مسبوقة
    مماّ شجع على طلب العون والمساعدة من ايران لتخليصهم من
    الدواعش المجرمين .
    * لهذا السبب الجميع يعتقد أنّ ( داعش ) صناعة ( أمريكية / إيرانية / إسرائيلية)
    مهدت رسميا لدخول ايران العراق وبسط نفوذها عليه .
    * العوض على صاحب العوض .
    حسبنا الله ونعم الوكيل والله المستعان .
    شكرا .

    1. يقول سلمى:

      نعم، كلام سليم. هذه هي الخلاصة مع الأسف الشديد.

  7. يقول على نور الله:

    كما وضح المقال من غير قصد فان ايران تسعى دائما لترسيخ العوامل و المصالح المشتركة و تبحث عن القواسم الايجابية المشتركةسواء دينية او مذهبية او جغرافية او قومية او اى شئ ، بينما العرب يبحثون دائما عن الفوارق ليجعلوها حاجزا بينهم و الاخرين ، فهم يبحثون عن الفارق العقائدى الدينى فان لم يوجد يبحثون عن فارق مذهبي فان لم يجدوا يبحثون الفارق الاقليمى و الجغرافى فان لم يجدوا يبحثون عن الفارق اللغوى فان لم يجدوا فالفارق باللهجة المحلية فان لم يجدوا فالفارق بالشكل… الخ
    العربي يبحث عن اعداء و ايران تبحث عن حلفاء و اصدقاء ، و اثبتت دائما انها حليف حقيقى لا يتخلى عن حليفه مهما كانت الظروف ، و اثبتت انها لا تعض اليد التى تمتد لها ، بينما العرب فبمجرد انتقاد او كلمة صغيرة سيحولون حليفهم او من قدم لهم خدمات كبيرة الى اشنع الصفات و يجعلون منه عدوا ، و ما حدث مع ممثلة السويد فى الجامعة العربية خير مثال .
    ايران اثبتت ان العنف و القوة لا تخضعها بل تجعلها اعنف و اقوى وترد الصاع صاعين ، بينما بالاحترام و التفاهم تحصل على احترام و مصالح مشتركة ، بينما نحن العرب لا نحترم الا العين الحمراء

  8. يقول سعد العراق:

    داعش ليست صناعة امريكية انما مجموعة اغبياء يمارسون الحكم وهم ليسوا اهل لها ويوفروا الحجج للاعداء كما فعل صدام عندما دخل الكويت واعطى الحجة لضرب العراق وتدميره وهو يخال نفسه سيكون زعيم الامة العربية

  9. يقول محمد استراليا:

    أود أن اختصر كل شيء بعبارة واحدة ..عندما أعلنوا الجهاد الكفائي على أهل السنة من أبناء العراق … أين أمة المليار ونصف؟؟؟؟

اشترك في قائمتنا البريدية