جسد الحكاية وجسد النص القصصي: مقاربة في المصطلحات

د.ثائر العذاري

لا تكاد تخلو دراسة في القصة القصيرة من الإشارة الى أن القصة أكثر الفنون حساسية للنهاية، وربما يصل البعض الى القول انها نص مكتوب من أجل النهاية، وكل كلمة فيه تشير اليها، كما ذهبت الى ذلك سوزان لوهافر، في كتابها ‘الاعتراف بالقصة القصيرة’، لكن عن أية نهاية نتحدث؟ هل هي نهاية الحكاية (متوالية الأحداث) التي بنيت عليها القصة (النص)؟ أم هي نهاية النص القصصي (آخر جملة فيه)؟ مثل هذا السؤال يثير مشكلات اصطلاحية ملتبسة، تأتي من عدم الاتفاق على ماهية النهاية، وتتعدى ذلك الى مفهوم البداية أيضا.
لنفرض أننا نقرأ قصة مبنية على متوالية من خمسة أحداث هي (أ،ب،ج،د،ه)، فمثل هذه القصة يمكن أن تصاغ بالترتيب المنطقي للمتوالية (الحبكة التقليدية) بحيث تتوالى الأحداث كما يفترض أنها وقعت في الواقع، لكن ثمة احتمالات أخرى للترتيب تتحكم فيها التكنيكات التي سماها جيرار جينيت، الاستباق والاسترجاع، فيمكن مثلا أن تأتي القصة هكذا:
ب د أ ج ه
أو
ب ه د أ ج
وتحدث في مثل هذين الاحتمالين المفارقة الزمنية بين البداية والنهاية في الحكاية وما يقابلهما في المتوالية كما وردت في النص القصصي، فهل سننظر الى الحدث الأول في النص على أنه البداية والأخير على أنه النهاية؟
ويكون الالتباس أكبر عندما نواجه قصصا من ذوات النهاية المفتوحة وترد متوالية الأحداث هكذا مثلا:
أ ج ب د
حيث تم حذف الحدث (ه) الذي يفترض أنه نهاية الحكاية وترك القارئ يجتهد لبناء النهاية حسب فهمه. وسننشغل هنا بدراسة احتمالات النهاية المفتوحة، بينما نهمل النهاية الفيزياوية للنص المتمثلة بالجملة الأخيرة وأوقفت تدفق النص عند الكلمة الأخيرة.
نتحدث عن البداية غالبا على أنها النقطة الزمنية التي اختارت القصة أن تبدأ منها، ونتحدث عن النهاية على أنها الحدث الختامي الذي يحل نسق متوالية الحكاية ويوقف امكانية تدفقها. لكننا بهذا نرتكب خطأ كبيرا إذ نغفل عن البناء اللغوي للنص- الجملة الأولى والجملة الأخيرة.
لا أتحدث هنا عن التمييز التقليدي المفيد في كثير من الأحيان بين (المتن الحكائي) و(المبنى الحكائي)، فحتى في هذين المفهومين لا نهتم بالصياغة اللغوية، لأن (المتن الحكائي) هو موالية الأحداث كما يفترض أنها وقعت في الواقع، و(المبنى الحكائي) هو متوالية الأحداث كما تم ترتيبها في النص القصصي، وفي كلتا الحالتين نحن نتحدث عن القصة بوصفها متوالية زمنية للأحداث ولا نعنى بالنص بوصفه منجزا إبداعيا مادته اللغة. فهناك بداية ونهاية أخرى في النص القصصي لا علاقة لها بالحكاية، إنها بداية جسد النص ونهايته أو الجملتان الأولى والأخيرة.
الجملة الأولى هي الفخ الذي سيستدرج القارئ ويأسره، فلا يستطيع الخروج منه إلا عند جملة النهاية، فهي جملة إغرائية تقدم للقارئ معلومات كثيرة بكلمات قليلة، لكنها معلومات ناقصة تثير فضوله وتدفعه الى الأمام في القراءة سعيا لإتمام النقص.
أما الجملة الأخيرة فهي جملة إشباع، تعيد القارئ الى واقعه ليمارس إعادة بناء ما قرأ لتكوين رؤيته الشخصية.
عند هذه النقطة يبدو أننا بحاجة الى تأصيل مصطلحين يقابلان بداية الحكاية ونهايتها، يشيران الى بداية النص ونهايته ولا يختلطان بالمصطلحين السابقين.
أما جملة البداية فيمكننا استخدام المصطلح التراثي الذي اشتغل عليه الأستاذ ياسين النصير، وهو (الاستهلال)، لأنه يدل بدقة على الجملة الأولى ولا يمكن أن ينصرف الذهن عند سماعه الى (بداية الحكاية) أو الحدث الأول في متواليتها وهو المقابل للمصطلح الانكليزي Initialization.
وأما الجملة الأخيرة التي تمثل نهاية النص القصصي، فهي الجملة التي تقفل النص وتحل نسقه اللغوي وتعطل إمكانية تدفقه. إنها تشبه ضربة الفرشاة الأخيرة في الرسم التي يعرف الرسامون حساسيتها.
ثمة مصطلح سبق أن استخدمته في دراستي الأكاديمية أوائل التسعينيات واستخدمه غيري أيضا في البلاد العربية هو (الإقفال)، الذي يمكن أن يدل على انتهاء النص وتوقف امكانية تدفقه من غير أن يلتبس بنهاية الحكاية، وهو المقابل للمصطلح الانكليزي Closure وإذا عدنا الآن الى أمثلتنا الأولى، ففي كل الاحتمالات الآتية:
(س) ب ج د أ ه (ق)
(س) أ د ج ب (ق)
(س) ج ب ه أ د (ق)
تمثل (أ) البداية و (ه) النهاية بدلالتهما الزمنية على أول وآخر حدث في متوالية الحكاية، بينما تمثل (س) الاستهلال الذي هو دائما الجملة الأولى في النص القصصي، وتمثل (ق) الإقفال الذي يشير دائما الى الجملة الأخيرة الختامية.

Email this page
Share on Facebook