إطلالة على أكبر مُؤلّفات الرّاحل عبد الهادي التازي: التَّارِيخُ الدِّبْلُومَاسِيّ لِلْمَغْرِب مِنْ أَقْدَمِ العُصُور

محمّد محمّد خطّابي

May 02, 2015

غرناطة ـ «القدس العربي»: عن سنّ تناهز الرّابعة والتسعين عاماً لبّى نداءَ ربّه يوم الخميس 3 نيسان/أبريل 2015 في مدينة الرباط، الأديب، الباحث، الشّاعر، المترجم، المحقّق، الفقيه، المؤرّخ، الرحّالة، الدبلوماسي والأكاديمي المشارك العلاّمة الموسوعي الصّديق عبد الهادي التازي رحمه الله.
ومن بين العديد من المؤلّفات التي خلّفها لنا هذا الباحث الجهبذ كتابه الكبير»التاريخ الدبلوماسيّ للمغرب منذ أقدم العصور إلى اليوم» الذي يقع في عشرة مجلدات، ولقد استغرق تأليف هذا العمل أزيد من ربع قرن، ويلقي هذا الكتاب الأضواءَ بكيفية علمية توثيقية رصينة على مختلف المراحل التاريخية التي مرّت بها الدبلوماسية المغربية منذ أقدم العهود إلى يومنا هذا.
يشير عبد الهادي التازي في تقديمه لهذا الكتاب إلى أنه، « يتناول الصّلات التي ربطت العالم الإسلامي كلّه بالعالم المسيحي، لماذا؟ لأنّ المغرب- وهو يكوّن جزءاً كبيراً من الدولة الإسلامية الكبرى- قام بدور جدّ حاسم وخطير ومهمّ في المجموعات الدّولية، ومن ثمّ يسوغ القول بأنه مصدر من مصادر تاريخ العلاقات الدولية لملّة الإسلام قاطبة مع الملل الأخرى، وهل سجّل التاريخ الدولي للإسلام لقطةً أقوى وأكثر دلالةً من التي سجّلها عندما وردت سفارة من ملك إنكلترّا جون على الخليفة الناصر الموحّدي (609 1213) يطلب إلى العاهل المغربي أن يقدّم عونه المادي لإنكلترّا مقابل أن يعتنق جون دينَ الإسلام وأن يحمل أمّته على أن تحذو بكاملها حذوه..».

عن السّفارات والبعثات الدّبلوماسيّة

وقد عمل التازي في مقدّمة كتابه على إبراز سائر العناصر التي استرعت نظره، وهو يحرّر أبواب الكتاب وفصوله، وهكذا حسب قوله: «نظراً لأهمية المراجع التي ستشرتُها خصّصتُ جانباً من المقدّمة لمصادر التاريخ الدبلوماسي للملكة المغربية، أتيتُ فيه على معظم ما توفّرت عليه من مصادر مخطوطة أو مطبوعة، سواء أكانت باللغة العربية أو غيرها من اللغات الأخرى. ويضيف: «وجدتُ نفسي أمام (مناجم) إن صحّ هذا التعبير وليس أمام خزائن لآلاف الملفّات، وعشرات الآلاف من البطاقات، والخطابات، ومئات من الاتفاقيات والمعاهدات والبرتوكولات.. فضلاً عن مئات من السّفارات والبعثات الدبلوماسية لكلّ جهةٍ من جهات العالم». كما تناول المؤلف في مقدمة هذا الكتاب موضوع أصالة الممارسة المغربية في باب التعامل الدّولي، فضلاً عن حديثه المستفيض عن المدرسة البلوماسية المغربية، حيث نجد عدداً من الدّول تلتجئ إلى المغرب ليقوم بمساعيه الحميدة من أجل إصلاح ذات البين، وبناء قواعد السّلام، حيث توسّط المغرب بين عدد من الدّول الآسيوية والأفريقية، وتحقّقت وساطات المغرب أيضاً بين قارة وقارة، حيث وجدناه يسعى للصّلح بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الأيالات في أفريقيا، وبين قادة المغرب العربي. وعندما يتحدّث المؤلف عن السّفراء المغاربة يتعرّض «لأوراق الاعتماد ونوعية المرشّحين للمهام الدبلوماسية، ونشاط السفراء المغاربة في الخارج ومجاملاتهم.. وعن البعثات المتنقّلة أو البعثات المقيمة، وعن تفوّق المغرب في تنقّلاته السياسية».
ويتضمّن الكتاب معجماً للدبلوماسيين المغاربة، حيث نجد أنفسنا أمام لائحة طويلة للذين كانوا مبعوثين أمناء للتعريف بالمغرب، كان من بينهم سيّدات مغربيات وأخريات من أصل مغربي، هذا كما يحتوي الكتاب على باب طريف يسجّل فيه التازي انطباعات الزوّار الأجانب الذين كانوا يفدون على المغرب: «حول سياسة الحُكم في المغرب، وعن قوّة الحكم والحنكة والممارسة المتوازية، والاستفادة من الظروف والتسامح والعفو والعدل والتقوى، وإعطاء المثل للقدوة الحسنة، وظاهرة التخلّص من عقد النقص في الحكم المغربي، فالدّولة اللاحقة لا تتهيّب الثناء على الدولة السابقة، المرابطون يثنون على الأدارسة، والعلويّون يشيدون بالسّعديين …».
ويوجز الكتاب أهدافَ السفارات المغربية على امتداد العصور فيشيرإلى أنه «علاوةً على التوسّل لتحرير الثغور المحتلّة وتصفية قضايا الحدود، هناك أهداف الإخبار بالانتصارات واستمزاج الرّأي، واستقدام الخبراء، ومصاحبة البعثات الطلاّبية وتفقّدها، وإبرام عقود السلام والتجارة، ورفع التهاني وتقديم التعازي ومواساة الدّول التي تتعرّض لكوارث طبيعية، أو آفات سماوية، كما يسمّيها ابن خلدون. وقد كان من هدف السفارات المغربية أيضاً في بعض الأحيان شرح أهداف الدين الإسلامي، والدعوة إلى اعتناقه، هذا إلى جانب استرجاع المخطوطات العربية من المدن المسيحية، ودعم الصّلات مع دول المشرق وخاصةً عند مواسم الحج».

مذكّرات السّفراء المغاربة

ويتعرّض المؤلف عند تقديمه لهذا الكتاب إلى موضوع لا يخلو من طرافة، وهو المذكرات أو الكتابات التي خلفها بعض السفراء المغاربة على إثر سفارات أو بعثات لهم إلى بلدان شقيقة وصديقة، وتحفل تلك المذكرات في غالب الأحايين بغرائب الأخبار، وطرائف المعلومات عن الحياة اليومية والاجتماعية لتلك البلدان وعن تاريخها وسياستها وثقافتها، وفنونها، وعاداتها وتقاليدها وأعرافها..إلخ. ففي هذا الكتاب نقرأ على سبيل المثال حديثاً ممتعاً عن يحيى الغزال عند سفارته لدى الرّوم في العصور الوسطى، وعن ابن العربي في بعثته لدى البلاط العبّاسي، ولابن بطوطة في رحلته حول العالم، حيث تُتّخَذ له صورة عند زيارته للصّين، وعن التمكروتي في إسطنبول، وعن أفوقّاي في لاهاي، وعن الوزير الإسحاقي في سفارته صحبة الأمير محمد بن عبد الله، والسفير أحمد الغزال في رحلته إلى الأندلس، والسفير ابن عثمان المكناسي وهو في إسبانيا وإيطاليا وتركيا، ويتّخذ له بطاقة زيارة، ويتحدّث عن الثورة الأمريكية من أجل الاستقلال، ومذكرات السفير الزيّاني بمناسبة بعثته كذلك إلى إسطنبول، والناصري في المشرق، وأشعاش في فرنسا، وابن إدريس في باريس، والشامي والغسال في إسبانيا، والزبدي في دول أوروبا الأربع، فرنسا وإنكلترّا وبلجيكا وإيطاليا. والكردودي في إسبانيا، وابن سليمان في روسيا…» وسواهم.
ونجد بين دفّتي هذا الكتاب فصلاَ عن إبرام الاتفاقيات باللغة العربية كوسيلة وحيدة للتعامل في الداخل والخارج، وكيف أنّ المغرب كان يرفض تسلّم الرسائل غير المحرّرة باللغة العربية،على الرّغم من وجود قلم الترجمة في البلاط المغربي على مرّ العصور، ولأنّ المغرب ظلّ يعتمد في توثيق معاهداته مع الأجانب على التاريخ الهجري من غير أن يجافي أحياناً التقويم الشمسي، كما يعتمد على استعمال الأرقام المعروفة في الموسوعات العالمية بالأرقام العربية. كما نجد حصراً لبعض القصائد التي تسجّل مواقف سياسية أو دبلوماسية، في مختلف الأحقاب.

مراسيم ورود السّفارات

ويتعرّض هذا الكتاب السِّفر كذلك إلى عدّة مواضيع وأمور وأخبار لها صلة بالعمل الدبلوماسي بشكل أو بآخر فيفيها حقّها من العناية والدّرس، فهو يحدّثنا بإفاضة عن مراسيم ورود السّفارات، وتقاليد استقبالهم من طرف الملوك المغاربة، وعن اللوحات التي يرسمها بعض الفنّانين المرافقين للبعثات الأجنبية، وعن اللاجئين السياسيين الذين استقرّوا في المغرب من العرب والعجم.
كما أنّ هناك فصلاً عن الهدايا المتبادلة بين المغرب وغيره من الأمم، وعن البعثات القنصلية المقيمة في المغرب، ووضعية الدبلوماسيين الأجانب، وعن الحصانة، وحريّة العقيدة، والإعفاء من أداء الرّسوم الجمركية، ومبدأ المعاملة بالمثل، منذ عهد الدّولة الموحّدية. وقد أفرد الكتاب نبذاً حول بعض المدن المغربية العريقة التي كانت عواصم الدّول المتعاقبة في المغرب، مثل مدن فاس، ومرّاكش ومكناس وسلا والرباط، أو مدن مثل تطوان وبادس الأمازيغية والعرائش وطنجة، التي كانت لها أهميّة قصوى في تاريخ المغرب.
ويتحدّث الكتاب بغير قليل من التفاصيل عن تتبّع المغرب لما يقال عنه وما يجرى من حواليه على الضفّة الأخرى لحوض المتوسّط، كما يتحدّث عن استقدام البعثات العلمية، وتشجيع الدراسات الرياضية، وإنشاء المطابع وتعريب العلوم ،وتعميم الدراسات الحربية، ولا يهمل شعور المسؤولين المغاربة على حدّ تعبير المؤلّف بسوء الظنّ من مضاعفات النهضة الأوروبية التي كانوا يخشون أن تغزو تقاليدهم، وقيمهم، وتقضي على هويّتهم.
كما نجد في الكتاب عرضاً حول الجيش المغربي، وعن المناورات والاستعراضات والأسلحة النارية والمؤلفات العسكرية، وعن الأساطيل المغربية ودور الصناعة، وإرسال البعثات الطلاّبية للخارج للاستفادة من الخبرة الأجنبية، بالإضافة إلى معلومات غزيرة حول تاريخ البريد في المغرب، وإنشاء أوّل إدارة عصرية للبريد عام 1891، وظهور الطوابع البريدية المغربية منذ وقت مبكّر ،ويحفل الكتاب بأخبارعن الصّحافة في المغرب والنّشرات التي تصدرها البعثات الأجنبية في المغرب.
كما تناول الكتاب من جهة أخرى معظم مظاهر الحضارة المغربية من عمارة وصناعة تقليدية، وطبخ، وطرائق إعداد الشّاي المغربي وتقاليد شربه، والعطور في الحياة المغربية… إلخ.
واستعرض الكتاب آراء لبعض المؤرّخين القدامى في المغرب عند هيرودوت، وعلاقات المغرب بالفنيقيين والقرطاجنيين والرّومان والوندال، وعن علاقات المغرب بالخلافة الأموية في الأندلس، والصّلات المغربية الأندلسية منذ بداية وجود المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية إلى سقوط غرناطة 1492، ودور المغرب في نشر الإسلام في القارة السّمراء وتغلغل تأثيره الدّيني والحضاري فيها.
ويتناول الكتاب بداية اتصال المغرب بالدّول الأوروبية وعلاقاته بها منذ بداية الدّولة العلوية، وللعلاقات المغربية الإسبانية حضور قويّ في هذا المؤلَّف مبرزاً مشكل الثغور المغربية المحتلّة، والسّفارات المتبادلة بين البلدين، وعلاقات المغرب مع البرتغال، والإنكليز، وهولندا وبروسيا، والنّمسا، وروسيا، والدنمارك، والسّويد، والنرويج، وإيطاليا، والولايات المتحدة الأمريكية وسواها من البلدان الأخرى.
وبالجُملة لم يترك المؤلّف في هذا الكتاب صغيرةً أو كبيرة ً إلاّ ورصدها وأحصاها وسجّلها في أسلوب آسرِ جذّاب. وقد اهتم الكتاب باختيار ما يربو على أزيد من ألف رسم ليقف القارئ على الوسط أو المحيط أو الأجواء التي يحكي عنها الكتاب، فضلاً عن لوحات تاريخية ووثائق ومستندات وخرائط لم يسبق نشرها من قبل، وجعل الكتاب شارة على غلاف كلّ مجلّد ترمز إلى حدث مهمّ في تاريخ المغرب، علاوةً على ملاحق ونصوص اتفاقيات وخطابات وفهارس للأعلام البشرية والجغرافية والأمم والشعوب، والمصطلحات والأختام والأيام والأحداث والمواقع.. إلخ. وَحَسْبُ القارئ الكريم أن يعرف أنّ هذا الكتاب يقع في 3330 صفحة من القطع الكبير، وهو يخرج ولا ريب من هذه السّياحة التاريخية، والدبلوماسية والعلمية والأدبية وقد غنم الكثير.
وما زال هذا الكتاب الضّخم يحتلّ مكاناً أثيراً على رفوف مكتبتي وفى قلبي في آنٍ واحد، وفي مرّاتِ عديدة أجد نفسي مسوقاً للرجّوع إليه وتصفّحه، وإعادة قراءة فصول جديدة منه، ولا أخفي سرّاً إن قلتُ إنّني أجد متعةً كبرى لا حدّ لها وأنا أعيد قراءة الكلمة الرّاقية التي كان قد تفضّل المرحوم مشكوراً وكتبها أمامي على الصّفحة الأولى من المجلّد الأوّل من هذا السِّفر الكبير عند صدوره وإهدائه لي، كنت عندئذ أقيم بحُكم عملي في السّلك الدبلوماسي خارج المغرب متنقلاً بين مختلف بلدان العالم، وبشكلٍ خاصّ العالم الناطق باللغة الإسبانية، فقال لي عند تسليمي الكتاب بلهجة مغربية أصيلة مُميّزة «أرجوك أسّي محمّد بَرَّحْ به في كلّ مكان حللتَ به..» (أي عَرِّفْ به..) والله يشهد بأنني قد فعلتُ وما زلت…!

محمّد محمّد خطّابي

- -

3 تعليقات

  1. والله يشهد بأنني قد فعلتُ وما زلت…!

    وبدوري اشهد الله بان السي محمد الخطابي قد عرف بدور بمعلمة من معالم بلاده

    على غرار صاحبها الراحل التازي

    وتحياتي

  2. الله يرحم هذا العلامة الكبير وقد استمتعت كثيرا بأحد لقاءاته التلفزيونية و أتمنى شراء كتبه

  3. السلام عليكم و رحمة الله
    لماذا لالانستطيع العثور على اشهر كتب الاستاذ عبد الهادي التازي
    الرجاء اسمحوا لنا بالاطلاع عليها
    او ارشدونا الى الدليل
    نحتاج الكتب لبعض البحوث
    و ذلك تخليدا و اكراما لهذا الاستاذ الكبير
    شكرت تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left