الأردن وذريعة الأمن القومي: إعتقالات ومحاكمات لنشطاء العالم الإفتراضي وتعديلات تمس حريات التعبير

مي النمر

May 02, 2015

عمان -«القدس العربي»: باتت العلاقة بين الأنظمة العربية ومستخدمي الانترنت كعلاقة القط والفأر..الحكومات العربية ومع اتساع مساحة التعبير عن الرأي ونشر المعلومات أصبحت تترصد تحركات الأفراد على مواقع «العالم الإفتراضي» في الوقت الذي تستمر فيه محاولات المستفيدين من هذه المساحة للهروب من أحكام الحجز والحبس والملاحقات القانونية أثر تعبيرهم عن آرائهم الحرة.
وبعد سلسلة طويلة من حجب المواقع وحصارها وإسقاط السيرفرات «الموفرة للخدمة» لجأت الأنظمة العربية إلى الضغط على مستخدم الانترنت.
«القيام بأعمال من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية أو تعكير صلاتها بدول أجنبية أو تعرض الأردنيين لخطر أعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم».. تلك هي فحوى المادة الثالثة من قانون منع الإرهاب في الأردن والذي تم بناء عليه توقيف نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن زكي بني إرشيد، حين قرر أن يدلي بتصريح على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي هاجم فيه دولة الإمارات العربية المتحدة، بشأن إصدارها قائمة تضم ما سمته تنظيمات إرهابية، من بينها تنظيم وجماعة الإخوان المسلمين في العالم.
وبناءً عليه أصدرت محكمة أمن الدولة قرارا بسجن بني إرشيد لمدة سنة ونصف مع الأشغال الشاقة، بتهمة تعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية.
نقيب المحامين الأسبق ورئيس هيئة الدفاع عن بني إرشيد صالح العرموطي أشار في جلسة لاحقة للحكم إلى بطلان الإجراءات التي تمت في حقه معتبرها مخالفة للدستور والقانون والاجتهاد القضائي، مؤكدا براءة موكله من التهمة المسندة إليه، لعدم قيام أو توفير أي ركن من أركان وعناصر التهمة المسندة له، وعدم ورود أي بينة من النيابة ترتبط بالتهمة، معتبراً أن النيابة العامة أخفقت في إثبات القصد الخاص في قضية تعكير صفو العلاقات.
العرموطي كان قد تطرق في مرافعته إلى بنود قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وما طرأ عليه من تعديلات وصفها بـ»غير الشرعية وغير الدستورية وتتعارض مع أبسط قواعد حقوق الإنسان التي نص عليها الدستور، لا سيما المادة (3/ب) التي أسندت على أساسها تهمة تعكير صفو العلاقات» لبني إرشيد.
مضيفاً في جلسته إن «إصدار قوانين تتعارض مع حقوق الإنسان وحريته لتنظيم الظلم والاستبداد وتكميم الأفواه هي جرائم ترتب المساءلة الجزائية على الحكومة وعلى أي جهة تشريعية تصدر هذه التشريعات».

آراء معارضة للقانون

الرئيس التنفيذي لمركز حماية حرية الصحافيين نضال منصور وفي محادثة مع «القدس العربي» أكد أن المركز ضد أي قرار توقيف بحق المدنيين في قضايا لها علاقة بحرية الرأي والتعبير، وإن هذه القضايا ليس من المفترض أن يكون لها عقوبات بالتوقيف والسجن، وانه لا يجوز لأي قانون أن يرهق أو يشكل ضغطا على ممارسة هذه الحرية.
الدستور الأردني وفي رأي منصور لا يُجيز بعد تعديلاته إحالة المدنيين لقضايا حرية التعبير والإعلام لمحكمة أمن الدولة «القضاء الإستثنائي» باعتبار أن الجرائم في الأساس والتي تحال لهذا النوع من القضاء تتمثل في قضايا كالمخدرات وغسيل الأموال والإرهاب، وإن قضايا حرية التعبير لا تنطوي بأي حال من الأحوال تحت هذه الجرائم أو تحت مسمى «فعل إرهابي».
وأوضح منصور لـ«القدس العربي» إن المشكلة الأساسية هي في توسيع فهم النص القانوني لقانون منع الإرهاب، أو ما تسمى باللغة القانونية غير المنضبطة هي التي تتيح تطويع النص من أجل ملاحقة النشطاء في قضايا حرية التعبير، وهذا ما يعارضه المركز بشكل مطلق.
وأشار منصور انه وفي قضايا الصحافة لا يجوز محاكمة أي فعل تم نشره سواء في الإعلام الالكتروني أو المطبوع أو الإذاعة والتلفزيون إلا بموجب قانون المطبوعات والنشر، وذلك لا تخضع له «وسائل التواصل الاجتماعي»، لذلك يعتقد منصور أن الإحالة بموجب قانون منع الإرهاب أو قانون العقوبات يخالف قانون المطبوعات والنشر.
وطرح مثالا حيث تم ايقافه في قضية نشر مقال على المواقع الإخبارية الالكترونية، واحيلت لمحكمة الدولة، ما اعتبره متعارضا مع النص القانوني.
الكاتب جمال عبدالنبي أيوب وعلى غِرار قضية بني إرشيد، كان قد اوقف على ذمة التحقيق على خلفية نشره مقالاً تحت عنوان «ما سبب شن السعودية الحرب على اليمن» وتهمته تعكير صفو العلاقة مع دولة مجاورة.
تعديلات مستمرة

الحكومة الأردنية بدورها وفي الآونة الأخيرة ومع تأزم الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة العربية، كانت قد عدلت على قانون منع الإرهاب لعام 2014، والذي استحدث عام 2006. التعديلات التي طرأت على القانون اعتبرها بعض النواب الأردنيين توسيعاً لدائرة التجريم وتقييد الحريات العامة، رافضين التعديلات باعتبار إن القوانين ومنها قانون العقوبات كافية لحماية الأردن من الإرهاب.
وكانت اللجنة القانونية في مجلس الأعيان الأردني وافقت على تعديلات لقانون المطبوعات والنشر من شأنها زيادة الرقابة على التعبير عن الرأي على الانترنت، بعد أن أيد مجلس النواب مشروع القانون الحكومي مع تغييرات طفيفة. انتقدتها «هيومن رايتس وتش» بوصفها لا تتفق مع التزامات الأردن الدولية الخاصة بحماية الحق في حرية التعبير.

انتقادات

في الوقت ذاته صدر في عام 2014 تقرير عن منظمة «بيت الحرية» الأمريكية، حول حرية شبكة الانترنت، أشار إلى هبوط الأردن درجتين في هذا المؤشر، وبحسب تقرير هذه المنظمة غير الحكومية، فإنه «من بين الدول الخمس والستين التي تم تقييمها، شهدت 36 دولة منحنى سلبياً في حريات الانترنت لديها منذ أيار/مايو 2013، كانت أسوأها روسيا، وتركيا وأوكرانيا. وكانت كل من إيران وسوريا والصين هي الدول الأكثر انتهاكاً لحريات الانترنت بشكل عام» فيما سجل الأردن إنخفاضاً بمقدار درجتين خلال الفترة التي قيمها التقرير، إلى جانب لبنان والمغرب والسودان والولايات المتحدة، في حين سجلت روسيا وتركيا إنخفاضاً بمقدار ست درجات، كان هو الأعلى.
وجاء الأردن من بين الدول التي قال التقرير إنها «استخدمت ذريعة الأمن القومي من أجل وضع إجراءات قانونية تسمح بإمكانية وضع قيود على الخطاب المسموح قانونياً على الشبكة».
وقال التقرير إن «الأردن وسع تعريفه للنشاطات الإرهابية غير المشروعة، لتشمل أعمالاً يمكن أن تلحق ضرراً بعلاقات البلد مع بلدان أجنبية، بما في ذلك نشر التعليقات المنتقدة للقادة الأجانب على الانترنت».

رقابة متزمتة

من جهة أخرى وفيما يتعلق بكبت الحريات، كانت وزارة الداخلية الأردنية قد أصدرت تعليمات جديدة للرقابة على مقاهي الانترنت التي تنتشر في العديد من المناطق في المدن الأردنية. تلزم هذه التعليمات أصحاب مقاهي الانترنت بتركيب كاميرات مراقبة أمام واجهة المحل، بهدف معرفة مرتاديها، ذلك ما يعتبر انتهاكا للحق في تداول المعلومات وخصوصية المستخدمين على شبكة الانترنت.

تكاليف التعبير العالية

يربط كثيرون من جهة الإختصاص بين الخطط الأمريكية التي وضعت بالتعاون مع بعض الدول العربية تحت عنوان التصدي «للجهاد الالكتروني» وبين سعي بعض الحكومات العربية ومن بينها الأردنية لفرض المزيد من قواعد الرقابة على حريات التعبير خصوصا عبر الشبكة العنكبوتية التي لم تكن في العادة تطالها أنظمة ولوائح قانون العقوبات.
بالنسبة للمحامي المتخصص في قضايا الرأي والمطبوعات خالد الأسمر الفرصة كانت دوما مواتية لإستغلال أي غطاء غربي أو أمريكي تحت ذريعة حسابات الصراع مع الجبهات الجهادية في المنطقة بهدف فرض المزيد من القيود على حريات التعبير خصوصا وان المتاجرة بالقيود نفسها أصبحت سياسية بإمتياز كما حصل في القضية التي أدين فيها الشيخ زكي بني إرشيد في الأردن .
وهو يرى أن مجاملة الحكومة الأردنية لدولة الإمارات العربية المتحدة تطلبت إختيار نص إلكتروني للرجل عبر صفحته على فيسبوك والتقدم به للمحكمة بموجب قانون العقوبات الأردني الذي خضع مؤخرا لتفسيرات تلحق الصحافة الالكترونية بالصحافة الورقية العادية.
يحصل ذلك في الأردن وغيره من الساحات العربية وفقا للمحامي الأسمر لأن أجهزة الأمن العربية لاحظت أن الحراكات الشعبية في فترة الربيع العربي إستثمرت بكفاءة وسائط التواصل الإجتماعي والإعلام الالكتروني، الأمر الذي تطلب العمل خلف الستارة وبنشاط على إخضاع هذه التعبيرات لآليات العسف القانوني نفسها.
المسألة كانت أشبه بإستثمار أجواء أمنية محتقنة لتصفية حسابات سياسية مع الخصوم ومع رموز ونشطاء الشارع فما حصل في بعض الحالات النادرة في الأردن تكرس على أكثر من صورة مؤخرا في مصر وبلغة أظهرت أن ماكينة القمع واحدة في كل الأنظمة في المنطقة.
وفي الحالة الأردنية إعتمد الحراك الشعبي عدة مرات على تفعيلات الواقع التي يفرضها الإعلام الالكتروني الذي لم تكن قوانين العقوبات والمطبوعات من الناحية التشريعية مستعدة لإخضاعه أو مراقبته أو تدفيعه كلفة الأسقف العالية في التعبير.
من هنا برزت نقطة التحالف بين العقلية المحافظة في الحكومة والتيار الأكثر محافظة في البرلمان وتم التوافق على إقرار تعديلات قانونية تساوي في الكلف القانونية وفي التعرض للمحاكمة والخضوع لقوانين متعددة من بينها قانون العقوبات بين الصحافة الورقية أو السمعية وبين الصحافة الالكترونية.
بالنسبة لوزير الإتصال الأردني الناطق الرسمي بإسم الحكومة الدكتور محمد المومني التطور الكبير في العالم لوسائل الإتصال والتعبير تطلب بعد ملاحظة حجم التأثير والنفوذ توازنات قانونية تحاول منع الإلتفاف على القانون ومنع التهرب من المسؤولية الأدبية والقانونية تحت ذريعة حرية الرأي.
وجهة نظر الحكومة حسب المومني كانت من البداية الخضوع للمسطرة نفسها في القانون والعمل بالتوازي على رفع سوية سقف وحرية التعبير دون أن يعني ذلك مكافأة من يسيء لهذه الحرية وبالتالي لمصالح المجتمع والدولة والشعب أو يعتدي على الأفراد وكراماتهم.
لذلك عمل الوزير ورفاقه في الحكومة على ما تسميه السلطات بـ»ضوابط» معاكسة لإتجاهات الإنفلات تؤسس لمبدأ المسؤولية القانونية وهي ضوابط لاقت رواجا عند البرلمانيين وفئات عريضة في المجتمع بسبب الإستعمال المتعسف والسلبي في العديد من الحالات لحرية الفضاء الإعلامي سواء للمساس بكرامات الأفراد أو للعمل على المساس بالمصالح العليا للدولة والناس.
إنحرافات التعبير الإعلامي وحملات التشويه المستمرة لمجلس النواب مثلا ساهمت في أن يتفهم النواب المسوغات التي تتحدث عنها الحكومة وهي تطالب بإخضاع التعبير الالكتروني لمقاييس التعبير والنشر عبر الصحافة المطبوعة نفسها، الأمر الذي أثار ضجة واسعة النطاق على حد تعبير عضو المجلس محمد هديب في الوقت الذي أقر فيه البرلمان بصفته ممثلا للشعب القيود التي طلبتها الحكومة قبل ظهور ملامح التعسف في إستعمالها.

مي النمر

- -

2 تعليقات

  1. * من الآخر : ـ
    ** أنا مع ( الحرية ) حرية التعبير في كل المسائل والقضايا المهمة
    ولكن ضمن ( حدود وضوابط ) .
    * ( الأردن ) لا يقع في ( أوروبا ) بل في منطقة ملتهبة ومتفجرة
    وحقل من الألغام ؟؟؟
    * الحرية : لا تعني ( النقد السلبي ) ع الطالع والنازل .
    * الحرية : لا تعني مهاجمة خلق الله وتزويرالحقائق .
    * الحرية : لا تعني تخريب النسيج الداخلي للبلد .
    * الحرية : لا تعني هدم العلاقات البناءة مع دور الجوار .
    ** الحرية الحقة : هي التي تسعى ( للنقد البناء ) وطرح الحلول ( البديلة )
    والعمل على تقدم الوطن ونهضته وليس العكس .
    * شكرا

  2. °°° نظام الأردن كان في الشرق الأوسط بمثابة ” ايقونة ” الحريات والدمقراطية . بعد الربيع انزلق تدريجيا إلى القمع . وكان ذلك ” بإيحاء ” من الإنلقلابيين . أخشى ان يكون ملك الاردن قد اختار الطريق الغير السليم .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left