رواية «فئران أمي حصة» كل الطرق تؤدي إلى صراع الهُويّات

علي كاظم داود

May 05, 2015

يبدو جليّاً للمتابع أن الرواية العربية اليوم تعيش هواجس العنف الفئوي وصراع الهُويّات والواقع المضطرب والمستقبل المجهول، وتعمل على تمثيل هذه الهواجس التي هي بالأساس انعكاس لما يدور على أرض الواقع، بطرائق تمثيل مختلفة. والملاحظ أيضاً، في هذا الصدد، أن الرواية، بذلك، لا تعاين بلداً بعينه، بل تنظر إلى منطقة بأسرها وهي تشتعل، ولا يراد لها الانطفاء في المدى القريب.
تأتي رواية «فئران أمي حصة» للروائي الكويتي سعود السنعوسي ضمن موجة الرواية العربية الجديدة، لتحذر من حرب طائفية مقبلة، تدمر الكويت، وتحيلها إلى أرض خراب. حرب تشعلها الاختلافات والخلافات الفئوية بين مكونات الشعب الكويتي.

مستقبل مظلم:

تتوقع الرواية مستقبلاً ظلامياً مشبعاً برائحة الكراهية، فكل شيء في هذه الرواية يتحدث بلغة فئوية، وأغلب شخصياتها، حتى بعض الأطفال، نجدهم منقسمين إلى فئات وهويات فرعية، ولا يمكن لهوية وطنية عليا أن تذيب الفوارق الراسخة في طرائق تفكيرهم. وحده بطل الرواية وساردها من يتعإلى على الفئويات، ويسير في منطقة وسطى محايدة، حتى أنه لا يفصح عن اسمه الحقيقي، مقابل أسماء الشخصيات التي تشير بشكل مباشر إلى انتماءاتها وهوياتها الفرعية.
الرواية مُعبّأة بكم كبير من المتخيل المُفكَّر فيه، من دون أن تفسح المجال إلا للقليل من اللامفكر فيه، أو العادي واليومي والمنثور على صفحة الحياة، لأن يرى النور، ويجد له تمثيلاً في متنها الحكائي. لكن مع ذلك نلاحظ حضوراً للموروث الاجتماعي والمحكيات الشفاهية ومخزونات الذاكرة الجمعية، وهي تؤثث بعض فضاءات التذكر في الرواية، إذ يستغل سارد الرواية، الذي يناديه الآخرون باسم «كتكوت»، أغلب الفرص التي تسنح، للتداعي؛ لاستدعاء أي موقف قد يخدم قضيته، أو هدفه الروائي.

السرد بين زمنين:

تنقسم أحداث الرواية التي تجري «في بلاد تمسخ كل شيء باستبدال اسمه فور اكتسابه ذاكرة وهوية»، إلى مستويين أساسيين يسيران بالتوازي، يباعد بينهما الزمن:
الأول: مجريات تروى من وجهة نظر آنية، «يحدث الآن» محايثة لفعل السرد زمانياً، خلال يوم واحد فقط من عام 2020، أي أن هذا المستوى قائم على التنبؤ بأحداث ستجري في المستقبل.
الثاني: استرجاع الذكريات الطفولية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهذا المستوى يأتي على شكل رواية داخل الرواية، يقول السارد، مؤلفها، أنه قال كل شيء فيها بصراحة. وتنقسم إلى أربعة أقسام، كل قسم باسم فأر «شَرَرْ، لظى، جمر، رماد» في إشارة إلى مراحل تطور الفتنة والكراهية ومن ثم الاحتراب والخراب.
يتناوب هذان المستويان لربط النتائج المستقبلية بأسبابها التي وقعت في الماضي. يحضر الماضي بوصفه زمن الطيبة والنقاء والتعايش، والسؤال الطائفي الممنوع، لكنه يتضمن بعض بوادر الاختلاف التي تفاقمت بشكل تدريجي، فالخلافات الطائفية الصغيرة، هي التي صنعت الحرب الطائفية الكبرى التي التهمت الكويت في المستقبل. المستقبل الذي يكيل السارد له الشتائم، فهو مستقبل «مسخ غير واضح المعالم». زمن ميؤوس منه، يسوده العداء والتباغض والاحتراب، وفيه «نتنشق كراهيتنا كما الهواء».
التوازي في مسار مستويي الحكي في الرواية كان فاعلاً إيجابياً في التقليل من تركيز جرعة الظلامية والسوداوية والتشاؤم التي تشبع بها مستوى السرد المستقبلي، بخلاف مستوى استعادة الذكريات والأحداث الغابرة الذي كان الأغلب فيه، وإن لم يكن جميعه، ميالاً نحو حب الحياة والجمال والتفاؤل بالنظر إلى الزمن الماضي «زمان أول أو زمان الطيبين».

واقع عربي لمستقبل الكويت:

تُذكّر الرواية بمشاهد الحرب الأهلية اللبنانية، بوصفها صوراً متخيّلة لمستقبل الكويت، إذا ما استمر في الانحدار نحو مستنقع الخلافات الفئوية. كما تستعير، لتمثيل مستقبلها العنيف، كثيراً من الواقائع اليومية المعيشة في العراق، على امتداد سنوات احتقانه الطائفي، بسبب تشابه أجوائه وبيئته الاجتماعية من الواقع الذي تسعى الرواية لاستشرافه في الكويت. «ما ألفتُ مشاهدته على شاشات التلفزيون من مشاهد وأصوات تدور في دول المنطقة، بتُّ أشاهده حياً حولي». كما يحضر العراق بتأثيراته السياسية وامتداداته الاجتماعية في مواضع عديدة من الرواية، خصوصاً في انعكاس الحرب العراقية الإيرانية على الواقع الكويتي، وبعد ذلك احتلال العراق للكويت، حتى أن بعض أحداثها تجري في العراق، في بعض أماكن البصرة تحديداً.
الرواية تتنبأ أيضاً بحرب بين السعودية واليمن، وقد تحققت بالفعل قبل أيام، وبين السعودية والعراق، في صعيدين منفصلين، في إشارة إلى اندلاع الاحتراب الطائفي على نحو أوسع، ليس في داخل البلد الواحد، بل بين البلدان المختلفة مذهبياً.

تعدد الأصوات:

مع الفأر الثاني «لظى» ينتقل السرد من ضمير المتكلم بصوت الراوي المشارك، إلى ضمير المُخاطَب بصوت راوٍ عليم، من دون ضرورة فنية أو مبرر واضح لذلك، إذ لو استمر السرد بضمير المتكلم لما اختلف أي شيء في البناء الحكائي لهذا القسم من الرواية، حيث بقيت شخصية الراوي الأول هي نقطة التبئير والمحور الذي تدور حوله الأحداث، بل ربما كان هذا الانتقال مدعاة ضعف في بناء الرواية، إذ ظهر الراوي العليم كما لو أنه يُحدّث البطل بأحداث عاشها، ويعرف تفاصيلها جيداً، ولم يُضف له شيئاً جديداً لا يعرفه، وقد ابتدأت أحداث هذا القسم من حيث انتهى القسم الأول، الذي تكفل البطل بسرد مجرياته بشكل جيد، وقد تم إسكاته عنوة. أرى أن هذا الانتقال كان محاولة، غير موفقة، لخلق تعدد للأصوات داخل الرواية، أو لإبعاد شبح الرتابة عن صوت السارد، وهي خشية غير مبررة، لأن تناوب السرد بين زمنين كان كفيلاً بإبعاد هذا الشبح تماماً.
في هذا القسم تستعيد الرواية أحداث احتلال العراق للكويت، وتحوّله بين ليلة وضحاها إلى المحافظة العراقية التاسعة عشرة. في تلك الأيام الصعبة، فقط، اتفقت كلمة المواطنين، بعدما ذاقوا مرارتها معاً؛ لأن الخطر كان محدقاً بهم جميعاً، ولم يميز بين فئة وأخرى.

التحذير دائماً:

قارئ هذه الرواية سيكون عرضة لمشاعر عديدة تتفاوت بين التشويق والترقب والحزن والدهشة، وحتى الملل أحياناً، بسبب تفاوت مستويات بناء هذه الرواية واختلاف فضاءاتها وكثرة أحداثها وتركيزها الشديد على بعض الموضوعات وأحيانا مبالغتها في مواضع أخرى. كما هو الحال مع المبالغة في السوداوية والتطيّر واليأس من المستقبل، والتأكيد على ذلك بأساليب كثيرة جداً. لكن ذلك بدا مقصوداً أيضاً؛ من أجل أن تبقى هذه الرواية، وثيقةً سردية محذّرة، على مدى مستقبلي غير محدود، من مغبة الوقوع في براثن العنف الطائفي والفئوي. إنها رواية وطن مهدد، يسير به بعض أبنائه، بخطىً حثيثة، نحو مستقبل مظلم، أو نحو «وقتٍ لا مجدَ فيهِ إلا للظلام».
تتخذ الرواية من مقولة «الفئران آتية» التي ترد على لسان «فؤادة» وهي شخصية مستدعاة من إحدى المسلسلات الكويتية، موتيفاً يتكرر، محذراً من الخطر المقبل. كما توظف قصائد بعض الشعراء، ذات النبرة السياسية، وتمنحها مكانة مركزية في البنية الحكائية، لما تمتلكه من دلالات رمزية.
تتحول البلد إلى ركام مليء بالجثث، لا أحد يمكنه انتشالها، لكنه يوكل هذا الدور إلى كائن خرافي يطلق عليه اسم «تبّاعة الجيف» وهي على شكل طير أسود، ينقض على أي جثة مهملة، لم تجد طريقها إلى «نهر البين» الذي تلقى فيه جثث المغدورين.
الرواية، إذن، تكشف جميع أوراق أزمة الهوية في الكويت، أو في كثير من البلدان العربية، وتناقش كل شيء بصراحة ووضوح، ولا تدسُّ رأسها في الرمال في مواجهة هذا الخطر الداهم.
«فئران أمي حصّة» رواية لسعود السنعوسي، صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات ضفاف في بيروت، عام 2015.

* كاتب عراقي

 

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left