أزمة الصندوق الذي في داخلنا

حجم الخط
9

من نظريات الفكر الحديث المتداولة على نطاق واسع نظرية «التفكير خارج الصندوق» وتهدف النظرية إلى دفع الفرد للخروج من دائرة أنماطه السلوكية المعتاد عليها وفتح المجال له لإطلاق فكره الإبداعي بعد أن يتحرّر من أثقال الفكر التقليدي، وهي نظرية تم تطويرها تحديداً لحل المشكلات وعوائق العمل بطرق ابداعية بعيداً عن الحلول التقليدية أو المحاكاة.
ويرمز الصندوق إلى التفكير التقليدي النمطي، ويكون الخروج منه عن طريق تغيير طريقة التفكير أو عكسها وإعادة النظر في الفرضيات أو المسلّمات الموجودة في ذهننا، وهذا بدوره يساعد على ايجاد بدائل جديدة قد تكون أسهل الحلول وأقصرها، ولكن إصرارنا على التفكير النمطي التقليدي قد يجعلنا نغفل عن هذه الحلول البسيطة والبديهيّة.
الغريب في الأمر أن التجارب أثبتت أن الأشخاص البسطاء البعيدين عن الإختصاص، والأطفال عموماً يتمتعون بالقدرة على الإبداع والبُعد عن النمطيّة في التفكير، لأنهم لم يخضعوا لتجارب حياتيّة فرضت عليهم نمطا سلوكيا معينا، أو جعلتهم يتقوقعون داخل الصندوق، وكم من مشكلة عويصة قام بحلها طفل صغير أو شخص بسيط بتلقائية وبسهولة متناهيّة.
ومن الناحية الإجتماعية والنفسيّة ينصح المختصون مَنْ يُعانون من ضغوط في العمل أو في الأسرة، بالتعبير عن الضغوط النفسية بطرق غير معتادة مثل رسم صورة، كتابة الشعر، الغناء، أو ممارسة رياضة جديدة، والقيام بزيارة أماكن جديدة يزورها الشخص لأول مرة، وكل هذه النصائح تندرج تحت باب «الخروج من الصندوق».
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد شحرور أن أزمة الفكر الإسلامي أو العربي إجمالاً تكمن في البحث عن «النموذج» ومحاولة استنساخه أو إعادة انتاجه، ويضرب مثالاً على ذلك بأن الأمة الإسلاميّة تصبو لإعادة تكرار نموذج المسلمين الأوائل، بدلاً من العمل على تشكيل هويّة مستقلّة تخص جيلنا وتقدّم إضافةً للبشريّة، كما أنها حافظت على العلوم الدينيّة المتوارثة عبر الأجيال مع محاولات خجولة فيما يخص تطوير الخطاب الديني وإعادة إحياء هذه العلوم من جديد.
أتفق تماماً مع هذا التحليل الذي يضع اليد على الجرح تماماً، فعندما ننظر إلى واقعنا نجد أن العقل العربي هو أسير حلم الزعيم الذي ينهض بالأمة، والبطل «المُلهَم» الذي سيحقق المعجزات ويحل كل المشاكل بعصا سحرية، ولهذا ترانا دائمي البحث عن هذا «النموذج» في محاولة منّا للهروب من مسؤولياتنا، وعدم تكلّفنا عناء التغيير أو دفع ضريبته.
أما على مستوى موروثنا الديني، فبدلاً من إخضاع العلوم الدينية المختلفة للتراكم المعرفي والتطور باستخدام الأدوات المعرفية الحديثة كما حصل مع باقي العلوم، تم تأطير علوم الدين ووضع مُنتجاتها من عهد الأوائل داخل صندوق وحصر تفكير كل الأجيال التي تلت تلك الحقبة في نطاق هذا الصتدوق دون ترك أي مجال للتحديث والتطوير أو إخضاع هذه المُنتجات للتراكم المعرفي والتطوّر عبر الزمن، وبهذا نكون قد أغفلنا الواجب الأساسي لنا ألا وهو إضافة إبداعنا نحن كجيل مستقل مختلف فكرياً ومتقدّم معرفياً، تقع عليه مسؤولية النهوض بالأمة وتقديم حلول وأفكار تناسب العصر وتضعنا في تنافس مع باقي الأمم.
قال لي أحد الزملاء في العمل ذات يوم، أنه أراد تدريب أحد الموظفين الجدد على كتابة وتحرير السندات المالية، فقام بإحضار سند مالي من الأرشيف مُعبّأ حسب الأصول وطلب من الموظف تحرير سند مطابق له، مضى وقت طويل دون أن ينجح الموظف في إتمام المهمة ولاحظ زميلي أن الموظف الجديد يقوم بإعادة كتابة السند بالكامل ثم يتلفه ويعيد الكرّة من جديد، ولدى سؤاله عن السبب قال لقد قمت بتحرير السند ولكني أجد صعوبة في تقليد التوقيع الموجود على السند الأصلي !
هذه القصة التي تحمل طابع الكوميديا السوداء، تُلخّص واقعنا العربي للأسف، فطرق التعليم عندنا هي طرق استنساخيّة تحث على التقليد والمحاكاة وحفظ المعلومة دون أن نعقلها أو نفهمها، نحن نهتم بالنتيجة والمحصّلة دون العمل على إمتلاكنا القدرة على ربط المعلومة بواقعنا للإستفادة منها أو تقديم أفكار جديدة، نحن نبحث عن السَمَك ولا نريد ان نتعلم الصيد، والمشكلة الأكبر أننا ننقل هذا الإرث إلى الأجيال التي تلينا ونحاول إقناعهم أو إجبارهم في بعض الأحيان على اتباع نهجنا، وهذا ليس محصوراً في المدارس والجامعات ولكنه يشمل جميع قطاعات مؤسساتنا العربية الا ما رحم ربي، نحن بعيدون كل البُعد عن الحكمة التي تقول “لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”
معظمنا قرأ نظرية القرود الخمسة الشهيرة، وتأثر بها لأنه بشكل أو بآخر عاشها بنفسه في الواقع أو عانى منهاً في مكان العمل أو في الدوائر الحكوميّة التي راجعها، أو حتى في مجتمعه الأسري الصغير، ولكن القليل منّا من استفاد من هذه النظريّة وغيّر طريقة حياته بناءّ عليها.
مسؤولية المشاكل التي تسببنا بها تقع على عاتقنا نحن وليس على أي شخص آخر، وعلينا نحن أن نجتهد كي نقوم بحلّها، وكي ننجح في ذلك علينا أولاً أن نغيّر العقليّة التي تسبّبت بهذه المشاكل، وهذا التغيير المنشود يتطلّب البدء بمحاولة التفكير خارج الصندوق.
إبحث عن الصندوق الذي في داخلك، عايِنْ ما فيه وأَعِدْ ترتيبه، ثم احرص على أن تُبقيه مفتوحاً.

أيمن أبولبن – كاتب ومُدوّن من الأردن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    روى أبو هريرة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :
    ( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا )
    رواه أبو داود (رقم/4291) وصححه السخاوي في “المقاصد الحسنة” (149)، والألباني في “السلسلة الصحيحة” (رقم/599) وصححه الحاكم

    هذا عن التجديد بالدين يا أستاذ أيمن وهو مناسب
    أما عن نظرية القرود الخمسة فأعتقد أنها غير مناسبة
    لأن تفكير القرود محدود وليس كتفكير الانسان المتسائل دوما

    لمن لا يعرف نظرية القرود الخمسة يرجى قرآءة التعليق الثاني

    ولا حول ولا قوة الا بالله

    1. يقول أيمن أبو لبن:

      أخي داود نظرية القرود ليس القصد منها الحط من شأن الإنسان أو تشبيهه به، هي نظرية بحتة تعنى بالروتين والبيروقراطية وقد استخدمتها في محلها

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    سيناريو نظرية القرود الخمسة نقلا من الويكيبيديا

    أحضر خمسة قرود، وضعها في قفص !، وعلِّق في منتصف القفص حزمة موز، وضع تحتها سلماً. بعد مدة قصيرة ستجد أنَّ قرداً لنسميه القرد أ ما من المجموعة سيسارع كيما يرتقي السلم محاولاً الوصول إلى الموز. والآن !، كلما حاول القرد أ أنْ يلمس الموز، ينبغي عليك أن تطلق رشاشاً من الماء البارد على القردة الأربعة الباقين في الأسفل وأرعبهم!! بعد قليل سيحاول قردٌ آخر القرد ب أن يعتلي نفس السلم ليصل إلى الموز، والمطلوب منك أن تكرر نفس العملية، رش القردة الباقين في الأسفل بالماء البارد. كرر العملية أكثر من مرة! بعد فترة ستجد أنه ما أن يحاول أي قرد أن يعتلي السلم للوصول إلى الموز ستمنعه المجموعة خوفاً من ألم الماء البارد.
    الآن، أبعد الماء البارد، وأخرج قرداً من الخمسة إلى خارج القفص، وضع مكانه قرداً جديداً القرد س 1، هذا القرد لم يعاصر حادثة الماء البارد، ولم يشاهد شيئاً مما جرى داخل القفص. سرعان ما سيذهب القرد س 1 إلى السلم لقطف الموز، حينها ستهب مجموعة القردة المرعوبة ألم من الماء البارد لمنعه وستهاجمه. ستجد أن القرد س 1 مستغرباً من القرود، ولكن بعد أكثر من محاولة سيتعلم القرد س 1 أنه متى حاول قطف الموز فإنه سينال عقاباً قاسياً من مجتمعه لا يعرف سببه ولا يتبينه.
    الآن أخرج قرداً آخر ممن عاصر حوادث رش الماء البارد غير القرد س 1، وأدخل قرداً جديداً عوضا عنه، ليكن القرد س 2. ستجد أن نفس المشهد السابق يتكرر من جديد. القرد س 2 يذهب إلى الموز بكل برآءة وسذاجة، بينما القردة الباقية تنهال عليه ضرباً لمنعه. بما فيهم القرد س 1 على الرغم من أنه لم يعاصر رش الماء، ولا يدري لماذا يعاقبه أبناء مجتمعه، كل ما هنالك أنه تعلم أن لمس الموز يعني عقاب المجتمع. لذلك ستجده يشارك، ربما بحماس أكثر من غيره بكيل اللكمات والصفعات للقرد الجديد القرد س 2، وربما يعاقبه كي يشفي غليله من عقاب المجتمع له.
    استمر بتكرار نفس العملية، أخرج قرداً ممن عاصر حوادث رش الماء، وضع قرداً جديداً. النتيجة : سيتكرر الموقف. كرر هذا الأمر إلى أن تستبدل كل المجموعة القديمة الجيل الأول/القديم ممن تعرضوا لرش الماء حتى تستبدلهم بقرود جديدة! الجيل الثاني/الجديد في النهاية ستجد أن القردة ستستمر تنهال ضرباً على كل من يجرؤ على الاقتراب من سُلم الموز. لماذا ؟، لا أحد منهم يدري!!، لا أحد من أبناء المجتمع يدري حقيقة ما يجري، لكن هذا ما وجد المجتمع نفسه عليه منذ أن تَكَوَّن !.

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول سامح // الامارات // الأردن:

    * كلام من ذهب يا أخ ( ايمن ) ولكن هيهات قومي يفقهون ؟؟؟
    * سأحكي لك جزء بسيط من تجربتي في مجال ( التدريس )
    وفي عدة دول عربية .
    * معظم ( الطلاب ) وأهالي الطلاب لا يهمهم من السالفة كلها سوى
    ( الدرجة النهائية ) ؟؟؟
    * حتىّ لو غش الطالب ( مش مهم ) المهم درجته ممتازة ؟؟؟
    * عندما يراجع والد الطالب أو والدته لا أحد يسأل المعلم :
    * ( هل ابني فاهم ويؤدي واجباته كما ينبغي ) ؟؟؟
    * مجرد سؤال واحد : كم درجة ( ابني ) وانتهى الموضوع ؟؟؟
    * لهذا السبب وأسباب أخرى ( التعليم ) فاشل في العالم العربي ؟؟؟
    * شكرا

    1. يقول أيمن أبو لبن:

      شكرا أخ سامح على التفاعل والتعليق

      بالفعل النظام التعليمي العربي يخلو من الإبداع ومنتجاته بعيدة كل البعد عن منتجات لتعليم في الخارج، ولكن المهم هو البداية حتى لو كانت ضعيفة
      أرجو أن نبدأ بتغيير تفكيرنا الآن وفورا

  4. يقول سامح // الامارات // الأردن:

    * مثال على انحطاط مستوى التعليم في العالم العربي ما جرى قبل
    يومين في احدى المدارس ( المصرية ) في المرحلة المتوسطة
    * عندما قامت ( المعلمة ) بمنع الطلاب من ( الغش ) الجماعي
    وبعد الإمتحان قام الطلاب بتمزيق ملابس المعلمة وحاولوا الإعتداء عليها؟؟؟
    * همجية وقلة أدب ( بامتياز ) ؟؟؟
    * حسبنا الله ونعم الوكيل والله المستعان .
    * شكرا

  5. يقول بولنوار قويدر-الجزائر:

    السلام عليكم
    شكرا السيد(أيمن أبولبن) على هذا المقال الذي بينت فيه الوضعية السائدة عند البشر وبخاصة في عالمنا الاسلامي والعربي…وهنا أقف هنيهة ليس لأعارضك في طرحك ولكن ظهر لي ذلك من وجهة نظري المتواضعة..
    1-الصندوق الذي قدمته لنا لم نعرف كنهه ولا مجاله ولا مكانه لذلك وجدتني كل ما قرأت فقرة أنسب إليها جهاز من أعضائي وأسقطه عليه فلم أنجح في التركيب…
    2-ما قدمته لنا يصلح أن يكون على المعاملات المادية التي يتعامل بها الانسان في حياته وبهذا يستطيع أن يغيّر نظام صندوقه وفق آليات معينة وبمراقبة من تقنيين أخصاء ليمدوه ويدربوه على التعامل بهذا السلوك الجديد
    3-في الجانب العقائدي نعم يجب تفعيل الاجتهاد ولكن قيم يخص المستحدثات من التعاملات الجديدة وإخضاعها للأصول دون تغييرها أوتحريفها (هل يمكن التساهل في استبدال الفرائض تحت طائلة مصلحة دنيوية مثلا) صجيج الفكر المتزمت لا يخدم لا الدين والتدين وينتج عنه الفرق والنحل والتفرقة…
    4-أكيد التبعية الفكرية سواء المادية منها أو الروحية كارثة وضمور للفكر الشخصي ويتولد عنه ما يسمى(لبقوم التبع)
    5-نعم للتحرر الفكري الايجابي الذي ينتج ويجعل مصالح الامة قبل مصالحه الخاصة…
    ولله في خلقه شؤون
    وسبحان الله

    1. يقول بولنوار قويدر-الجزائر:

      السلام عليكم
      شكرا السيد(أيمن أبولبن) على هذا المقال الذي بينت فيه الوضعية السائدة عند البشر وبخاصة في عالمنا الاسلامي والعربي…وهنا أقف هنيهة ليس لأعارضك في طرحك ولكن ظهر لي ذلك من وجهة نظري المتواضعة..
      1-الصندوق الذي قدمته لنا لم نعرف كنهه ولا مجاله ولا مكانه لذلك وجدتني كل ما قرأت فقرة أنسب إليها جهاز من أعضائي وأسقطه عليه فلم أنجح في التركيب…
      2-ما قدمته لنا يصلح أن يكون على المعاملات المادية التي يتعامل بها الانسان في حياته وبهذا يستطيع أن يغيّر نظام صندوقه وفق آليات معينة وبمراقبة من تقنيين أخصاء ليمدوه ويدربوه على التعامل بهذا السلوك الجديد
      3-في الجانب العقائدي نعم يجب تفعيل الاجتهاد ولكن قيم يخص المستحدثات من التعاملات الجديدة وإخضاعها للأصول دون تغييرها أوتحريفها (هل يمكن التساهل في استبدال الفرائض تحت طائلة مصلحة دنيوية مثلا) صحيح الفكر المتزمت لا يخدم لا الدين والتدين وينتج عنه الفرق والنحل والتفرقة…
      4-أكيد التبعية الفكرية سواء المادية منها أو الروحية كارثة وضمور للفكر الشخصي ويتولد عنه ما يسمى(القوم التبع)
      5-نعم للتحرر الفكري الايجابي الذي ينتج ويجعل مصالح الامة قبل مصالحه الخاصة…
      ولله في خلقه شؤون
      وسبحان الله

    2. يقول أيمن أبو لبن:

      شكرا أخي قويدر علي التعليق والمتابعة

      الصندوق هو كل الأفكار التقليدية التي نحملها بداخلنا والمسلمات التي نؤمن بها دون مراجعة أو تعليل

اشترك في قائمتنا البريدية