بدون الأسرار الخبيئة لا تزهر شجرة النصّ: القراءة والكتابة في «مسار» عبد الفتاح كيليطو

محمد معتصم

May 30, 2015

يقول الناقد والباحث المغربي عبد الفتاح كيليطو:»إنني أقرأ كثيرا، وبلا نظام، يخيل إليَّ أحيانا أنني قرأت كل الكتب، وأحيانا أنني لم أقرأ شيئا.» (٭). لكي يكتب الكاتب أفكاره ومشاعره عليه أن يمرَّ بالتجربة ذاتها التي مرَّ بها الشاعر الفريد أبو نواس، عليه أن يقرأ كثيرا وأن يحفظ ما قرأه في ذاكرته عن ظهر قلب، ثم يا للعجب، عليه نسيان ما خزنه في الذاكرة، فهل هذا ممكن؟ هل من المعقول أننا سلمنا بهذه الواقعة/ الحادثة وآمنا بها كحقيقة ممكنة؟ كيف لذاكرة أن تتخلص من موروثها إلا إذا أصيبت بالتلف والخرف؟ ألا يمكن أن يتخذ «النسيان» هاهنا معنى آخر غير التلف وتدمير المعلومة والتخلص من المعرفة القبلية وتفتيت الذاكرة؟

لا كتابة بدون قراءة؟

إن النسيان هنا ليس سوى الذهاب ضد الموروث ومخزون الذاكرة السائد، واعتماد المخزون ذاته مؤشرات وعلامات طريق على الاتجاه المغاير الذي ستشق مسالكه الوعرة والفريدة ذات مغامرة ومخاطرة، ذات لها من الجرأة ما يكفي لكي تقلب الطاولة على فكر وحساسية ثقافية وشعرية استنفدت ولم تعد مطابقة لما يجري في الواقع، الواقع الاجتماعي والسياسي الذي اهتز وتخلخلت قيمه وما يزال صامدا معاندا يرفض التحول والتغير ويتشبث بقوة بالنموذج.
القراءة الكثيرة لا تعني حشو الذاكرة بكل شيء، بقراءات غير متناسقة ولا منسجمة، بل القراءة الكثيرة المواظِبة هي انتقاء واختيار وموقف ورؤية، لذلك تؤدي حتما إلى الكتابة، والكتابة لعب بالكلمات وبالصور وبالذاكرة. يقول كيليطو: « ما فائدة أن نكتب إذا لم نلعب في الآن نفسه بالكلمات وبالصور وبالذاكرة»، فهي عِبَارَةٌ تُمَاثِلُ حكاية أبي نواس في دلالتها العميقة، أي أن الكتابة ليست متعة وليست سهلة مطواعة، بل هي معاناة حقيقية، قد تستمر شهورا. فكتابة مقالة صغيرة تتطلب من كيليطو «الكثيرة من القراءة وإعادة القراءة» للنص ذاته، حتى يفصح عن سره أو يوحي به، بعدها فقط تبدأ عملية الكتابة التي تتخذ عند الكاتب صورا متعددة؛ إنها القراءة والتحليل واللعب والتفسير والتأويل وإعادة الكتابة في صيغ مختلفة وأساليب جديدة.
لا كتابة بدون قراءات مواظبة وإعادة القراءة، لذلك، كانت القراءة والكتابة قطبي «مسار» كيليطو، قراءة الطفل في المدرسة الابتدائية، والقراءة في اللسانين العربي والفرنسي، أي الكتابة في الأنساق التاريخية والثقافية، والقراءة في الموروث الكلاسيكي المعترف به في العربية أو في الفرنسية. بين القراءة والكتابة ينهض صرح النسيان، يقول كيليطو مصرحا دون مركب نقص بخصوص نص كتبه سابقا، بعنوان «الجرجاني ورواية الأصول»: «كيف أقول؟ في هذه اللحظة تبدو الأشياء مبهمة في ذهني. لقد نسيت»!
لا كتابة بدون قراءة وإعادة القراءة، لكن أيضا، لا كتابة بدون نسيان، النسيان مصفاةٌ أساسية لإعادة الكتابة وأساسا لإعادة القراءة، فالكتب لا تمنحك نفسها من اللقاء الأول، إنها متمنعة، دلول، مغناج، لا تفصح عن معانيها وعن أسرارها إلا في حركة الذهاب والإياب، بين القراءة وإعادة القراءة. ذهاب وإياب غير منغلق، بل في حركة لولبية لا منتهية، ولا متناهية، دائمة التجدد، لأن النصوص الحقيقية المعترف بها، تحمل في ذاتها أسرارها ومعانيها.

معنى النص

يقول كيليطو:»يصير الخطاب نصا عندما تتحقق مجموعة من الشروط، من بينها الحاجة إلى شرح غموضه والشعور بأن هذا الغموض مصدر ثراء وفائدة. وعادة ما يحدث هذا عندما يتعلق الأمر بمؤلف لا يُشك في قيمته. في هذه الحالة يعتبر الخطاب نموذجا يُقلد ويتم الاستشهاد به، كما يدرس في المدارس والجامعات. من وجهة النظر هذه فإن العديد من النصوص الحديثة تفرض نفسها، سواء في السياسة أو الأدب»..
والنص نسجٌ وحياكةٌ، لذلك فهو ذاته في كل الحالات، لكنه يتغير في الوضع بين الكتابة والقراءة، أي أن النص تناسق وانسجام، لكنه في القراءة يتطلب «المتعة» بينما في الكتابة يكتسي «الصعوبة»، أي أن الكتابة في نهاية المطاف ليست سوى قراءة أخرى للنص، للنسيج النصي، وانسجام بنياته وتناسق معانيه، تتأتى المتعة من متابعة مجرى النهر الذي رسمه الكاتب الأصل/ الأصيل، بينما الصعوبة تأتي من تبادل الأدوار والأوضاع بين القارئ والكاتب، القارئ الذي سيتحول إلى كاتب، وعليه أن ينسج نصا على نص، وعندما تفشي النصوص بأسرارها للقارئ/الكاتب تتحول إلى «متعة» متجاوزة الصعوبة. من هنا تعد كتابات كيليطو منفتحة على الإبداع، حيث يمتزج البحث (المقالة والدراسة) بالإبداع/السرد، يصرح بذلك في قوله:»… فحتى في أبحاثي هناك اشتغال على الأسلوب. تتسلل فيها حكايات أبتكرها أو أعيد كتابتها. إن خاتمة الكتابة والتناسخ عمل أدبي، شكل من أشكال القصة». ويضيفأن في الكتاب فصلا معنونا بـ»رسالة من وراء القبر»، يمكن اعتباره «سردا وفي الآن بحثا خاضعا للقواعد الجماعية الصارمة، بما أنني أدرس فيه نصا لمؤلف من القرن الخامس الهجري».

القراءة أم الكتابة أولا؟

يقرأ كيليطو كثيرا جدا في المساء ويكتب قليلا وللضرورة وتحت إلحاح الطلب صباحا، يكتب بصعوبة وبتأنٍ عندما يضطر إلى إنجاز بحث علمي أو أكاديمي أو عندما يقبل المشاركة في ندوة علمية داخل أو خارج المغرب، إن القراءة متعة لديه لا تُضَاهى، بينما الكتابة مسؤولية صعبة، بالرغم من أن جل كتاباته تلتزم بمجال واحد مشترك (إعادة قراءة واكتشاف خبايا الأدب العربي القديم؛ نقدا وسردا). مهما اختلفت اللغة التي يكتب بها، يصر على أن الكتابة بالعربية ليست هي ذاتها باللغة الفرنسية، فلكل واحدة سياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، وليس المهم هنا اللغة في حد ذاتها كتركيب صرفي ونحوي، بل الأنساق اللغوية هي الأهم. أي أنها هي المتحكمة في القيمة الدلالية قراءة وكتابة.
للكاتب طريقة وطقوسا خاصة كما هي حال كثير من الكتاب العالميين «المحترفين»، يكتب نهارا ويقرأ مساء أو بقية اليوم، يقول:»الصباح هو الوقت الذي أزاول فيه الكتابة. قبل أن أجلس إلى العمل، ألزم عددا من «طقوس الاستعطاف»، أبدأ بتدخين سيجارة. حين أصادف عقبة كبيرة أقوم بدورة داخل الشقة، باذلا الجهد حتى لا تغيب الفكرة عن ناظري، وتحديدا الصورة التي أقتفي أثرها والتي تتطاير من حولي». ويضيف في موقع آخر زيادة في التدقيق والتوضيح:»ودائما فيما يخص القراءة، عندي منها ضربان: نهارية وليلية. خلال النهار أقرأ بالعربية وفي الليل بالفرنسية، وهذا النظام، رغم صرامته، لا يمكن في نظري أن يفسر تفسيرا منطقيا».
والصعوبة عند كيليطو ليست ألما نفسيا، بل هي بحث عن المتعة وعن الغرابة، الغرابة المدفونة في السرِّ الأدبي، والصعوبة كذلك تكمن في إحساس الكاتب والباحث بأن الكلمات والنصوص تخفي لأنها تتوسل بالمجاز، وهو من طبيعة الأداة التي يستعملها الكاتب، أي اللغة، واللغة ليست مطابقة للحقيقة الواقعية إنها مجرد محاكاة، قد تحمل بعضا من الحقيقة أو صورة عنها، ويقول هو نفسه الشيء ذاته فيما يخص كتاباته:»إنني أحاول أن يكون التأويل متعددا، بلغة الغموض…». أما القراءة الليلية فهي غالبا ما تكون قراءة لـ»المطالعة» تتحكم فيها «المتعة الشخصية/ الذاتية»، ويمكننا تفسير ذلك من طبيعة اهتمام كيليطو، فعلاقته بالأدب العربي الكلاسيكي علاقة بحث ودراسة وتحليل، أي كتابة، وعلاقته بالأدب الفرنسي علاقة متعة ومتابعة و»تعلم» ومواكبة المستجدات نقدا وإبداعا، وكلا القراءتين علامة على «المواظبة».

القراءة والمواظبة

يقول كيليطو:»هناك تقريبا عشرون كتابا من بينها أسرار البلاغة للجرجاني أقرأها باستمرار وأكتب عنها. لماذا؟ لأنني أشعر بأنها لا تبوح لي بكل أسرارها دفعة واحدة، وأنها ضنينة بمعناها فلا تجود بقسط منه إلا لمن يواظب على الإمعان فيها. إلى جانب هذا أقرأ كثيرا، وبلا نظام، يخيل إليَّ أحيانا أنني قرأت كل الكتب، وأحيانا أنني لم أقرأ شيئا».يقول الشيء ذاته عن الجاحظ الذي قرأه ويحب قراءته وإعادة قراءته باستمرار، وأيضا يقول ذلك عن «ألف ليلة وليلة» و»الكوميديا الإلهية» وعن الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري وعن بورخيس. تجعل المواظبة الكاتب والباحث قريبا جدا وباستمرار من موضوع بحثه وكتاباته الخاصة الإبداعية. يقرأ ويعيد القراءة علَّ الأسرار تتكشَّفُ، فبدون تلك الأسرار الخبيئة لا يمكن أن تزهر شجرة الكتابة، ولا يمكن للخيال أن يمتدَّ ويتمطَّى كأفعى ناعمة الملمس لكن في تقلبها الوجع، كما قال الشاعر القديم. وبدون القراءة والمواظِبة لا يتكشف الغموض الثاوي في النص، الذي يلف معاني النص الأدبي.
فإذا كان بورخيس قد عُرِف بِـ»إعادة الكتابة»؛ أي بـ»محو» النص بالكتابة عليه، مما يجعل منه «طرسا»، فهو نص يقوم على نصوص أخرى في لا وعيه، أو هي ذاتها «لا وعي النص» الأخير، وليس «النهائي» لأن النص لا منتهٍ، بمعنى أن النص الأخير غير مبتكر من فراغ أو من «لا شيء»، بل هو مجموعة نصوص سابقة عليه لا تتجلى كـ «تناص» أو كـَ»تضمين»، بل هي «لا وعيه» والمكبوت المعرفي التاريخي والاجتماعي» الذي تراكمت عليه الحوادث والأزمان والأفكار؛ فإنَّ كيليطو يؤكد على مفهوم «إعادة القراءة» لأنه يبحث عن الخفايا وعن الغموض وعن الأسرار.
(٭) عبد الفتاح كيليطو: «مسار». توبقال، الدار البيضاء2014.

محمد معتصم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left