احصاء شهداء العراق.. مسؤولية من؟

مصطفى العبيدي

في الذكرى العاشرة للغزو الأمريكي للعراق، تعود مسألة احصاء ضحايا الغزو والاحتلال والعنف الى الواجهة، وسط تساؤلات وعلامات استفهام كبيرة عن أسباب التعتيم وعدم بذل جهود جدية من قبل الجهات المسؤولة للوصول الى الارقام الحقيقية لضحايا هذه المأساة الانسانية المروعة. ولم تحظ مشكلة من المشاكل الناجمة عن غزو العراق بهذا الكم الهائل من التعتيم والتضليل وتعمد الاهمال كما حصل مع مشكلة احصاء ضحايا العنف والعمليات العسكرية في العراق بعد عام 2003 وتحديد الجهات المسؤولة عنها.
ويمكن بسهولة ملاحظة التباين الهائل، بل والتناقض في تناول الحجم الحقيقي لأعداد ضحايا الغزو والعمليات العسكرية والحرب الطائفية التي شهدها العراق خلال السنوات العشر الماضية وحتى الآن، التي تتوزع مسؤولية الكشف عنها بين قوات الاحتلال والحكومات العراقية التي اعقبته ومنظمات المجتمع الدولي ومنها الأمم المتحدة.
فبالنسبة لقوات الاحتلال الأمريكي كانت هناك استراتيجية حرصت عليها في عدم الاهتمام بإحصاء الضحايا من العراقيين اثناء الغزو والاحتلال بهدف التغطية على جريمتها، مع بروز اشارات متفرقة عن أعداد ضحايا العنف والعمليات العسكرية، منها ما اعلنه الرئيس الامريكي السابق جورج بوش في حديث له في كانون الاول/ديسمبر 2005 ان 30000 مدني قتلوا في العراق نتيجة الحرب.
كما أعلن الجيش الأمريكي على موقعه الالكتروني أن حصيلة القتلى الذين سقطوا في العراق من مدنيين وعسكريين من مطلع 2004 الى آب/اغسطس 2008 بلغت 77 ألف قتيل، وأن عدد الذين اصيبوا جراء العمليات القتالية وأعمال العنف خلال الفترة المذكورة بلغ نحو 121 ألف جريح. بينما كشفت وثائق المراسلات الأمريكية السرية التي نشرها موقع ويكيليكس عام 2010 بأن عدد القتلى العراقيين منذ بداية الغزو بلغ 109 آلاف قتيل حتى ذلك التاريخ .
وأشارت صحيفة ‘الواشنطن بوست’ الأمريكية إلى أن الأرقام التي جاءت على لسان الجنرال ديفيد بيتريوس، قائد القوات الأمريكية في العراق آنذاك، في الفترة ما بين كانون الثاني/يناير 2006 وكانون الاول/ديسمبر 2007 أشارت إلى وصول معدلات الوفيات في العراق من المدنيين إلى 40 ألفا، لقوا حتفهم خلال تلك الفترة.
وبالنسبة للمنظمات الدولية فقد أشارت الى ارقام مختلفة لغياب التنسيق وعدم تعاون الحكومات العراقية معها، فقد انتقدت الامم المتحدة في 2007 حكومة العراق لرفضها الكشف عن اعداد القتلى، حيث ورد في وثيقة للامم المتحدة ان مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، اصدر تعليمات لوزير الصحة بوقف تزويد الامم المتحدة بأعداد القتلى، الأمر الذي تسبب في تعطيل مصدر اساسي للمعلومات حول عدد المدنيين القتلى في العراق.
وكانت آخر احصائية قدمتها بعثة المساعدة التابعة للأمم المتحدة في العراق عن ضحايا العنف قد بينت أن 34452 مدنيا قتلوا وأن أكثر من 36 ألف شخص اصيبوا في عام 2006. وهذه الأرقام أعلى بكثير من بيانات الحكومة العراقية لذلك العام. وهو ما دفعها الى ايقاف تزويد البعثة بأية احصائيات عن الضحايا.
وأجرت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العراقية تحقيقا بشأن هذه القضية في العام 2007، وتوصلتا إلى أن 151 ألف مدني عراقي قتلوا بصورة عنيفة خلال السنوات الثلاث الأولى للاحتلال الأمريكي، أي حوالي 120 قتيلا في اليوم، بل تعتقد منظمة الصحة العالمية أن عدد القتلى العراقيين يتراوح بين 104 آلاف و223 ألفا، حيث أكد مسؤولو منظمة الصحة العالمية المشاركون في هذه الدراسة التي تغطي الفترة من 2003 – 2006 لصحيفة ‘الغارديان’ البريطانية أن الأرقام الجديدة التي سجلتها الدراسة تتراوح ما بين 104 الاف و223 ألفا بما في ذلك حساب إمكانية الخطأ وسوء التقدير للأعداد الحقيقية.
وأعلنت منظمة ‘إيراك بادي كاونت’ البريطانية المتخصصة في احصاء ضحايا العنف في العراق في تقرير نشرته في آذار/مارس 2013، أن عدد القتلى في العراق منذ الاجتياح الأمريكي عام 2003، بلغ 282 ألفا على الأقل. وذكر التقرير أن بين 112 ألفا و17 مدنيا، و122 ألفا و438 مدنيا، قتلوا على مدى عشر سنوات في أعمال العنف المتواصلة في العراق، فيما يبلغ مجموع من قتلوا ومن ضمنهم المقاتلون والعسكريون نحو 170 ألف شخص. وبين التقرير أن بغداد كانت على مدار السنوات العشر الماضية، ولا تزال المنطقة الأكثر خطورة في البلد، حيث قتل فيها نحو 48% من العدد الإجمالي للقتلى، فيما كان الصراع الطائفي بين 2006 و2008 الأكثر دموية. ويؤكد التحقيق الذي أوردته المنظمة أن الأمريكيين قتلوا من المدنيين العراقيين أربعة أضعاف ما قتله منهم المسلحون.
وكانت هناك دراسات دولية أخرى تناولت اعداد ضحايا الاحتلال والعنف في العراق، ومنها الإعلان عن احصائية نشرتها مجلة ‘لانسيت’ الطبية البريطانية قدر فيها عدد القتلى في العراق بحوالي 650 الفا منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق في مارس 2003.
أما موقف الحكومات العراقية منذ عام 2003 من هذه المسألة الحساسة فانها تميزت بين تقديم الارقام المتناقضة أو حجبها أحيانا. ومن ذلك ما أعلنه الناطق السابق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ في بيان عام 2011 أن عدد ضحايا العنف في العراق منذ 5 نيسان/أبريل 2004 وحتى 31 ديسمبر 2011 قد بلغ ’69 ألفا و163 شهيدا و239 ألفا و133 جريحا. وبحسب الدباغ، فإن العام 2011 سجل أدنى معدل للضحايا، حيث بلغ عدد القتلى خلاله 2777. وأشار إلى أن ‘أعلى عدد للشهداء في العراق كان عام 2006 الذي بلغ 21 ألفا و539 شهيدا، و39 ألفا و329 جريحا’، حيث شهد العراق في هذا العام ذروة العنف الطائفي إثر تفجير القبة الذهبية لضريح الإمامين العسكريين في مدينة سامراء.
بينما نشرت صحيفة ‘لوس انجلس تايمز′ الأمريكية تقريراً صدر عن وزارة حقوق الإنسان العراقية يقول إن 85698 شخصا قتلوا منذ بداية العام 2004 حتى 31 تشرين الأول /أكتوبر 2008، فيما جرح 147195 آخرون. وحسب ما ذكر التقرير فان العام 2006 اشد الأعوام دموية، حيث قتل 32.622 شخصا أو وجد مقتولا. ويأتي العام 2007 في المرتبة الثانية، حيث سجل 19.155 قتيلا أو وجد مقتولا. واعتمد التقرير على شهادات الوفيات التي أصدرتها وزارة الصحة العراقية. كما كشف وزير الصحة العراقي الاسبق بكلمته أمام مؤتمر في جنيف بتاريخ 11/ 11/2006 أن عدد ضحايا العنف من العراقيين منذ عام 2003 وحتى ذلك التاريخ قد بلغ 150 ألف قتيل. وتشكل هذه الأرقام تناقضا واضحا للاحصائيات الرسمية الحكومية لضحايا العنف.
كما ظهر هذا التناقض في احصائيات أخرى ومنها ما ذكرته الحكومة العراقية من ان العام 2012 شهد مقتل 2174 شخصا في الحال عدا من ماتوا لاحقا بعد اصابتهم. لكن منظمة ‘اراك بدي كونت’ ومقرها لندن قالت في تقرير لها ان عدد القتلى في العراق عام 2012 بلغ 4417 وهو ضعف العدد الذي اقرته الحكومة العراقية.
واذا كان تعمد قوات الاحتلال الأمريكي في عدم تحديد الاعداد الحقيقية لضحايا الاحتلال من العراقيين له مبرراته في التعتيم والتضليل لإخفاء معالم أفظع جريمة ارتكبتها في القرن العشرين وللتهرب من المساءلة الاخلاقية والقانونية والالتزامات المترتبة عليها، فإن تقاعس السلطات العراقية عن تحديد حجم الضحايا لا مبرر له سوى التنصل من واجبها في انصاف ضحايا العنف، وتمكين المسؤولين عن هذه الجريمة المستمرة من التهرب من المساءلة والالتزامات المترتبة عليها. وتبقى المسؤولية الأولى في تحديد الحجم الحقيقي لضحايا العنف في العراق تقع على عاتق الحكومة العراقية لكون الاحصائيات والوثائق الرسمية والإمكانيات متوفرة لديها. وهذا الاحصاء عملية صعبة ومعقدة ولكنها ليست مستحيلة اذا توفرت النوايا الصادقة والتعاون بين جميع الجهات المعنية بهذا الموضوع.

‘ كاتب عراقي

Email this pageShare