هيكل يتحدث عن ‘العيب’ في إعلام الثورة المضادة!

سليم عزوز

‘كفارة’، فقد انتهت سلسلة حوارات محمد حسنين هيكل، مع لميس الحديدي، على قناة ‘سي بي سي’ التي لم أتوصل حتى كتابة هذه السطور إلى مالكها الحقيقي. وأبى الرجل إلا أن ينهي هذه السلسلة، بما احتفت به صحافة الفلول وهو أن حبس الرئيس السابق في سجن طره ‘عيب’!
‘كفارة’ تقال لمن خرج من السجن بعد قضاء فترة العقوبة، وبعض أنصار ‘الأستاذ’ يرون أنه كان في ‘وصلة عذاب’ وهو يرى كيف انتهى به المطاف في نهاية العمر، لأن تحاوره المذكورة، وهو من كان يختار محاوريه، ويفرض عليهم الموضوعات التي يتحدث فيها، وفي السابق كانت مقابلاته مع بعض الصحافيين، هي في الأصل ‘حصة إملاء’، يتدخل فيها في صياغة السؤال، أو في استبدال السؤال بسؤال، وعلى طريقة: ‘اكتب ما يملى عليك’!
عصرت على نفسي ليمونة لأشاهد بعض الحلقات في السلسلة، فلا يمكنني أن أشاهد حلقة كاملة للميس الحديدي، إلا في حضور سيارة الأسعاف أسفل منزلي، لنقلي إلى أقرب مستشفى إذا ارتفع الضغط والتهبت اللوز، لكن يقولون من أجل الورد يُسقى ما دونه وما يحيط به من نبات الأرض.. غيري عصر على نفسه ليمونة وانتخب الرئيس محمد مرسي، ولم افعلها في الجولتين، فقد كنت أقوم بتوفير حصتي كاملة من الليمون لمواجهة موقف كهذا، عندما أكون مضطراً لشد الرحال إلى برنامج لميس الحديدي، لكي استمع إلى ‘الأستاذ’.
لم أر ما يراه دراويش الرجل، من أن الرغبة في البقاء ‘في الصورة’ هي التي دفعته لقبول أن تحاوره لميس، وهو الذي كان يحاوره في الجزيرة محمد كريشان، فالأستاذ بدا منسجماً معها، حتى وهي تسحبه إلى ملعبها، باعتبارها عملت مسؤولة في حملة الدعاية عن المخلوع في آخر انتخابات رئاسية له، وكانت وجه السعد على الأسرة الحاكمة، إذ شرف ثلاثة منها السجن، ولم تبق خارجه سوى سوزان وحفيدها.
تسحب لميس هيكل، فيهاجم الرئيس مرسي ويغلظ عليه القول، وهو الذي كان في عهد النظام البائد يلف ويدور، ويعلن مدى احترامه وتقديره لمنصب رئيس الدولة، تمهيداً للحديث عن مبارك، على نحو دفعني لكتابة مقال بعد حوارات للجزيرة معه حمل عنوان ‘الأدب الفلبيني’.. وتسحب لميس هيكل فيعلن أن حبس مبارك في سجن طره ‘عيب’!
وعلى الرغم من أنني وجدت انسجاماً، بين ‘الأستاذ’ ولميس، على نحو يجعل من قولي ‘كفارة’ هنا بلا معنى، فانني أقولها كمجاملة لأصدقائي، من دراويشه الذين عز عليهم هذا الظهور، وكانوا يرون ما لا أراه، من انه بدا في حالة دهشة كاملة وهو ينظر إلى المذكورة، في حين كان واضحاً عليها أنها في حالة ابتهاج فطري، فلم تغلق فمها المبتسم ابتسامة عريضة، ومنذ أن قالت لها مشاهدة في مداخلة عبر الهاتف، بأن ابتسامتها ساحرة، وهي في الوضع مبتسمة، ومع ذلك كان باسم يوسف حريصاً على الاستعانة بصورتها عندما يتحدث عن أمر مفزع، وقد قررت عقب الحلقة الأولى له، ولهذا السبب، الامتناع عن العمل في ذات القناة، إلى أن تدخل من يقوم بدور صاحب ‘سي بي سي’ وأصلح ذات البين، وحضرت لميس حلقة لباسم يوسف في المسرح وأفرط في الترحيب بها، على نحو دفعها لان تبتسم ذات الابتسامة العريضة إياها!

الأعمال الكاملة

هيكل أغلظ القول للرئيس محمد مرسي في سلسلة حلقاته مع ‘سي بي سي’، وهو تحدث في سلسلتين، ونحن في انتظار ‘الأعمال الكاملة’، كما أغلظ على الإخوان، على نحو جعله عرضة للجان الالكترونية للجماعة، التي ينفي القوم وجودها، والتي ترابط على مواقع التواصل الاجتماعي، فترش بالنار من يرش الجماعة ورئيسها بالماء، وهم يشهرون بالخصوم ولا تأخذهم بهم رحمة، ولا ينزلون الناس منازلهم، وذات مرة وصفوني بأني صنيعة النظام البائد، واعترفت لهم بذلك فأنا صنيعة النظام البائد.. وقد عرفت النظام البائد.. فمن ‘صنيعة’ هذه؟!
روى لي أحد الأصدقاء ممن كانوا ينتمون للتنظيمات اليسارية في بداية الثمانينات، كيف ألقت أجهزة الأمن القبض عليه ومعه خمسة من أصدقائه، بتهمة تشكيل خلية شيوعية تعمل على قلب نظام الحكم بالقوة، ونفوا ذلك، ولم تكن المشكلة في النفي، ولكن في أن التقارير الأمنية قالت إنهم سبعة أفراد. وبعد أخذ ورد أراد احد المخبرين أن يحل الإشكال على طريقته فقال انه يعرف المتهم السابع، وألقى القبض على احد الأشخاص ممن لا ناقة لهم ولا جمل، وسأله المحقق عن حقيقة مشاركته في خلية شيوعية تعمل على قلب نظام الحكم، فأخذته الشهامة واعترف بالتهمة، ليفاجأوا به أنه لا يعرف معنى شيوعية، ولا معنى نظام الحكم.. كما انه لا يعرف معنى خلية، لكنه وجد لطيبة قلبه أنه ليس من المعقول أن يخاف من فرد أمن، وبعد هذه الواقعة سأل، واستفسر، وفهم، واشتغل شيوعياً.
اللجان الالكترونية كانت قد أشادت بالأستاذ، عقب الحلقة الأولى من السلسلة الأولى، والتي سجلها بعد أن قدم تواً من جلسة مع الرئيس محمد مرسي استمرت ثلاث ساعات، سأل الرئيس وأجاب الأستاذ، إجابات معروفة عنه، فعلها مع مبارك في بداية عهده، وهو الرئيس المعروف عنه أنه محدود الذكاء، معدوم الثقافة، لم يقرأ كتاباً في حياته خارج المقرر الدراسي، ولم يقرأ مقالاً، وكانت الصحف كلها تختزل له في حدوتة تستغرق الدقائق التي يحتسي فيها قهوة الصباح، وللعلم فان فنجان القهوة في مصر يستغرق بضع دقائق للإجهاز عليه، وأقول قولي هذا لأنني شاهدت الأشقاء في تونس، يظل الواحد منهم يحتسي فنجان القهوة في ساعة.
وذات يوم ثار مبارك ثورة عارمة، وألقى فنجان القهوة على الأرض، فالرئيس يتشاءم، وهو يرى أن الفتى المكلف بتلاوة ما ورد في الصحف، يركز على ما تنشره صحف المعارضة، وقال إن الموظف يستهدف ‘العكننة عليه’ وكان هذا آخر يوم له في الوظيفة بالقصر الجمهوري، ومبارك كان يقرب منه من يقولون له نكاتاً، فيضحك من قلبه، ليكون فمه ضاحكاً في نفس اتساع فم لميس الحديدي مبتسماً!
هيكل جاء ليستعرض ثقافته الموسوعية على مبارك، فصده صدوداً: وفر نصائحك لنفسك. فقد ظن لفرط ثقافته أن هيكل ينصح، ولم يستمع ‘الأستاذ’ لنصيحة من خبر المخلوع وهو الدكتور أسامة الباز مستشاره السياسي الذي قال له أن عليه ألا يستطرد وان تكون إجاباته على أسئلة الرئيس مباشرة. والمخلوع كان يعتقد أن من يتحدث بكلام كبير يتفلسف وهو لا يحب الفلسفة، ولم يكن مجبولاً على الاستماع.

شخصية مرسي
مرسي يغري من يقابله لأول مرة، بأنه أمام شخصية فريدة، فهو إنسان يألف ويؤلف، وهو شخص طيب لم تغره السلطة ولم تخرجه عن طبيعته، وهو مستمع جيد، والإغراء هنا لمن يريد أن يقوم بدور الوصي على العرش، وهيكل ومنذ عهد السادات ومروراً بمبارك يريد أن يقوم بهذا الدور، لكن مرسي المستمع الجيد، والمنصت المستوعب، لديه أوصياء على العرش بعدد أعضاء مكتب الإرشاد، وهو وان أراد بحكم منصبه أن يوسع من دائرة المحيطين به، فانه سيواجه حتماً بجماعة تنفر من الآخر، ولا تثق فيه، ولا تريد لأحد أن يزاحمها في سلطة وصلت إليها بشق الأنفس!
بعيداً عن التربص بالدكتور محمد مرسي، فانه خامة جيدة، لولا أنه في النهاية يتبع جماعة، والجماعة تدير الدولة بقواعد إدارة التنظيم، ولست مع الذين يطالبونه بقطع صلته بالجماعة كعربون قبول به، فلو فعل لأكلته الثورة المضادة.
وربما لمس هيكل طبيعة شخصية الرئيس، فخرج من عنده يشيد به، وربما ظن بعد إشادته، أن الرئيس سيتواصل معه فيشكره على الإشادة، ويناقشه فيما دار بينه وبين لميس، ويبدي إعجابه بآرائه، لكن مرسي يفتقد إلى ثقافة التواصل، ومن حوله هم مجموعة من الهواة، يخشون من اتساع دائرة معارف الرئيس فيفقدون جزءاً من هيلمانهم، ومن بين هؤلاء الهواة من يكتبون خطبه، لنكتشف أنهم يعتمدون على ‘جوجل’ في توثيق المعلومات، لنستيقظ على كوارث معلوماتية.
وتعجب كيف للرئيس أن يعتمد على هؤلاء الذين يعانون فقراً مدقعاً في المعرفة، في حين أن بين ظهرانيهم كاتباً بحجم فهمي هويدي؟ لكن تبدو المشكلة هنا ان هويدي وان كان محباً، ومتعاطفاً، ومنتمياً لذات الفكرة، فانه ليس إخوانياً.. والإخوان، أبناء التنظيم، لا يعرفون إلا أنفسهم، وبداخلهم يجري أيضا التمييز، فقد فاز رجال خيرت الشاطر باللذات، في حين أن الآخرين حالهم من حالنا، وصحافيو الإخوان يشيدون مثلاً بمهنية، وكرم أخلاق، صحافي إخواني اسمه: بدر محمد بدر، لا اعرفه من قريب، فعلى ماذا حصل بعد أن وسد الأمر للإخوان؟.. الإجابة: لا شي!
بعد الإشادة بمرسي، وقدرته على الاستماع، وحرصه عليه، انقطع الاتصال، فانقلب هيكل، وخضع لجرجرة لميس الحديدي، إلى أن قال إن حبس مبارك في سجن طره ‘عيب’!
ولا أعرف ما العيب في حبس من خلعه شعبه، وهو متهم بالقتل، والنهب، وتدمير مقدرات وطن بأكمله وتسليم مقدراته لحفنة من المقامرين تم منحهم صفة: رجال أعمال؟!
ولا أعرف ما العيب في حبس مبارك، الذي أنهى قيمة بلدنا، فجعل القرار المصري بيد حكام الرياض، وجعل مصر تخوض معارك من أجل الغير، فهل كانت لمصر معركة مع الدوحة، أم أنها معارك خاضها مبارك بالوكالة؟!
وما العيب في حبس مبارك، الذي قزم مصر إلى درجة أنها تعمل ‘عسكري درك’ لدي إسرائيل، فتساهم في حصار أهلنا في غزة، وتعمل على تجويعهم لكي يركعوا؟!
وما العيب في حبس مبارك الذي شارك في تدمير العراق، بالمشاركة بالقوات في الأولى، وبالوشاية في الثانية؟
العيب هو ما فعله مبارك من إدخال المبيدات المسرطنة في البلاد.. والعيب هو ما فعله بحبس الآلاف من الشباب بدون تهمة وخارج القانون لمدد تصل إلى عشرين عاماً.
هل تريد أن تقف على العيب يا أستاذ.. انه في قبولك الظهور في إعلام الثورة المضادة، وفي أن تضبط إيقاعك وفق ‘موجتهم القصيرة’، فتتوحد معهم، ويخرج من فمك ما توقعوه منك.
لقد ذكرنا ‘الأستاذ’ بقانون مسخرة أصدره الرئيس السادات للانتقام من خصومه اسمه: قانون حماية الجبهة الداخلية من ‘العيب’!
أرض جو
هل يحتاج التلفزيون المصري إلى مذيعين جدد؟.. قطاع الأخبار يجري اختبارات لتعيين مذيعين.. يقولون إنه الباب الذي سيدخل منه الإخوان في إطار سياسات الاخونة.. لا تقلقوا فالاهتمام بالاعلام لم يكن على جدول أعمال الإخوان، وليست لديهم كوادر لتزاحم أو يخترقوا بها مبنى ماسبيرو.. وإلا فانظروا إلى قناتهم ‘مصر 25′.. وهي قناة طاردة بامتياز!

صحافي من مصر
azouz1966@gmail.com

Email this page
Share on Facebook