زافين في «أسعد الله مساءكم»: نحتاج لذاكرة جماعية وتلفزيون لبنان صنعها

زهرة مرعي

Jul 04, 2015

بيروت ـ «القدس العربي»: يدرك صاحب برنامج «سيرة وانفتحت» في كتابه الكبير 318 صفحة «أسعد الله مساءكم» أنه يجتهد لحفظ ورقي لذاكرة بصرية غدّارة. ويعرف سلفاً وكما ورد في مقدمته أن التلفزيون «يحرق أبطاله ويمضي في حال سبيله من دون أن يصنع لنفسه ذاكرة». ومع ذلك أصرّ وتعب مع فريق عمل موسع، وعلى مدى خمس سنوات في نبش وترتيب وتقديم 100 لحظة تلفزيونية مرّت على شاشة تلفزيون لبنان الرسمي منذ بدئه سنة 1959 وحتى 1989 بحلوها ومرّها. أصدرت الكتاب مكتبة انطوان. لماذا يأبى زافين قيومجيان على ذاكرة ما سميَ بـ»الزمن الجميل» أن تضيع هباءً؟ لماذا «يحركش» في وسيلة إعلامية لم تتمكن من بناء مواطنة حقيقية، بل ساهمت في ترويج صورة الوطن الراقص على إيقاع الدبكة؟ وكعادتنا في مسلسل الإخفاقات المتتالية نترحم على تلفزيون لبنان، بعد البلاء الممتاز لتلفزيونات الطوائف والمسؤولين الكبار – والتي نبتت شرعياً إثر اتفاق الطائف – في نسف ما تبقى من مواطنة، وفي مذهبة الشاشات والمشاهدين.
○ في زمن يتراجع فيه منسوب القراءة من هم المعنيون بالإطلاع على ذاكرة مضت؟ ولماذا «أسعد الله مساءكم» بعد كتاب أول للمؤلف «لبنان فلبنان»؟
• »في كتابي الأول جربت بناء ذاكرة على الصورة التي مرّت خلال الحرب الأهلية. بحثت عن أصحاب الصور، أعدتهم إلى مكان إصابتهم في الحرب وأخبرت قصتهم من جديد. في جديدي حاولت توثيق ذاكرة ثلاثة أجيال من اللبنانيين كذاكرة جماعية، ومن ثم تحويلها لذاكرة وطنية. نعم أهتم بالعمل على الذاكرة البصرية تحديداً. تسألين لمن؟ ربما الكتاب ليس موضة سائدة، إنما قراءة الانترنت موضة. لن تضمحل القراءة وهي وسيلة التواصل الوحيدة. بعد الورقة والكتاب المُخترع الجديد للقراءة هو «أي باد» أو «لابتوب». قدمت مرجعاً يجمع ذاكرة ثلاثة أجيال من اللبنانيين، وقد يتفرع لكتاب الكتروني، فيلم وثائقي أو مسلسل تلفزيوني. وضعت أيقونات الزمن الماضي بتوليفة جديدة كمثل هند أبي اللمع.
يبدو أن زافين يتلذذ بتوثيق الذاكرة، وليس لهذا صلة بجذوره الأرمنية التي تحمل ذاكرة دون أرض. «أرضي واضحة وهي لبنان. عشت الحرب الأهلية، وتوقفت عند الدعوة لنسيانها. كما عشت الحرب ببشاعتها، عشت كذلك على مقولة الماضي جميل، الحاضر بشع ولسنا متأكدين من المستقبل. لهذا انصب عملي على الحاضر، دون تمجيد الماضي وحلم المستقبل. في اعتقادي من هنا كانت قوتي في الإعلام. وعندما نلت جائزة مجلة «نيوزويك» تمت الاستعانة بجملتي المعروفة: أريد أن أناقش الحاضر، لا التغني بأمجاد الماضي، ولا الحلم بأمجاد المستقبل. ما أقوم به هو اهتمام شخصي وبحث أكاديمي. ليس للتلفزيون ذاكرة. لبنان يحتاج لذاكرة موحدة».
ذاكرة الزمن الجميل لم تخل من مناكفات وحروب جدية. كان لتلفزيون لبنان محطتان واحدة في الحازمية واسمها القناة «11» وأخرى في تلة الخياط واسمها القناة «7» بينهما اشتعلت حرب وصفها زافين في كتابه «حرب وجود وبقاء». يخفف زافين من وطأة ذلك ليقول بالانقسام الموجود على الدوام «هنا وفي النرويج. هي المنافسة. الكتاب يتضمن الزمن الجميل وزمن الحرب. وفيه أزمنة ثلاثة: التأسيس، الزمن الجميل وزمن الحرب. استغرب أن اللبنانيين بعد الحرب رسموا ذاكرة جميلة جميعها فيروز ووديع الصافي. الكل يطير ويغني ويدبك. هذا كاذب. لبنان يتعايش على الدوام مع الفوضى، صراع البقاء، فساد السياسة، الرقابة وسوى ذلك. بنى اللبنانيون ذاكرة رحبانية افلاطونية، معاكسة للواقع. نحن بلد التناقضات التي يفترض أن تكون مصدر قوتنا».
لأن لحظة التلفزيون سريعة الانفضاض من مخيلتنا، كانت استعادة مئة منها وجمعها بين دفتي كتاب أنيق. يكرر زافين: أصنع ذاكرة. جمعت «نتاتيف» القصص. اخترت مئة مشهد من ملايين. دخلت منجم الذكريات وغربلته وبقي لي مئة. عملية صعبة استغرقت خمس سنوات. أقدمت أكاديمياً على هذا الكتاب. درست كيفية كتابة التاريخ. وضعت معايير صارمة للإختيار. عملت كما «الجوهرجي» الأرمني في تنظيف ما اخترته، حتى أني أعدت تشكيله من جديد، وكان همي التمكن من اقناع متصفحي هذا الكتاب. افتخر بانجاز هذا العمل، وأتمنى أن ينال اعتراف المجتمع، فقد اشتغلت بالناس، من رحل، ومن هم على قيد الحياة. لم أذكر بعضهم. أعدت حقوق البعض، والمنفوخ كما البالون أعيد إلى حجمه.
المعيار الأساسي لعمل زافين «مفهوم اللحظة التلفزيونية وليس الصورة. لهذا ليس للحظة أن تكون صنيعة إنسان مهم». نسأله اختيار اللحظة الأهم؟ مهمة صعبة دون شك، لكنه يعود للمناظرة التلفزيونية الأولى في السياسة بين معارض وموالٍ للحكم سنة 1974. في كسر التابوهات ثمة لحظة استغرقت طويلاً وهي القبلة الفموية الأولى على شاشة التلفزيون بين نضال الأشقر وفؤاد نعيم، واستغرقت 50 ثانية. نستفهم لتبرير الشرعية؟ يؤكد زافين: نعم كانا قد تزوجا حديثاً. حدث ذلك سنة 1974. وكانت قبلة التحدي.
في «أسعد الله مساءكم» لحظة تلفزيونية مهمة في سنة 1964. البابا بولس السادس يدشن أول خروج لبابا من الفاتيكان والوجهة القدس الشرقية. يعلق زافين: زيارة يمكن ربطها بالحملات الصليبية. وكان لتلفزيون لبنان الحق الحصري ببث تلك الزيارة ونقلها لكافة الدول العربية. في ذلك الحين زحف اللبنانيون إلى القدس. وسير طيران الشرق الأوسط يومياً ثلاث رحلات إلى المدينة المقدسة.
حكيم قرار زافين بحصر مهمة كتابه في ثلاثة عقود. خلالها نبت تلفزيون «أل بي سي» كناطق باسم المسيحيين، وتلفزيون «المشرق» باسم القوى في الضفة الثانية من الوطن. وبعد اتفاق الطائف صار لكل طائفة بثها المباشر، ولكل رئيس قناته الداعمة. صورة وصوتاً وموضوعاً كان للزمن الماضي سطوته. قارن زافين بين زملاء اليوم والأمس. رغم انحيازه للحاضر لم يحقق هذا الاخير تفوقاً. ميشال قزي بدا هزيلا في مواجهة الراحل رياض شرارة. وكان الفصل بين جيلين وتجربتين.
هل سيكون لصورة التلفزيون حضور مؤثر في ثقافة الفرد؟ زافين مسرور لأن الاعتراف بدأ بعالم الصورة. كان التلفزيون مقصياً عن أي قياس حضاري كما الكتاب، المسرح والسينما. منذ سنوات صار التلفزيون أداة ثقافية تعكس صورة المجتمع وتعبر عنه، وليس أداة تسطيح وتسلية. «كتابي يأتي ضمن توجه عالمي للاعتراف بالتلفزيون كأداة تصنع الثقافة».
للمهتمين ولمن اتخذوا قرار القراءة توجه زافين بكتابه، ولأي جيل انتموا. والكتابة له اناقة الهدية المميزة، وله مرتبة افتراش مكان على طاولة الصالون لتصفح سريع من الزوار. وللقارئ أن يقتنع أو لا بما جاء في مقدمة زافين «حكاية التلفزيون في لبنان، حكاية لبنان عندما احتاج إلى شاشته الصغيرة ليصنع من مواطنيه شعباً واحداً». فمتى كنا مواطنين في وطن وشعباً واحداً؟ يصرّ زافين أن التلفزيون صنع تلك الوحدة. وكان للمتقاتلين استعمال الوسيلة عينها للانقسام. في الحرب صار التلفزيون بروباغندا. وعندما كان التلفزيون وسيلة ترفيه سعى لصناعة الهوية المشتركة.
في تلفزيون لبنان حقق زافين خطواته الأولى. وعندما طلب منه المعنيون في إطار حملة تجديدية أن يدخل غرفة الأخبار ويجلس على كرسيها المهيب ليقول «أسعد الله مساءكم» لآخر مرة، ومن بعدها دخل التلفزيون مهب مرحلة خفّت فيها الصرامة المطلقة ليقال «مسا الخير». منذ ذلك الحين وزافين وفيّ للحبيب الأول «وصار تلفزيون لبنان إرثاً لصيقاً بي. وما قمت به تحية وفاء. هي ذاكرة والديَ وبعضاَ من ذاكرتي».
أرّخ زافين لوجوه سياسية، فنية، اجتماعية وكذلك وطنية. أول فتاة تنفذ عملية استشهادية في حاجز صهيوني محتل على معبر باتر جزين، سناء محيدلي. احتلت صورتها صفحة كاملة وأخرى للنص. كانت واحدة من اللواتي صنعن المجد للوطن واللحظة التلفزيونية التي اختارها زافين. هو صحافي مرّ بالتدريج في مراحل، على الصحافي في مطبوعة أو تلفزيون أن يختبرها. لهذا يتابع طريقه وفق تنوع يتميز بالغنى، ويقدم برامج تترك بصمة في المجتمع. وكما هي شخصيته في برامجه هادئ وله بصيرة. يتميز زافين في كتبه الثلاثة بنفسه الطويل، لأنها تحتاج إلى بحث وتدقيق بعد رحلة الجمع والفرز. يقول: عشت مع هذا الكتاب مغامرة وملاذاً أهرب إليه في أحيان كثيرة. كتاب شكل على مدى خمس سنوات ملجأي. تسلل الملل لبعض من الفريق المعاون، فكان خياره الترك. وكوني أسير وفق خطة أخبرك أن التالي هو الجزء الثاني من «أسعد الله مساءكم»، فرغم سخافة ثقافة التلفزيون هو الوحيد في لبنان من حاول صناعة ثقافة لبنانية مشتركة.

زهرة مرعي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left