ندوب تشققات وتشوهات هو حال قِدر السيراميك … خزف نتالي خياط يحتضن ذاكرتها ويُطهر نفسها

زهرة مرعي

Jul 17, 2015

بيروت ـ «القدس العربي»: ما تخلّفه لحظة من جنون الموت في الإنسان ومحيطه، يعصى على الاستيعاب السريع. أن يداهمك في مكان ما، فهذا ما يجعلك هائماً في انعدام وزن لزمن. كُتبت الحياة للفنانة نتالي خياط بعد التفجير الذي أودى بحياة اللواء وسام الحسن ومرافقه في الأشرفية قبل ثلاث سنوات. كانت في محترفها تتحاور مع أواني السيراميك، نقلت إلى المستشفى، وبقيت ليوم كامل تجهل مصير ابنائها، فمنزلها في البناء نفسه.
نتالي خياط الأستاذة المحترفة في التعامل مع الخزف، قدمت معرضها الذي حمل عنوان «العين فوق البئر» في غاليري أجيال في شارع الحمراء. ربما شكل ذاك المعرض في مسيرة خياط بعضاً من شفاء. القدر الخزفية التي ضمّها، حملت في شكلها وألوانها، والتصدعات التي لحقت بها، اللغة الخاصة بكل تفجير. هي الأشياء أياً كانت، يفرغها حقد التفجير من الهواء، تنكمش نحو وسطها، يحدث الصوت الرهيب، فيستحيل المكان كتلة من الدمار، تُزهق الارواح والأشياء تنسى شكلها الأول.
توزعت الأواني التي اختارتها خياط لمعرضها إلى مجموعات، ومن بينها مجموعة احتلت وسط الكاليري تميزت باللون الأبيض. أبيض فيه ندوب وتشققات، والرمادي منثور عليه بخفر وأناقة، هو ليس عشوائي الحضور، بل يقول بأن العنف والحريق مرّا من هنا. للأبيض دوره في تطهير النفوس وتنقيتها من الندوب والجروح. وكم تحتاج نفس خياط التي أصيبت خلال التفجير للشفاء الحقيقي، إذا تسنى لها ذلك. الأبيض الذي ميز تلك الأواني كانت له لمعته الخاصة. ورغم صعوبة العمل على السيراميك تفننت خياط في إضفاء آثار العنف عليها، من تكور جانبي إلى جروح وتشققات وسطية، إلى فتحات لم تسلم من كسر أو تشوه. وإن كان للون الأبيض أن يأخذ طريقه إلى العين، من دون أن يحسم دوره التعبيري عن فرح أو حزن، كان للآنية الزيتية فعل مختلف. جاء حضورها وقوراً. وفي جزء من مساحة تلك القدر كان للون أن ينساب وفق مزاجه. فتدلى في مكان وانكفأ سريعاً في آخر. آثار لحظة الموت تلك فتكت به، وجعلته حاضناً لترويع متنوع الأشكال والتاريخ. فصار مثقلاً بالاسى، يحاول عبثاً الترفع على حزنه ولا يتمكن، نتالي خياط حمّلت تلك الآنية الكثير مما ترغب بالتعبير عنه، سواء في اللون أو الشكل الظاهر والضمني.
في معرضها هذا لم تكن خياط الخبيرة بفن السيراميك تعمل بهدف اجتذاب راغبين باقتناء مصنوعات جميلة ومبتكرة تزين صالوناتهم. من الظاهر أنها كانت تعمل اثناء تحضيرها للمعرض، لنكش رواسب أليمة في جسدها ونفسها، علّها في عملها الدؤوب تتمكن من تحرير روحها من الألم الكبير الذي يعتصرها، هي التي تأرجحت كما الكثيرين غيرها خلال ذلك التفجير الإرهابي بين الحياة والموت. من لا يربط بين تلك المعروضات، وبين التجربة الأليمة التي مرّت بها خياط، لا بد سيسأل لماذا كل هذا التنكيل بجسد تلك الأواني؟ بدل أن تكون ملساء منمّقة؟ المميز هو أن تبدع يدي خياط تلك الاواني، وبذلك الشكل الذي يدعو للتأمل، هو الفن بحد ذاته.
الخزف والطين من المصنوعات التي عرفتها البشرية منذ عصورها الأولى. دخله الكثير من التطور والتحديث، وتخطى وجوده في أن يكون آنية للاستعمال البشري، ليتطور فيصبح زينة جميلة للبيوتات الكبيرة منها والصغيرة، وهو فن ترغب بامتلاك ألف بائه العديد من الأيدي، خاصة النسائية. فهذا الخزف والطين، بحسب ما جاء في كتيب لخياط «يمكن أن يوفر أحد أفضل المشاهد في الطبيعة. من خلال النار واللهب يستطيع الإنسان أن يبتكر وينتج العنف المدمر والصمت والأنغام والسقوط». وتقرأ في تعاملها مع الخزف والطين أن «فيه قبولا، مقاومة، زمنا وتوترا وجذبا. القدر الخزفي يحتضن تلك الذاكرة». تعلن خياط.
نتالي خياط عرضت في العديد من الدول العربية، وكذلك في أوروبا وكندا. عادت إلى لبنان من كندا سنة 2000، وهي تُدرّس مادة السيراميك في محترفها في بيروت منذ سنة 2000 ولا تزال. وهي درست هذا الفن في مونتريال سنة 1993.

زهرة مرعي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left