مجزرة الحويجة.. الانتقام سيجعلنا جميعا عميان

هيفاء زنكنة

الى قائمة المجازر في ‘العراق الجديد’، الى القائم والاسحاقي وحديثة والزركة والفلوجة ( القائمة طويلة)، اضيفت فجر الثلاثاء 23 نيسان/أبريل 2013، مجزرة مدينة الحويجة بمحافظة كركوك، شمال العراق، حيث قتل 50 شخصا وجرح ما يزيد على المئة والخمسين، حسب أطباء مستشفى كركوك وبعضهم في حالة صحية خطرة. وقد وصف شهود عيان، الهجوم الذي شنته قوات مكافحة الشغب والفرقة العسكرية على المعتصمين في ساحة الحويجة، واطلاقهم النار عليهم، بانه عملية اعدام جماعي، خاصة ان الكثيرين من القتلى كانوا قد اصيبوا باطلاقات نارية في الرأس.
اذا اردنا الحديث عن تفاصيل واختلاف المجازر، سواء ما تم ارتكابه من قبل قوات الاحتلال الانكلوامريكي والنظام متعاون او صامت او من قبل النظام نفسه مباشرة، ومجرد التفكير فيها يكاد يقتلنا كمدا، فان علينا ان نستعيد بعض الوقائع التي تجعل من مجزرة الحويجة جريمة لا تغتفر ولا يمكن تبريرها، مهما حاول النظام اختلاق الاعذار وفبركة التفاصيل الملائمة للتغطية على المسؤولية.
علينا ان نتذكر ونستعيد بعض الحقائق الاساسية التي يحاول النظام تغطيتها سترا لجرائمه. ان انتفاضة ساحات العز والكرامة، في العديد من المحافظات والمدن، بضمنها الحويجة، مستمرة منذ 25 كانون الاول / ديسمبر 2012. وقد استمرت بشكل سلمي مع تأكيد المنظمين، دوما، على رفعها شعارات الوحدة الوطنية والدينية، باستثناء بعض الحالات الفردية، وهي متوقعة في ساحات مكتظة بآلاف الناس. فسارع النظام الذي يعتبر ان مهمته الاولى هي الانتقام من الشعب، الى استغلال الحالات الفردية وجعلها مشجبا لتبرير حملة اعتقالاته واغتيالاته وحصاره لبعض الساحات وتطويقه المعتصمين، مطالبا المتظاهرين، وهنا المفارقة المضحكة، بان يطبقوا القانون والنظام والدستور، بينما يتم خرق القانون والنظام والدستور، يوميا، من قبل ساسة النظام المتصارعين فيما بينهم بالمفخخات والألغام وكواتم الصوت، وباعتراف رئيس الوزراء نفسه.
غير ان المعتصمين، اثبتوا وخلال اربعة اشهر متواصلة، بانهم ملح الارض، وانهم لبنة العراق، وانهم أكبر من الساسة الذين يدعون تمثيل الشعب. فمن البرد القارس الى ارتفاع لهيب الصيف المبكر. من قطع الطرق وحصار المدن باساليب القرون الوسطى الى اغلاق المساجد. من رش المتظاهرين بالرصاص الى مداهمات البيوت والاغتيال بكاتم الصوت. ومع ذلك، يواصل المتظاهرون اعتصاماتهم وتوافدهم الاسبوعي، كل يوم جمعة، الى ساحات العز والكرامة والى الجوامع لاداء الصلاة الجماعية. نرى الاطفال والشباب وكبار السن الاسبوع تلو الاسبوع. في مجتمع محافظ، وفي ظل نظام يعتقل النساء رهينات بدلا من اقاربهن من الرجال، النساء غائبات باستثناء بضع مرات تجمعن فيها، وهن يرتدين السواد حدادا او حزنا، ليتحدثن عن مأساة الاسرى من النساء والرجال في معتقلات نظام حزب الدعوة. أثبت المحتجون على القمع، المطالبون بحقوقهم في الكرامة والحرية والعدالة بانهم اهل الأمان والاستقرار، وانهم قلب الشعب النابض بالتآخي، وان اساس البلاء وقلة الامان والارهاب والفساد هم ساسة النظام الأبتر.
لم ينبع الخرق الامني الاول من بين المعتصمين بل كان مصدره مهاجمة الجيش للمتظاهرين في الفلوجة، حيث قتل وجرح العشرات. وبات من الواضح ان مهمة الجيش هي حماية النظام من الشعب وليس، كما هو مفترض، حماية الوطن ضد اي اعتداء خارجي. فاين هم حماة الوطن من القصف المستمر للقرى الحدودية مع ايران وتركيا ودخول قوات الجيشين الاراضي العراقية؟ هل حدث وتحرك الجيش قيد انملة للدفاع عن الحدود او السكان؟ هذا الجيش الذي أسسه ودربه المحتل المكون من فرق طائفية صار اداة يستغلها النظام للانتقام الأعمى. الانتقام السياسي والطائفي العام بالاضافة الى الانتقام الشخصي. ويشكل الجيش نموذجا لادوات الانتقام المتمثلة ببقية المؤسسات والوزارات المقسمة والمسيجة طائفيا، بالاضافة الى قوات الأمن والشرطة والفرق الخاصة وآمري المعتقلات.
تصاعدت الاعتصامات في الاسابيع الاخيرة وحافظت على سلميتها وتنظيمها ورفعها الى مستوى العصيان المدني في الاسبوع الماضي في العديد من المدن، وجاءت متزامنة مع تدني نسبة توجه الناخبين للتصويت في انتخابات المحافظات، (اذ بات معروفا أنها لم تتجاوز الـ13′ حتى الساعة الثانية بعد الظهر فتم اللجوء لما يسمى بالتصويت الجماعي، حيث يلقى الفرد عشر قسائم أو أكثر باسم عائلته) تعبيرا عن رفض العراقيين في كل محافظاتهم للعملية السياسية الكسيحة. اثار هذا مخاوف النظام، متمثلا بنوري المالكي، من شعب لم يعد كما ارادوه مقسما الى طوائف، ضعيفا، خانعا، حيث أدى فساد النظام وحمايته للفاسدين واختفاء المليارات من الدولارات من قبل حفنة تعيش وتتغذى على التقسيم الطائفي، بينما يعيش ربع ابناء الشعب تحت خط الفقر، الى توحيد الناس معلنين غضبهم بالمظاهرات والاعتصامات وبعدم المشاركة في انتخابات ذاقوا طعم نتائجها المرة سابقا.
ماذا الآن؟
في خطابه الاول بعد المجزرة ( قناة العراقية، 25 نيسان/ابريل)، وبدلا من ان يعتذر لاصداره الاوامر، كونه قائدا عاما للقوات المسلحة، باطلاق النار على متظاهرين مسالمين، وقتل خمسين منهم بابشع الطرق، وجه المالكي خطابه الى ‘ابناء المحافظات الغربية’ خاصة، قائلا ‘اتقوا الفتنة … فانها نتنة’. ولسبب ما، يبدو ان لمفردة ‘النتانة’ جاذبية خاصة للمالكي، لأنه يكررها عادة. وبدلا من التأكيد، ولو من باب رفع العتب، على وجوب معاقبة المسؤولين، ظل يكرر رطانته المزوقة بآيات قرآنية ليوحي بحرصه على العراق، ملقيا اللوم، كالعادة، على ‘المتطرفين والجهلة ومثيري الفتنة و’القاعدة’ والارهاب وفلول البعث’. وهي ذات الخطبة التي نسمعها من بشار الاسد والقاها القذافي من قبله ليبررا قتل وقصف ابناء شعبيهما.
ماذا عن الجانب الثاني؟ هناك اتفاق شبه عام بين المتظاهرين والمفاوضين من النواب والوزراء وممثلي الامم المتحدة بان ما جرى في الحويجة هو مجزرة. وتدل شهادة الوزير محمد تميم المستقيل، التفصيلية،، في لقاء مع قناة الشرقية 24 نيسان/ابريل، بانه نجح بالتفاوض مع المعتصمين للقبول بتفتيش المخيمات بحثا عن السلاح والقاء القبض على ‘المخربين’ ان وجدوا، مع تأكيده بعدم وجود اي سلاح ‘حتى ولا موس حلاقة’ وعدم وجود من هاجم جنديا وقتله. وخلاصة شهادة محمد تميم هي انه كان بالامكان تفادي المجزرة لولا وجود ‘اوامر عليا بالهجوم على المعتصمين قبل انبلاج الصباح’.
ان نوري المالكي وحكومته يتحملان مسؤولية الجريمة وما تلاها من احداث عنف. وقد اعلن المعتصمون بانهم سيواصلون مسارهم الى ان يتم اجراء تحقيق دولي مستقل و’تقديم المالكي وجميع القادة العسكريين الذين ارتكبوا جريمة الحويجة كمجرمي حرب الى محكمة لاهاي الدولية’. كما قاموا بتوجيه الدعوة الى الجيش ‘الى القاء اسلحتهم والانسحاب من المدن واللجوء الى ثكناتهم العسكرية وترك الملف الأمني لجهاز الشرطة’.
لقد كانت طلبات المعتصمين، على مدى الاشهر السابقة، من صلب حقوقهم كمواطنين واستخدموا حقهم القانوني للمطالبة بها. ولم تكن الطلبات مستحيلة بل انسانية تشمل العراقيين جميعا، بالاضافة الى مستقبل العراق. وكان بالامكان تنفيذها لو كانت النية المخلصة والصادقة تجاه الشعب موجودة. غير ان النظام الحالي فشل فشلا ذريعا في تنفيذ واجباته تجاه شعبه، لأنه مبني على نزعة الانتقام الأعمى التي لن تلد غير الانتقام. ان الخطوة الاولى للئم الجراح وتجنيب الشعب المنهك المزيد من سفك الدماء لن يتم عبر الوقوف على منصة الخطابات والتصريحات التلفزيونية في المنطقة الخضراء بل ستكون بتطبيق القانون العادل ومعاقبة المجرمين بلا تسويف وماعدا ذلك سيبقى مجرد هراء.

‘ كاتبة من العراق

Email this pageShare