كتاب «آخر كلمات نزار» لعرفان نظام الدين: وثائق حب عن حياة شاعر لم يمت بعد

الصّادق الرضي

Sep 12, 2015

«بكيتُ… حتى انتهت الدموع
صلّيتُ… حتى ذابت الشموع
ركعتُ… حتى ملّني الركوع
سألت عن محمد فيك وعن يسوع
يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياءْ
يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء»
بين 1923 و30 نيسان/ أبريل 1998 عاش الشاعر الكبير نزار قباني حياته، وخلالها شغل النّاس والعالم بشعره، بطريقته المتفردة في الكتابة والحياة. وبين الكتابة والحياة، بين الشعر والحياة وشائج غامضة ومثيرة كتلك التي بين الحياة والموت. موت وحياة الشاعر لعبة لا تنتهي بمراسم الدفن والعزاء، لعبة تضجُّ بأسرار التفاحة الأولى ولعنة حلم الإنسان الأول بالخلود بينما هو خالد فيها قبل أن يقضم الخديعة ويرتكب خيانته الأولى للحياة الأبدية؛ حين يموت الشاعر «فيزيائيا» تبدأ حياته الجديدة حقّاً، حياته التي بذرها في الشعر في قصائده التي تضمخت بدمه قبل أن يرحل، ويكف عن كتابة المزيد من القصائد. قصائد القضايا الكبرى، قصائد الوطن الصغير والكبير، قصائد الحب والإطلالة على الناس عبر شاشات التلفزيون وأثير الإذاعة وصفحات الجرائد، قبل أن يكف عن الذهاب إلى العمل ومناكفة الأصدقاء، عن إدارة البيت والإنشغال بالعائلة والمشي في الأسواق، قبل أن يكف عن التلويح للجار بتحية الصباح.
بين الطبعة الأولى من كتاب «آخر كلمات نزار» لمؤلفه عرفان نظام الدين، صدرت عن دار الساقي في لندن سنة 1999، وبين الطبعة الثانية منه، صدرت عن الدار نفسها في السنة الحالية، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، قل عبرت أمواج كثيرة جسم النهر، نهر الحياة التي عاشها نزار قباني في حياته الثانية، عاشها في قصائده، وعاشتها القصائد عنه في قلوب محبيه وضمائرهم، في ترديدهم لها وتذكرهم له. نقرأ في مقدمة عرفان للطبعة الثانية من الكتاب: «حوادث كثيرة وقعت منذ رحيل شاعر العصر نزار قباني، جلها مأساوي حزين ومثير للآلام على حال الأمة العربية ومآسيها ومصائبها، وأخبار لا تحصى كنت أود أن أخبره بها، منها المفرح وهي قليلة، ومنها المفجع والمبكي وما أكثرها! ولكن كيف سيتلقاها الأخ والصديق، وهو الحساس المرهف والرقيق الذي لا يتحمَّل قلبه أخبارا تغرق في الدم والعنف وتدفع إلى اليأس، وهو الذي كان يرفع راية الدعوة إلى الحب والسلام ويبشر بفسحة الأمل». كتب عرفان مقدمته هذي في هيئة «الرسالة» وهي ليست سوى رسالة حب ووفاء وعرفان، موثقة بتأريخ المواقف والأحداث التي عاشها الكاتب مع الشاعر، صديقا مقرّبا منه وإعلاميا على دراية بالساحة التي تحرك فيها الشاعر وأنضجته، أنضجته التجربة؛ مصحوبة بالصور التي توثق اللحظات الأخيرة لشاعر العصر بجانب صور آخر الكلمات، رسائل حب وإخاء متبادلة بين الشاعر والكاتب.
الكتاب في مجمله رسائل حب عميقة، تضيء وتكشف عن جوانب بالغة الخصوصية في حياة الشاعر، وثائق مضمخة بعطر المحبة، ليس كتابا يعرض لتجربة الشاعر ومغامراته في الإسلوب وابتكار طرائق جديدة في الكتابة الشعرية أو درس وفحص عمله في طاولة النقد على ضوء المناهج الأكاديمية المختلفة، كتبت غادة السمان، تحت عنوان «عرفان كشف عن وجه حميم للشاعر» في شهادتها ضمن متن الكتاب: «في هذا الكتاب لا نلتقي فقط نزار قباني الذي رحل قبل أكثر من عقد ونصف العقد، بل وأيضا بالإعلامي عرفان نظام الدين ونبحر هذه المرة مع عطائه في فن «رواية السيرة الذاتية» في قالب التكريم. وهذا القلم الجميل لعرفان قدم آخر كلمات نزار في كتاب يكاد يكون أليما لأن معظم أبطاله رحلوا عن عالمنا، أمثال الدكتور غازي القصيبي وعبدالله الجفري وحتى هدباء الابنة الكبرى للشاعر وصديقة الصبا في الشام فبيروت. ولا ننسى توفيق الفارس الدمشقي الابن الأكبر لنزار الذي كان يخاف عليه من وخز شوكة الخسّ!».
«لقد اشتريت الأوراق الملونة والأقلام الملونة التي أكتب فيها… ووضعت المزهرية على مكتبي وفي داخلها الورود التي أحب… وأدرت المسجل على الموسيقى التي تريحني… ولكني أجلس ساعات وساعات ولا يأتيني الشعر ولا أدري لماذا يهرب من بين أناملي» هذا ما كان يردده الشاعر الكبير في عدة مناسبات، ويقول له عرفان مازحا، ربما أنت «تتدلل» وتحتاج لحبيبة ملهمة لتقول لها كما قلت من قبل في قصيدة «شؤون صغيرة» على لسان الحبيبة الأولى:
«وحين أكون مريضا
وتحمل أزهارك الغالية
صديقي إلىَّ
وتجعل يديك بين يدي
يعود لي اللون والعافية
وتلتصق الشمس في وجنتي
وأبكي وأبكي بغير إرادة
وأنت ترد غطائي عليَّ
وتجعل رأسي فوق الوسادة»
ويكمل نزار بصوته المحبب:
«تمنيت كل التمني صديقي
لو أني أظل عليلة
لتسأل عني
لتحمل لي كل يوم
ورودا جميلة…»
نطالع في الكتاب: تقديم على مقام العشق/مكرر لكاتبه الراحل عبدالله الجفري، والكلمات الأخيرة، قصة الحديث الصاعق، الجفري… وتؤام الروح، نقطة حوار، لقاء القباني والقصيبي، نصائح ومداعبات، الوداع الأخير، ملحق.. وكلمات في نزار قباني، أمير الفل، كلمة عائلة نزار قباني، نزار الإنسان والشاعر والوطن: بقلم سلمى حفار الكزبري، ضمير أمته: بقلم سلمى نبيه مقيد، شاعر في عدة شعراء: بقلم سليم نصار.

شاعر وصحافي من السودان

الصّادق الرضي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left