التسامح كذبتنا الخرقاء

رحاب أبو هوشر

بعد كل احتكاك متوتر، أو حادثة مريعة بين فئتين من مكونات المجتمع، سواء لجهة الدين أو الطائفة أو الجهة الإقليمية، أو العرق واللون، وما أكثر فئاتنا ومكوناتنا هذه الأيام، نفجع بحقيقة ‘البورتريه’ المتقن الرسم، الذي رسمناه لأنفسنا، عن أنفسنا، فكلما تأملنا أيا من تلك الحوادث، أسبابها ودوافعها ونتائجها، ثم ما يتبعها من ردود أفعال، أصبحنا في غنى عن إطالة النظر للتدقيق في تفاصيل ‘البورتريه’ وألوانه، فالتصدعات واضحة، والفجوات تزداد عددا واتساعا.
من غير جهد سندرك بأن تلك اللوحة الجميلة، لم تكن إلا لوحة فسيفساء باهتة الألوان رديئة اللصق، وأن ما استعمل من مواد لاصقة كان مغشوشا ملفقا، لذلك لا يدوم كما كنا نعتقد، ولا يمكنه أن يخلق منها لوحة متناغمة متماسكة، كما شاء هوانا، أو عمانا الذي ألفنا السير في ظلمته.
ولكن ماذا يفعل من اعتاد معالجة الجروح بتغطيتها بقطعة من الشاش اللاصق يحتفظ بها للحالات الطارئة، ويتجاهل ما حل بها من التهاب أو تقرحات، ويستمر في طمأنة المجروح، وإن كانت القطعة ترشح نزفا لم ينقطع؟
بحكم ثقافة الإنكار، والعوز لمواجهة الذات، وبحكم ‘ما وجدنا عليه آباءنا’، تجري العادة أن يخرج على الإعلام، ممثلون عن كل طرف من أطراف النزاع والاشتباك، ليمارسوا دور ‘الطبيب البلدي’، يجتروا أدبيات سئمها الجميع، عن التسامح الذي تزخر به ثقافتنا وحياتنا، وأن الحادثة شاذة وطارئة على مجتمعنا، وعلى قيمة التسامح الراسخة الأصيلة. هؤلاء ومن يستمعون إليهم، يتواطأون على تمرير الكذبة، وإن لم يصدقها أحد، لكنهم ربما لا يدركون أن هذا الاجترار يؤجل أزمة، هي الأكثر رسوخا.
ندرك أن أدبيات التسامح التي تغص بها الأدراج والرفوف، لامست سطح وعينا الاجتماعي ولكنها لم تجرؤ على المساس بعمقه، وكانت أضعف من تغيير مفرداته الموروثة، بمحمولاتها العنصرية والطبقية والقبلية، فما يحدث في الجلسات الفئوية الخاصة، بعد تلك التصريحات الرسمية، من إطلاق لخزانات كراهية وعداء، وكيل اتهامات وتوصيفات وتصنيفات تنميطية بشعة للآخر، يؤكد أن ذلك الاجترار أصبح غير مجد أيضا. ولو أن ما يقوله الممثلون الرسميون ‘الرموز′، يعكس فعليا تلك الحالة من التسامح بين أطياف المجتمع، بما حققته في رأيهم من وحدة وتماسك المجتمع، لما حدثت تلك الشروخات المؤلمة على هذا النحو من التكرار.
الأمر المثير للاستغراب أن حدوثها لا ينتج صدمة فكرية، تخلخل الثابت المزدوج لوعي موهوم بالتفوق، وما يمنحه لها من حق الاستقواء، ويدعي في نفس الوقت تسامحا مزيفا تجاه الآخر، دون أي تناقض، وبطمأنينة لا يحسد عليها. إن أقصى حالات الزيف والكذب يجري مراوغتها بالمثل الدارج عن ‘العفو عند المقدرة’، وأما ‘المسامح كريم’ فأكثرها ترجمة للمفهوم الثقافي والاجتماعي المضمر في مفردة التسامح.
تلك الأمثال انقطع ظرفها الزماني والمكاني، وإن كانت تصلح لحياة قبلية، سمتها الطبقية والعنصرية وانتفاء قيمة الإنسان، أو أنها ذات أثر إيجابي فقط، على صعيد العلاقات الشخصية والمعاملات الفردية، إلا أنها منبتة الصلة بلغة ومفاهيم العصر، وبمقومات بناء دولة ومجتمع حديثين. ذهبت تلك الأزمان، ولم تذهب معها ذهنية أنتجتها، تصر على جر الحياة وربطها من خاصرتها بمضارب الأسياد والعبيد، الأقوياء والضعفاء، إعلاء لشأنها وإنكار للآخر، بأدبيات التسامح.
التسامح يعني القوة والقدرة والأفضلية. يتسامح المرء فيصفح عن مذنب أو مخطئ بحقه، ويتسامح الكبير الناضج مع الطفل الجاهل قليل المعرفة والخبرة. التسامح يقتضي الخطأ وضعف موقف المتسامح معه، ومن يتسامح كريم خلق، ممتلئ عقلا وروحا ونفسا. وفي التسامح رحابة صدر نحو ما يمكن أن يضيقه، إذن هو فضيلة إنسانية فردية، تعلي من شأن المتسامح، فهو الأكرم والأرحب، والأقوى والأقدر، أما الطرف الآخر فمن البديهي أن يكون الأضعف قيمة وقدرة وقوة.
هذه الفضيلة، تصبح غشا وتلفيقا، عندما تتحول إلى ناظم لعلاقات المجتمع. أي تعال هذا في مصطلح ‘التسامح الاجتماعي’؟ يستخدم للتأكيد على علاقات غير متكافئة بين الناس، وبالتالي عدم تكافؤ حقوقهم وواجباتهم، وتحدد مضمونه وشروطه، وإمكانيه نفاذه أو تعطيله وفق رغبتها، الفئة القادرة عليه، الأكثر قوة ونفوذا تجاه غيرها من الفئات، وهي نفسها القادرة على ممارسة الاضطهاد وإنكاره معا، متسترة بغلالة التسامح، كيف يمكن صياغة علاقات مجتمع بالبناء على مفهوم يتناقض مع المساواة والمواطنة؟
إن كان هناك مؤامرة خارجية تعبث لتفتيت مجتمعاتنا، فالمؤامرة الداخلية الأشد وعورة، من صنع هذه الثقافة الزائفة، المتسامحة حد التأهب للاشتعال دائما. وطالما بقيت دولة المواطنة معطلة، فالثمن ليس إلا مزيدا من تناحر مكونات المجتمع.
لا نريد للوحة الفسيفساء أن تنهار حجرا حجرا، فوق رؤوسنا.

Email this page
Share on Facebook