هل العراق وجيرانه أكثر أمنا اليوم؟ حكومة تعاند الشعب وترفض مطالبه

د. محمود خالد المسافر

عشر سنوات تمر هذه الأيام على قرار العدوان الغاشم الذي اتخذه الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير وقليل من المحافظين الجدد المنتشرين ليس على الأرض الأمريكية الشمالية فحسب، بل وفي ربوع القارة الأوروبية، واعوان المحافظين الجدد من اللاعبين الدوليين الجدد على الأرض العربية، الذين ما كانوا يحلمون بدور يناط بهم من قبل القوة العظمى الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل وجود دول اقليمية كبرى احتكرت السيطرة على الأقليم ومقدراته، واحتكرت تمثيل الاقليم امام ولدى الولايات المتحدة الأمريكية للأربعة عقود الماضية.
مر هذا العقد من الزمان والعالم اليوم اقل أمانا بعد احتلال العراق، والأقليم النفطي الذي لطالما تبجح الرأسماليون بأهميته اصبح اكثر عرضة للخطر بعد زوال القوة الاقليمية الموازنة في المنطقة. العراق اليوم دولة خاسرة وفاشلة. ومحيطها العربي اكثر قلقا من ذي قبل، عندما كان يعلن بعض قادة الأقليم النفطي ان وجود النظام العراقي خطر على الوضع الأمني للأقليم.
تصل امتدادات فوضى العراق الى وسط السعودية والكويت والى اقصى البحرين، والى عمق الأردن وسورية الجريحة ولبنان. لا تستطيع اي من حكومات هذه الدول على الأقل ادعاء الاستقرار.
ايران اليوم دولة اكثر شراسة من ذي قبل، ولكنها اكثر هشاشة، تشعر بالخطر الرأسمالي الشديد الذي قد يهاجمها في اية لحظة، فلذلك نراها ترمي كل الخطر على من جاورها أخذا بالمقولة ‘من قاتل على ارضه فقد هزم’، وهي على ذلك لن تقاتل عدوها على ارضها، بل على ارض العرب، اولا، ارضاء لرغبتها التاريخية في السيطرة على هذه الأرض، وثانيا، لأنها تريد ان تقول للغرب المستأسد ان اي اعتداء على ايران سيعود وبالا على كل مصالحكم التي احتللتم العراق للحفاظ عليها. وهي لا تنفك تذكر، من لا يريد ان يتذكر، امريكا وحلفاءها من الغرب والعرب إنه لولا ايران لما تم احتلال بغداد وكابول. وتركيا التي تمسك العصى من الوسط في كل قضاياها، فهي تقاتل المجموعات الكردية في جنوبها، لكنها تقيم علاقات حميمة مع حلفائها في شمال العراق. تقود علنا دعما دوليا واقليميا من اجل نصرة الجيش الحر في سورية، لكنها لا زالت تحتفظ بمشاريع بمليارات الدولارات في العراق، وحكومته الداعم الأساس لحكومة الأسد.
ليس الأقليم النفطي فحسب قلقا من وضع العراق الداخلي، بل امتد خطر العراق الى كل ما حول الأقليم واصـــبح وضع العراق اليوم خطرا على الأمن والسلم الدوليين، من خلال انتشار الارهاب في ظل دولة ترعى وتدعم الميليشيات. العراق اليوم مرتع لكل مافيات الجريمة في العالم، فيه ينتهك القانون الدولي يوميا وتخرق كل قوانين ومواثيق حقوق الانسان الاسمية. كل شيء مباح وكاتم الصوت احد اهم وسائل التخلص من المعترضين. في العراق اليوم يقتل العالم والطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي وبالجملة.
والعراق اليوم مقسم ليس دستوريا فقط وانما واقعيا ايضا، الجنوب العراقي حيث السهل الرسوبي وعين على الخليج العربي وحارس الأمة مسيطر عليه ايرانيا بالكامل، من خلال ادوات ايران من ميليشيات وقطاع طرق وقتلة واحزاب عملت لأجندة الأجنبي لعشرات السنين قبل، ان تمنحها امريكا فرصة اقتحام الباب الحديدي الذي كان يحمي العراق والأمة لمدة ازدادت على الثمانين عاما، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في السنة الحادية والعشرين من القرن العشرين الى يوم احتلال العراق في التاسع من نيسان/ابريل من العام الفين وثلاثة.
والشمال العراقي كردستان العراق وفيها جبال العراق الغنّاء امانة لدى اهلها تعيش اليوم في غربة عن الوطن المذبوح، ليس بسبب آمال الكرد التاريخية بوطن مستقل، والتي وصلت عشية هذا القرن الى طرق غير سالكة بسبب ظروف الكرد في المنطقة، خاصة بسبب الظرف الدولي المحيط بالمنطقة عامة، وانما بسبب حماقة القائمين على الأمور في بغداد وحكومتها المركزية التي ما فتأت تستخدم الأساليب الاستفزازية لـ’تطفيش’ الآخرين ودفع الناس خارج الأطار الوطني. ليست حماقة سياسية فقط تلك التي توصف بها سياسات الحكومة الخامسة بعد الاحتلال، وانما هي سياسات أمليت عليهم من المحتل الثاني للعراق، حيث ينتمي اغلب اعضاء الحكومة العراقية. فترنحت سياسات حكومة الشمال العراقي كردستان العراق من مؤيد لسياسة الاحتلال في بدئه الى تحالف مع الأحزاب السياسية الدينية ذات العرق الايراني، لتترك معارضتها الاسلامية تتحالف مع الحزب الاسلامي العراقي حليف الولايات المتحدة وصديق ايران والشريك بالعملية السياسية العرجاء في الحكومة المركزية. هذا الخلط بالأوراق لم يؤت اكُلُه، اذا لم تنفع كل تلك التحالفات حتى الآن لأن تأتي على الأقل بنسبة السبع عشرة بالمائة من الميزانية التي وعدت بها كردستان العراق من قبل الدستور الذي كتبه نوح فريدمان الأمريكي اليهودي، بل ان الأمور بدأت تسوء اكثر فاكثر لتصل الى المواجهة السياسية بين حكومة اقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، واصبحت المواجهة العسكرية من ضمن الخيارات غير المطروحة.
والوسط العراقي وقلبه بغداد وهو مقسم عن مقسم، فمع كل مساوئ التقسيم في الشمال والجنوب، لكن الخروقات لحقوق الانسان العراقي هناك تسجل معدلات اقل منها عما يحدث في الوسط، حيث تختلط القوميات والطــــوائف. ومع تدخل حكومات ما بعد الاحتلال المتتالية بديموغرافية الوسط لتصل لتقسيم الوسط نفسه، ثم تقسيم قلبه بغداد الى مناطق بحسب الطائفة والقومية والدين، ورأينا لأول مرة التهجير الشيعي والسني في مناطق بغداد، لتصبح بعضها سنية فقط او شيعية فقط، ورأينا كيف ان المتحالفين في حكومات الاحتلال ليس لهم ذمة ولا عهد، فبعد الخلاف بين احزاب حكومة كردستان والحكومة المركزية كان شعبنا الكردي اول الخاسرين، لاسيما اولئك الذين يسكنون بغداد لعشرات السنين، بل وبما يزيد على القرن من الزمان، ودليلها عندما بدأت ميليشات الحكومة وقواتها الرسمية بتهديدهم وتهجيرهم مع استمرار حكومة كردستان مخالفتها لقرارات المركز التهميشية.
اثبت الدستور المسخ وبمجموعة معوقات الوحدة الوطنية التي وضعها نوح فريدمان ان المهم ليس ان يكتب دستور فيه تثبيت الحقوق والواجبات للوطن وحكومته، وانما الأهم ان يكون هذا الدستور وطنيا من النية في كتابته الى تشكيل لجنة صياغته الى اخذ رأي الشعب عليه من خلال استفتاء حقيقي، ليس تحت حراب المحتل وقواته وميليشياته واعوانه وعملائه، كما حدث مع الدستور العراقي الحالي. المهم ان الدستور ينبغي ان يصمم ليعكس ارادة المواطنين وليعكس عمق تاريخ الأرض التي يعيشون عليها والحضارات التي قامت فيها. ويفترض ان يعكس دستور الدولة الرغبة في التآخي تحت ظل علم واحد، ونظام واحد، وحكومة واحدة مهما كانت الحكومة، مركزية او لامركزية، فهذه امور ثانوية وادارية. دستور لا تكتب فيه كلمة اجتثاث ولا تهجير ولا توجد شريحة تفرح بنصوصه واخرى تحزن، فيه المواطن اسمه مواطن عراقي وليس باي اسم جزئي مهما كان مفرحا ومفخرة لحامله. دستور لا يذكر تفصيلات الاحتفالات الطائفية وانما يكتفي بان يحفظ لكل الطوائف والقوميات حقوقهم الدينية. دستور يحمي حقوق التدين ولا يسمح باستخدام الدين والأفكار الطائفية للنيل من الآخر. دستور يمثل الجميع، يلجأ اليه الجميع عندما تظلمه سلطة من السلطات.
حكومة العراق اليوم فقدت بوصلتها، لأن البوصلة التي اعارها لها المحتل انتهت صلاحياتها. حكومة اليوم بلا بوصلة ولا اولويات. تعاند الشعب وترفض مطالبه، تعتقل نساءه وارامله قبل رجاله. حكومة العراق اليوم تخطت ارقاما قياسية كثيرة، منها حجم السرقات التي لم يسبق لها مثيل، وحجم الفساد والرشوة. شعب بلا ماء ولا كهرباء لمدة عشر سنوات وهو يمتلك احتياطيا طاقويا لا ينفد لمدة اربعمئة عام.
شعب العراق اليوم يموت بابسط واخبث الأمراض وهو صاحب اعلى مؤشر ‘طبيب – مواطن’ مقارنة بشعوب المنطقة. رئيس الحكومة في العراق اليوم صاحب اكبر حقيبة وزارية بالتاريخ، فهو فضلا عن ترؤسه لمجلس الوزراء فانه القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الأمن القومي والمشرف المباشر على هيئة النزاهة وهيئة المساءلة والعدالة، والمحافظ الفعلي للبنك المركزي. واخطر رقم قياسي تجاوزته الحكومة العراقية هو عدد القتلى مجهولي الهوية المرميين في الشوارع الذين يزداد عددهم كلما شعرت الحكومة بحرج مع من انتخبها.

‘ رئيس مؤسسة ‘صمم لنهضة علمية’ الماليزية

Email this pageShare