الحاج محمد بوتين والأزمة السورية

د. يحيى مصطفى كامل

Oct 17, 2015

في قصيدته الشهيرة «قتلناك يا آخر الأنبياء» التي يرثي فيها الراحل الكبير نزار قباني الراحل الكبير بدوره جمال عبد الناصر يزعم بأن اغتيال الصحابة والأولياء والأنبياء ليس بالأمر الجديد علينا. أعتقد أنه كان من الأحرى به أن يرى أن الأدق أن اختراع الزعماء وانتظار المخلصين هو الأقرب إلينا والأكثر ثبوتاً وتوثيقاً تاريخياً، فالحكام وعسكرهم هم من كانوا يقومون بقتل الأولياء لا الشعوب، التي ظلت ترفع رؤوسها إلى السماء منتظرة الفرج والمخلصين، الذين لا يأتون في الأغلب الأعم. «عادتنا التي لم نشترها» على قول المثل المصري السائر، وفي دورانية الزمن العربي، تتسع الدائرة لتشمل أبطالاً ومخلصين لا ينطقون بالضاد، ولا ينتسبون إلى الدين الحنيف بحسب تدني الوضع وبؤس الحال، فعلناها من قبل حين تصورنا أن هتلر هو البطل المغوار، الذي سيخلصنا من الاحتلال البريطاني، بل وأشيع أنه أسلم، كأن انتساب قاتلٍ جماعي عنصري وملتاث للإسلام أمرٌ مشرف ومرغوب. ولما كان وضع الدول العربية المشرقية بائساً تماماً ولا يبدو أفقه منفتحاً على أي حلول قابلة للحياة، ولا يوجد بين القادة العرب من يملك من الملكات أو الكاريزما والنفوذ ما يؤهله لدور المخلص القومي، فأخيراً وللأسف ربما ليس آخراً، عثر كثيرون من أنصار العودة إلى الماضي وأنصار نظام الأسد وكل المؤمنين بصنمية «الدولة»، في بوتين على ضالتهم، بوتين الرجل القوي، الصارم، العنيف، مفتول العضلات الذي يلعب «الجودو» ويركض عارياً وسط الثلوج.
أحياناً أتساءل عن مركبات النقص والرغبة السرية في التعويض لدى بعض المتحمسين، كما أنه مما يلاحظ ولا يخلو من طرافةٍ سوداء هو ذلك التطابق بين تركيبة الشرائح والتيارات المؤيدة للسيسي والمتحمسة لبوتين، من ذوي المصالح الرأسمالية الكبرى، الذين ارتبطوا بزمن مبارك، وها هم يلتفون حول السيسي وسيلتفون حول كل رئيسٍ مستبد، والمحافظين الذين يتمثل شعارهم في الفرم والسحق «أفرم يا سيسي» والقومجية وبعض فصائل اليسار الذين يبدو أن الأمر التبس عليهم فلم يدركوا أن الاتحاد السوفييتي، سقط وبالتالي يتعاملون مع روسيا، تلك الدولة الرأسمالية بامتياز، كونها الوريث الشرعي.
لا بد أن أعترف أن التدخل الروسي، وبتلك القسوة والشراسة، بدا محيراً لي بعض الشيء للوهلة الأولى، الأمر الذي تطلب مني الكثير من القراءة في محاولةٍ للفهم، وقد خلصت باختصار إلى كون الدافع للتدخل الروسي في سوريا أمرٌ روسي محض، روسيا بلدٌ كبير، عملاق، العالم ملعبه، والرجل الذي صعد من المجهول إلى قمة الهرم خبيرٌ في الاستفادة من الحروب والأزمات وأعمال التخريب، لتكريس سلطته وإحكام قبضته، فعلها فيما قبل في حربي الشيشان؛ لذا فمن ناحيةٍ تأتي هذه الخطوة للتخفيف على بوتين، حيث أن هبوط أسعار الطاقة وتأثير المقاطعة الاقتصادية على خلفية الأزمة الأوكرانية والصراع حولها يعرضانه للضغط الداخلي، ومن ناحيةٍ أخرى متصلة تماماً فإنه يسعى إلى استعادة مكانة روسيا على الساحة العالمية، هو يتابع ويرى ما يبدو من تضعضع القوة الأمريكية وتراجعها، يجوز أنها ما زالت قوة عظمى إلا أنها لم تعد القوة الوحيدة بكل تحديد، وليس بسرٍ أن ما يشغلها قبل أي شيءٍ آخر هو تنامي قدرة الصين، التي بدأت تناوئ وتتطلع إلى لعب دورٍ أكبر، خاصةً في محيطها الآسيوي الإقليمي. لقد رضيت إدارة أوباما بنوعٍ من التسوية مع إيران للتفرغ إلى ذلك النفوذ المتزايد للصين، وما تمثله من تهديدٍ اقتصادي وعسكري لا يستهان به، على تلك الساحة. وفي ظل تلك التناقضات والمتغيرات يلجأ بوتين إلى محاولة ملء الفراغات وشغل المساحات التي تخلفها أمريكا أو تنسحب منها بفعل الإرهاق أو الانشغال بما هو أهم لصناع القرار والساسة في الولايات المتحدة.
يتحرك بوتين لقطف أو صنع المزيد من الأوراق للمقايضة واللعب، بحيث تصبح سوريا، وهي منطقة نفوذ تقليدي وفيها قاعدة بحرية روسية في طرطوس، ورقة تفاوض ومقايضة لتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا، على خلفية الأزمة الأوكرانية. كما يتعين ألا ننسى في هذا السياق الخوف الروسي الخاص من الإسلام السياسي والجهادي، نظراً لتجاربها في الشيشان، ومن قبل ذلك في أفغانستان، وبحسب مقالٍ منشورٍ في مجلة «نيوستيتسمان» فإن صحيفة «نوفايا جازيتا» الروسية المستقلة، نشرت تقريراً يفيد بتسهيل مرور قرابة ألفين وأربعمئة جهادي من جمهوريات الجنوب الإسلامية، أسفل بطن روسيا إلى سوريا من قبل السلطات الأمنية، الأمر الذي يفيد بأن روسيا تسعى إلى تحويل سوريا إلى مصيدة ذباب.
في سياقٍ آخر لكنه متصل، فإن هناك من يؤكد على كراهية بوتين الراسخة والعميقة للتغيير والعملية الديمقراطية برمتها، فالرجل ابن المؤسسة العسكرية السوفييتية بتراتبيتها الصارمة، ومن ثم جهاز المخابرات السوفييتية الشهير والمخيف في آنٍ معاً الـKGB، وقد رأى الفوضى التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي وتراجع دور روسيا، على ذلك فهو سلطوي المزاج، يؤمن بالدولة وسلطتها المطلقة ويخشى من مطالب التغيير والنداء بالحريات التي لا يراها جالبةً سوى الخراب، وليس من عجبٍ أن ينتهي معارضوه، إما مقتولين في ظروفٍ غامضة لا يتم الكشف عن فاعليها بالطبع، وإما في السجن.. وغالباً ضحايا فضيحةٍ ما، عقلية بوتين قريبة جداً، بل لعلها مطابقة، لعقلية الرؤساء والملوك العرب والطبقات المحافظة في بلداننا، الذين يتحسسون مسدساتهم كلما سمعوا كلمة «حريات» و»ديمقراطية» ولا يرون فيها سوى محاولةٍ أمريكية شيطانية للتمدد، وهم بدورهم يرون في بوتين شخصاً أوضح وأريح في التعامل معه، حيث لا أوهام لديه ولا ورقة توت من دعاوى المبادئ .
العرب على باب الله، وقد انفجرت مجتمعاتهم بسبب التناقضات الداخلية، فالبنى السلطوية التي كرست للاستبداد عن طريق منظومات أمنٍ مريعة وما يرفدها من سردياتٍ ترسخ لهذه المسوخ، لم تستطع السيطرة في لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة وأفلت منها الزمام، لكن موجة الحراك منيت بضرباتٍ موجعة وسقطت أيضاً تحت ضغط عوامل داخلية نابعة من موازين القوى على الأرض وربما بعض الخطوات الخاطئة وعدم نضج البديل وتجذره في قاعدةٍ شعبيةٍ بعد، الأمر الذي لا شك في كون ميراث التهميش وحل المجال العام قد أسهما فيها. لقد سقطت الصيغ والتصورات التي حكمت منطقتنا معظم القرن الماضي، ومع تغير خرائط النفوذ وتشكل أخرى جديدة تواكب صعود وتيرة صراع رأسمالي جديد تتغير خريطة منطقتنا التي تقع في قلب الأحداث.
بعد تدويل الصراع على سوريا، الذي كان إقليمياً في المقام الأول يصح الحديث عن «مسألةٍ سورية» على غرار المسألة الشرقية، أو عن مسألةٍ شرقيةٍ جديدة، أما الفقيد أو الرجل المريض هنا، فهو مشروع الحداثة العربي ودولة ما بعد التحرر الوطني، تلك التي خذلت شعوبها وكذبت كل وعودها ولم يتبق منها غير هياكل بائسة وقمعية ترسخ لحكم طائفةٍ بعينها أو عشيرةٍ أو عائلة ومحاسيبها.
لقد دخلت روسيا بثقلها، دخلت تثبت وجودها وتروج لسلاحها (وربما تجرب بعضاً منه) وتدافع عن مصلحتها، وهناك من الأخبار ما يفيد بكون ضرباتها العسكرية ناجعةً، ما يدفع الكثيرين للتشكيك المشروع في جدية الضربات الغربية بقيادة أمريكا، لكن لا بد هنا من التذكير أن بوتين ليس مخلصاً، وأن روسيا لم تدخل انتصاراً لحق ولا تكترث لمصير الشعب السوري ولا ضحاياه، فهي دولةٌ رأسمالية مافيوية لا تقل جشعاً ولا قسوةً عن أمريكا، فصراع القوى العظمى والإقليمية صراعٌ لا ملائكة فيه، الضحية الوحيدة هو الشعب السوري والأكثر إجراماً هو النظام الذي أوصلنا إلى هذه الطريق المسدودة. من الصعب الآن التكهن بطول الصراع في سوريا والدور الروسي فيه، ولا مدى نجاحه، لكنني أجزم بأنه بدون عمليةٍ سياسية وتغيير حقيقي، فمن المستحيل الخروج من هذا المأزق، واهمٌ من يتصور أنه بعد كل الدماء التي سفكت وكم الدمار، من الممكن العودة إلى ما كان الأمر عليه، كل الأطراف تدرك ذلك وربما على رأسها روسيا، التي قد تقبل بتقسيم سوريا مقابل الإبقاء على موطئ قدمٍ فيها على الساحل.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left