سلامتك يا سورية!

عبد الحليم قنديل

ليس من سبب واحد يصح تبريرا لهذا الصمت العربي المخزي الذليل، على جرائم العدوان الإسرائيلي بقصف دمشق، وهو الصمت الذي شمل الحكومات والشعوب وقوى الشارع، اللهم إلا من بيانات استنكار باهتة لا تحفظ ماء الوجه.
ولا تصلح قصة النظام السوري مبررا للصمت، ولا كل أحاديث الدنيا عن ديكتاتورية بشار الأسد، ودمويته ومجازره التي لم يصمت عنها ضمير حي، التي حولت سورية إلى ميدان وحشي لحرب أهلية طائفية، تزور أهداف الثورة التي بدأت شعبية ضد النظام الديكتاتوري الطائفي، وتحرفها بعيدا عن قضية كسب الحرية، وتخلق سياقا لتفتيت سورية، وتدمير وحدتها الترابية والوطنية، وتحويل وطن العروبة المثالية إلى أشلاء وشظايا.
نعم، نقولها بملء الفم، لا يصح لأحد أن يبرر موقفه المتخاذل من العدوان الإسرائيلي بدعوى وجود بشار في السلطة، فالعدوان الإجرامي لم يكن موجها ضد بشار وجماعته، ولم يخدم في الواقع سوى بشار وجماعته، إذ صورهم خصوما وأعداء لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، بينما لم تطلق هذه الجماعة رصاصة واحدة عبر الجولان خلال أربعين سنة مضت، واعتمدت بالجملة في ما سمته ‘الممانعة’ على دور جماعات المقاومة وحزب الله في لبنان، وهؤلاء هم المستهدفون بالعدوان الإسرائيلي الأخير، وبدعوى وقف إمدادات السلاح والصواريخ الإيرانية إلى حزب الله، وهو الحزب الذي اتخذ موقفا نراه خاطئا في التخلف عن دعم الثورة الشعبية السورية، وربما ـ كما يقال ـ بالدخول طرفا في الصراع المسلح الدائر، الذي أسقط ما يقارب المئة ألف شهيد سورى، فضلا عن تشريد الملايين، وقد يكون تدخل حزب الله في الصراعات السورية الداخلية، مما يؤخذ عليه حقا، لكنه لا يلغي الحقيقة الكبرى الراسخة، وهي أن إسرائيل لا تخاف أحدا في الشرق العربي سوى جماعة ‘حزب الله’، الذي خاض ـ منفردا ـ أطول حرب عربية ضد إسرائيل في أواسط 2006، وخرج منها صامدا باقتدار، وطور قوته الميدانية والصاروخية، وقدم مثالا رفيعا قابلا للاحتذاء في معارك تلت مع العدو الصهيوني، وعلى طريقة أداء حركة ‘حماس′ المتفوق في حرب 2008 ـ 2009، ثم في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وبما أكد حقيقة صلبة في الصراع مع إسرائيل، وهي أن المقاومة العربية من نوع مختلف، هي التي تقض مضاجع إسرائيل، وهي التي أرغمتها صاغرة على الانسحاب من الجنوب اللبناني، ثم من قطاع غزة، خاصة بعد أن امتلكت المقاومة العربية الجديدة قوة الرد الصاروخي، التي تبلغ ذروتها في ترسانة حزب الله، والتي تريد إسرائيل الحيلولة دون المزيد من تطويرها، وتضرب خطوط الإمدادات عبر دمشق، وهذا هو السبب الجوهري للغارات الإسرائيلية المتكررة على العاصمة السورية، التي لا تضر نظام بشار الذي يقاتل شعبه من أجل البقاء في السلطة، ويعطيه العدوان الإسرائيلي الفرصة لاكتساب وطنية زائفة والادعاء بعمالة خصومه، بينما الحقائق على الأرض تقول شيئا آخر، فالجيش السوري القوي لم يوجهه أحد لتحرير الجولان، بينما حزب الله نجح في تحرير الجنوب اللبناني، من دون توقيع معاهدة أو صك تطبيع، وحتى القوى المسلحة التي تقاتل الجيش السوري الآن، فلا يختلف الكثير منها في شيء عن النظام الدموي، فيما يخص الموقف من إسرائيل، فليس في وثائقها حرف واحد عن تحرير الجولان، ولا في سلوكها الميداني ما ينبئ عن مجرد رغبة في مواجهة إسرائيل بالمقاومة المسلحة، ولسبب بسيط، هو أن الدول التي تدعم قوى المعارضة المسلحة كلها من أصدقاء إسرائيل، وربما لا نستثني أحدا سوى قوى المعارضة والثورة التي نأت بنفسها عن الحرب الأهلية الطائفية الدائرة، ورفضت عسكرة الثورة، والتورط في خطة النظام لتحويل سورية إلى حطام .
وربما لا يصح لأحد أن يغتفر لنظام بشار جرائمه وخطاياه الدموية في قتل وجرح مئات الآلاف، وتدمير المدن والقرى، وتشريد الملايين، فضلا عن الطائفية اللعينة التي تهدم المعبد على رؤوس الجميع، وهي اللعبة الخطرة التي دفعت إليها فصائل تكفير على طريقة ‘جبهة النصرة’ وأخواتها، وكل ذلك مما يستحق الإدانة والإنكار من الضمائر الحية، فلا سلام في سورية بدون كسب الحرية، ولا سلام في سورية بدون إزاحة الديكتاتور، ولا سلام في سورية مع وجود جماعات تكفير مسلحة، لا تعرف غير التخصص في فتنة الأديان وتدمير الأوطان، وهؤلاء لن يتركوا سلاح التدمير أبدا. وبعكس مجموعات من الشباب الثوري السوري اضطرت لحمل السلاح دفاعا عن القرى والأهل وحماية للمظاهرات، والأخيرون لا خطر منهم على سلامة سورية بعد إزاحة الديكتاتور، ورغم تعقيدات الصراع الجاري في سورية، لا يبدو الحل العسكري مفضيا إلى سلامة الوطن السوري، بينما تبدو الحلول السياسية متعثرة، إلا أن يحدث تغيير درامي باختفاء بشار نفسه، أو أن تجبره الضغوط على إعلان نية الرحيل، وفي الدراما الدموية الجارية لا تبدو إسرائيل مستريحة تماما لذهاب بشار، ولا هي حريصة بالضرورة على استمرار حكمه الضعيف المزعزع، وهي تريد بغاراتها المتكررة رسم خطوط حمراء جديدة في سورية، ووضع قواعد اشتباك جديدة تعمل بها في حال بقاء بشار أو رحيله، فهي تريد أن ترسي لنفسها حق الضرب في سورية، وفي أي وقت تشاء، وفي أي مكان تريد، وتنقل عناصر خطتها القديمة في لبنان إلى سورية المضطربة في حال وجود بشار أو رحيله.
وليس سرا أن إسرائيل تريد إقامة منطقة أمنية منزوعة السلاح في الأراضي السورية الملاصقة للجولان المحتل، وتريد إقامة ‘جيش سورية الحر’ على طريقة ‘جيش لبنان الحر’، وقد بدأت باستضافة وتجنيد عدد من السوريين بدعوى أنهم من ‘الجيش السورى الحر’ المعارض المقاتل لجيش بشار، والهدف ظاهر، وهو أن تدفع الجماعات السورية المسلحة لاقتتال داخلي دائم بعيدا عن خط الجبهة في الجولان، أي أن تحول طاقة التدمير إلى الداخل السوري، وأن تترك للرعاة الأمريكيين دور إدارة الصراعات والتوازنات في دمشق بعد ذهاب بشار، ومن خلال مجموعات مرتبطة بالأمريكيين، كالإخوان المسلمين وغيرهم، وهذه صورة مفزعة لا علاقة لها بمطامح الثوار والشهداء السوريين، فهي لن تقيم حكما ديمقراطيا ولا وطنيا، بل ربما تنتهي إلى ‘حكومات دمى’ على طريقة ما جرى ويجري في بغداد بعد الغزو والاحتلال، وهو ما حذرنا منه مرارا وتكرارا، وطالبنا بالحفاظ على سلمية الثورة التي هي عنوان تفوقها الأخلاقي، والتي كان من شأنها أن تضمن سلامة الوطن السوري، وتعزيز الوحدة الوطنية للسوريين، وتحقيق هدف التوأمة بين الديمقراطية والموقف الوطني المعادي لكيان الاغتصاب الإسرائيلي .
نعم، لا تناقض من أي نوع بين أن تكون ضد ديكتاتورية بشار وضد العدوان الصهيوني معا، وما من موقف آخر تتوافر له عناصر الصحة والسلامة الوطنية والديمقراطية، والبديل، أن يشتعل المشرق العربي بحرب طوائف يفرح لها قلب إسرائيل .

‘ كاتب من مصر

Email this pageShare