ماذا لو حلّ الدكتور محمد مرسي ضيفا على باسم يوسف في حلقة قادمة من منوّعته الساخرة ‘البرنامج’؟ السؤال مباح، ولكنّ تلبية الدعوة قد تدخل في باب الكبائر حسب اعتقاد الإعلامي الساخر الذي كشف عن تلك الأمنية في حلقة استثنائيّة حلّ فيها ضيفا على لميس الحديدي، فيما يشبه العمل بشعار (في الاتحاد قوّة) بين ‘البرنامج’ و’هنا العاصمة’، وقد أفرز ذلك الاندماج اللطيف سهرة رائقة بعنوان:’هنا البرنامج’.
وفي أجوبته عن أسئلة الحديدي، أوضح باسم أنّه دعا شخصيّات لها وزنها في المشهد السياسيّ المصريّ، دون أن يذكر أسماء. وجلّ من دعاهم تراجعوا عن الحضور بعد الموافقة خوفا من الظهور بمظهر لا يخدم مستقبلهم السياسيّ وعملا بنصائح مستشاريهم الذين يعتقدون أنّ سخرية يوسف ‘لا تبقي ولا تذر’. وعلى ذلك الأساس، يرى أنّ تلبية الرئيس لدعوته ستمثّل سابقة لا يصدّقها الواقع السياسي والثقافي لمصر أو أيّ بلد عربيّ آخر تفصله سنوات ضوئيّة من التقدّم الحضاري عن الولايات المتحدة الأمريكيّة حيث لا يجد الرؤساء والساسة عموما حرجا في الذهاب إلى البرامج الساخرة ومنها ‘ذي ديلي شو’ لجون ستيوارت.
وستعلم الجماعة – ولو بعد حين – أنّ البرامج الساخرة لا تقلّ أهميّة عن البرامج الجادّة. ومشاهدة الحوار الذي جمع بين باسم ولميس الحديدي، وما تخلّله من زيارة كواليس ‘البرنامج’ كفيلة بتطوير أحكامنا السلبيّة الجاهزة إلى مواقف تحترم ذلك العمل الذي يسهر على إعداده فريق ضخم يتكوّن من مائة وخمسين موظّفا فيهم الكتّاب والتقنيّيون والممثّلون والمدوّنون الذين يراقبون الأحداث على مدار الساعة لاختيار ما يصلح للتندّر.. خليّة نحل تعمل بنسق سريع لمواكبة ما يجري في مصر من أحداث تجمع منها ما يصلح للمعالجة بطريقة ساخرة فيها من النقد ما يوجع وما يُصلح وما يُفسد أيضا. ودعوة باسم للتحقيق تتصدّر قائمة المفاسد التي تحوّلت إلى ضغوط على قناة سي بي سي عوّضت تهديدها بالغلق نهائيّا…
ولتجنّب ذلك التوتّر وما يدخل في إطاره من التضييق على الإعلاميّين عموما يحتاج الإخوان في مصر والإسلاميّون في عالمنا العربيّ إلى نصيحة الدكتور عبد الوهاب الأفندي التي وردت في مقالته (لماذا يخسر الإسلاميّون الإعلام ويربحون الانتخابات؟) حيث يقول مستدركا:’ ولكنّ الإسلاميّين لن يتصالحوا مع الإعلام الحديث حتى يتعلّموا الضحك على أنفسهم مع الآخرين. وكان ينبغي أن يتأمّلوا مثل هذه البرامج الساخرة ويتعلّموا الدروس من عدم الوقوع في الأخطاء التي تعكسها وتجعل منهم مادّة للفكاهة..’ ودون التعبير عن تفاؤل أو تشاؤم، نعتقد أنّ العمل بتلك النصيحة الثمينة، قد يحتاج إلى وقت يطول أو يقصر على قدر صدق الإرادة التي تغيّر ما بالنفس ليغيّر الله ما بالقوم.
التونسيّة والنهار
‘لا يغيّر الله ما بقوم حتّي يغيّروا ما بأنفسهم’، آية تفرض نفسها على المتابع الدقيق لبرنامج ‘التاسعة مساء’ على قناة التونسيّة.. فعلى غير العادة، قرّر برنامج معز بن غربيّة (في حلقة مشهودة) الرحيل إلى مصر، والبثّ المشترك مع قناة النهار ومن تحت أضوائها، طمعا في أنوار جديدة، واقتداء بمن قال ‘ للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم’..وقد فاجأنا حضور وزير العدالة الانتقاليّة سمير ديلو الذي تغيّب طويلا (مع أعضاء الحكومة) فلم يظهر في تلك القناة وفي ذلك البرنامج تحديدا منذ تشكيل الحكومة الثانية. وكان على فضائيّة التونسيّة صحفيوّن ‘غلاظ شداد’، حوّلوا الحكم من نعمة إلى نقمة، وجعلوا أصحاب المناصب الوزاريّة كمن تبوّأ ‘مقعده من النار’، ولذلك السبب انفضّ القوم عن تلك المنابر وغادروها تصديقا للآية الكريمة: ‘ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك’…
ويبدو أنّ الوزير سمير ديلو عفا وقرّر العودة للظهور معزّزا مكرّما. فالمطّلع إلى معزّ بن غربيّة في تلك الليلة المشرقة بنور قناة النهار، يرى رجلاً ‘يتلألأ وجهه تلألؤ القمر’ والجملة لأبي العلاء المعرّي من كتابه رسالة الغفران. وهكذا غُفر لبن غربيّة بعد تلك المقاطعة التي آتت أكلها، فغادر ما كان عليه من الفظاظة والغلظة وصار من أهل السماحة لا تفارق الابتسامة محيّاه ترحيبا بالوزير واستبشارا بعودته إلى الأضواء. وقد خاطبه بلِينٍ لم نعهده في السابق، وتلك علامة من علامات التطوّر التي ستجُبّ ما قبلها.
ولا نستبعد أن يكون للشيخ محمّد حسّان دور في ذلك الصلح والصلاح، وقد دعاه بن غربيّة للتعليق على زيارته الأخيرة لتونس وجولته في مدنها خطيبا. فأبدى تسامحه مع كلّ التونسيّين الذين عبّروا عن امتعاضهم من تلك الزيارة، وناشد الشباب المتديّن في تونس إلى مجالسة العقلاء والابتعاد عن العنف مؤكّدا أنّ ‘إهدار دماء المسلمين محرّم شرعا’. والاستماع إلى الشيخ حسّان يخاطب التونسيّين ويعضهم في برنامج عنوانه ‘التاسعة مساء’، أمر في غاية الغرابة، لأنّ ذلك المنبر كان في الماضي القريب مُتاحا لمهاجمة الشيوخ والدعاة الذين تستضيفهم بعض الجمعيّات لوعظ الناس وإرشادهم، فسبحان مغيّر الأحوال.
ولمعرفة سرّ ذلك التحوّل، بحثت عن تردّد قناة النهار لإستقبالها في بيتي.. فمشاهدتها كفيلة بتبيّن الخطّ التحريريّ الأبيض من الأسود ومعرفة الحقائق الخفيّة لما يجري في تلك القنوات الإعلاميّة من الأفكار الصافية أو الآسنة. وفي صفحة النتائج التي أظهرها الباحث العظيم غوغل، ظفرت بمقالة شديدة الأهميّة تتحدّث عن غضب علاء الكحكي – صاحب القناة- من الصحفيّين واعتراضه علي سياسة الهجوم التي وصفها بالمبالغ فيها علي الإخوان المسلمين ومؤسّسة الرئاسة، قائلا لهم ‘هذا ليس بإعلام، وما يحدث لا يرضي الله’.
فاكتفيت بذلك الخبر الذي يدلّ على توبة نصوح من قناة النهار بعد نهي الكحليّ عن قول السوء وفعله. وعلى يديها ربّما تابت التونسيّة وأظهرت من الاحترام للوزير ديلو والداعية حسّان ما يندرج ضمن باب ‘الحِلْمِ والأناة والرفق’ الوارد بالكتاب المشهور ‘رياض الصالحين’. ومنافع الباب كثيرة، تُعلّم الإنسان تلك المبادئ وتنبّهه إلى عاقبة تركها، فـ’مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحرم الخيْرَ كُلَّهُ’. صدق رسول الله.
تونس وإسرائيل
‘أنْ تعرف أكثر’، لم يعد شعارا حصريّا لقناة العربيّة، فقد تبنّاه بعض الصحفيّين التونسيّين الذين صار لهم باع وذراع في الاستقصاء الأشبه بالافتراء… ولأنّ الله نهى عن القنوط من رحمته، تسلّح عدنان منصر، الناطق الرسميّ باسم رئاسة الجمهوريّة، بالدعاء في مواجهة الصحفيّة الشابّة التي تعمل بإذاعة الشباب، والتي سألته (تقريعا وتوبيخا) عن ‘البيان الهزيل’ الذي أصدرته الرئاسة للتنديد بالعدوان الاسرائيليّ على سوريا. واستهجانها لضعف البيان، دفعها إلى اقتراح أشكال احتجاجيّة تتناسب مع حكومة ما بعد الثورة. فطالبت بقطع العلاقات الديبلوماسيّة بين تونس وإسرائيل والكفّ عن تبادل الزيارات بين البلدين! وهنا ظهرت معرفتها الواسعة بعلاقاتنا الدوليّة الأمر الذي فاجأ الناطق الرسميّ فسألها هل أنت متأكّدة من وجود هذه العلاقات؟ فقالت ‘أكيد’! ومن شدّة العجب، عجز الناطق عن النطق إلاّ بالدعاء قائلا: ‘ربّي يسامحك’… وفي هذا السياق الوعظيّ، ننصح بدورنا الصحفيّة الشابّة بأن تخصّص نصف ما تنفقه أمام المرآة من الأوقات الثمينة لقراءة ما يُكتب في السياسة والجغرافيا والتاريخ حتّى تعرف أكثر، وينطبق عليها شعار قناة العربيّة. أمّا الآن فهي في مرحلة ‘أن تجهل أكثر’. والله أعلم.
كاتب تونسي
abderguirat@gmail.com
Share



رأي القدس فضيحة 'الفساد الكبرى': مسلسل تركي جديد!



























































أخي عبد الرزاق تحية طيبة
شكرا على المقال
لقد تابعت على احدى القنوات الوطنية تلك “الصحفية” وذهلت شديد الذهول مما قالت. انتظرت مقالك لأقرأ تعليقك على الحدث لكني انتظرت منك تعليقا أعمق, فشكرا مرة أخرى على المقال المتميز.
في المغرب العربي، وإن كان الفرنكوفيل يعملون جاهدين لإلغاء وصف العربي ولآ أدري إذا كانوا يرغبون في أن يكون فقط مغربا للشمس، لدينا ظاهرة التفكير بلغتين والنطق بهما أيضا. بعض المعربين كما يسمون عندنا والمقصود بهم في غالب الأحيان الذين يحسنون فقط اللغة العربية يقولون أن هذه الظاهرة هي نوع من إنفصام الشخصية الثقافي. وفي كل الأحوال أعتقد أن هذا الأمر لايخلو من فائدة بدليل أنني عندما تصورت أن النص الذي كتبه الأستاذ عبد الرزاق قيراط مترجما للغة الفرنسية وجدت أنه فقد 90 بالمائة من قيمته أكثر أو أقل قليلا المهم تبقى فقط الأيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي يأتي بها لمجرد التحسين اللفضي وليس للإستدلال ولاأعتقد أن مايفعله سي عبد الرزاق يعتبر مناسبا في السياقات التي يتناولها.
أنا من المعجبين بباسم يوسف ولكن أحب أن أشاهده لا أن يحكي لي شخص آخر بقلمه مايقوله هو على التلفزيون، وأنا أقرأ لباسم في جريدة مصرية ولكن باسم في الحقيقة موهوب على الشاشة وليس على الورق.
أما هؤلاء الشيوخ الذين يأتون لتونس بل يستجلبون لها إستجلابا بإشارة وتمويل من دوائر مشبوهة فلن يأتوا لتونس بخير سواء قصدوا أم لم يقصدوا. حفظ الله تونس وأهلها الطيبين. ولن أنسى ماحييت أن تونس إحتضنت قيادة ثورة التحرير الجزائرية.