حل الدولة الواحدة

محمد كريشان

عود على بدء!! في الذكرى الخامسة والستين للنكبة عادت بعض الأصوات الفلسطينية والإسرائيلية وحتى الاوروبيــة تتحدث عن استحالة حل الدولتيــــن (إسرائيل القائمة منذ 1948 وفلسطين الموعودة منذ سنوات عديدة) وضرورة العودة إلى العلمانية الديمقراطية على كامل فلسطين التاريخية التي يتعايش فيها الجميع يهودا ومسيحيين ومسلمين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
دعوة أقرب ما تكون الان إلى الحلم أو حتى الهراء وأصوات أصحابها ما زالت محدودة جداً بل بالكاد تـُـسمع. في مدينة شتوتغارت الألمانية انتظمت قبل أيام قليلة تظاهرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني في ذكرى النكبة حضرتها شخصيات فلسطينية من الداخل والخارج مع كتاب وباحثين يهود معادين للصهيونية ونشطاء وسياسيين ألمان مؤيدين للقضية الفلسطينية من بينهم عدد من اليهود. كل الحاضرين استبسلوا في الدفاع عن لكل مواطنيها معتبريها الرؤية المستقبلية الوحيدة لإنهاء كامل للصراع مع إسرائيل وتصحيح الخطأ التاريخي لعام 1948 الذي بلع الأرض وآل إلى أكثر من سبعة ملايين لاجىء فلسطيني محرومين من العودة إلى وطنهم.
حلم بعيد المنال، لا يجادل أصحابه على قلتهم الآن في الاعتراف بذلك، ولكن ذلك لم يمنعهم من الشروع في الترويج له، وإن على استحياء. البعض دعا أيضاً للبدء في تنظيم ندوات تحت هذا العنوان لإعداد تصور واضح لملامح هذه الدولة الواحدة الديمقراطية والعلمانية. البعض الآخر نادى بضرورة تبني خطاب جديد لإدخال الفكرة تدريجيا إلى مختلف الأوساط الاعلامية والسياسية المحلية والدولية المعنية وحتى تشكيل قائمات على هذا الأساس في أي انتخابات إسرائيلية مقبلة. هذا ليس سهلا أبدا… هم يقرون بذلك.
أصوات فلسطينية ركزت على أن هذه الفكرة كانت قائمة لدى الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة منذ البداية وأقرها ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 قبل أن تتبنى القيادة الفلسطينية فكرة قيام سلطة فلسطينية فوق أي شبر يجري تحريره أو الجلاء عنه، وهو ما تبلور عام 1974 في ما عرف ببرنامج ‘النقاط العشر’ الذي أجمعت عليه كل الفصائل الفلسطينية آنذاك. ومنذ الخطاب التاريخي للرئيس الراحل ياسر عرفات في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس العام، تقدم مع الأعوام طلب إقامة دولة فلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة حتى بات محل إجماع دولي شبه كامل.
إيلان بابي المؤرخ الإسرائيلي المعادي للصهيونية والأستاذ بجامعة أكستر البريطانية حدد في ندوة شتوتغارت ثلاثة عوائق يراها قائمة حاليا في وجه أن تأخذ فكرة الدولة الواحدة طريقها إلى التداول الواسع: أولا، تحالف دولي كبير مكون من حكومات وأفراد بات مهووسا بحل الدولتين بغض النظر عن الواقع الفعلي على الأرض، ثانيا، نوع من التعب والملل أصاب العالم سياسيا وإعلاميا من الملف الفلسطيني المفتوح دون أفق واضح، ثالثا، القوى السياسية الفاعلة على الأرض لدى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء والتي لا ترى في إثارة موضوع الدولة الواحدة الآن سوى طريقة لتأبيد الاحتلال الإسرائيلي.
في بداية تسعينات القرن الماضي وفي لقاء شخصي لطيف مع القيادي الفلسطيني الكبير الراحل خالد الحسن (أبو السعيد) أحد مؤسسي حركة ‘فتح’ ومنظريها البارزين في تونس سألني مازحا: أتدري ما الحل الأفضل لقضيتنا؟!!….الحل يا سيدي أن تضم إسرائيل الضفة الغربية وغزة فنتحول إلى مواطنين إسرائيليين نشرع فورا في معركة المساواة في الحقوق والواجبات حتى تتحول إسرائيل إلى دولة لكل مواطنيها!! أما في رام الله وفي لقاء مماثل قبل سنوات مع البروفيسور الجامعي الفلسطيني إبراهيم أبو اللغد الذي عاش عقودا في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى رام الله ويموت فيها، قال لي لا حل لنا سوى الدولة الواحدة التي تضم الجميع على أرض فلسطين.. ولكن ربما علينا المرور بحل الدولتين حتى ندرك أن الأرض أضيق من أن تضم دولتين.
دعاة هذا الطرح الآن يقولون من كان يؤمن قبل أكثر من عشرين عاما أن نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا يمكن أن يسقط ؟!! ،، علينا أن نعتمد نفس الأسلوب لإسقاط المشروع الصهيوني في فلسطين. حظ سعيد!!.

Email this page