المغامرة الروسية في سوريا: هل أصبح أوباما يتعاون مع بوتين؟

إبراهيم درويش

Jan 16, 2016

في نهاية شهر إيلول/سبتمبر بدأت روسيا بشن غارات جوية على سوريا بذريعة مهاجمة الجماعات الإرهابية. وتعتبر الهجمات من أكبر التدخلات العسكرية الروسية في منطقة الشرق الأوسط ومنذ عقود. وكان تدخل الروس معلما جديدا في الحرب الأهلية السورية التي بدأت كتظاهرات سلمية تطالب بالحرية والإصلاح ثم تطورت لنزاع مسلح جلب الفاعلين المحليين والإقليميين حيث تحولت لحرب بالوكالة بين الغريمين الإقليميين: السعودية وإيران. وبدخول الروس الحرب تحولت سوريا إلى ما يمكن وصفها بساحة حرب بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. فماذا حققت روسيا من الحملة حتى الآن وبعد 100 يوم؟
يرى ديفيد إغناطيوس بمقال له بصحيفة «واشنطن بوست»(12/1/2016) أن روسيا أصبحت الحليف الذي لا يمكن لأمريكا الإستغناء عنه. وتحدث عن التعاون بين البلدين والذي يشمل المجالات الدبلوماسية والعسكرية والأمنية. ويرى المسؤولون الأمريكيون أن التعاون مع روسيا هو أحسن ما هو موجود من الخيارات السيئة.
وبهذه المثابة لا تستطيع الإدارة تجنب العيش بدون بوتين في سوريا كما يقول إغناطيوس. وتأمل واشنطن الحصول على دعم بوتين لعملية وقف إطلاق نار، ونقل عن مسؤول قوله «في الوقت ما زلنا نشك بالنوايا الروسية لكننا نؤمن أنهم جزء مهم في الحل السياسي لهذا النزاع». وأشار الكاتب لانتقادات بوتين للنظام السوري في مقابلة مع مجلة «بيلد» الألمانية حيث قال إنه ارتكب اخطاء كثيرة ولم يستبعد منح الأسد اللجوء السياسي إن خسر الانتخابات. وقال مسؤول إن حديث بوتين عن «اللجوء السياسي» تعاملت معه الإدارة بجدية «أعتقد أنه يرسل إشارات حول موقفه».
ويشير إغناطيوس لمستوى آخر يتعلق بحوارات جون برينان، مدير «سي آي إيه» مع الروس حول تنظيم الدولة الإسلامية وإسقاط الأتراك للطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر. وتحدث الكاتب عن الدور الأردني وعلاقته مع روسيا. فقد أقام الملك عبدالله علاقات ثنائية مع بوتين وسيبدأ الأردن قريبا بالتعاون في مجال مكافحة تنظيم الدولة. وناقش الأردنيون مع المسؤولين الأمريكيين إقامة قاعدة عمليات متقدمة داخل الأراضي السورية لمساعدة المقاتلين السوريين. ورغم مظاهر التواصل الأمريكي- الروسي إلا أن التحدي الأكبر هو الأجواء السورية المزدحمة بالطائرات وتجنب الصدام. ويقول الكاتب إن استعداد أوباما للتعاون مع بوتين تعبير عن اليأس أو البراغماتية وربما تداخل الأمرين في سوريا. والمهم في الأمر أن بوتين نجح بإقناع أوباما للتعاون معه في الساحة السورية. ونجحت روسيا على الأقل في الوقت الحالي بتسجيل عدد من النقاط الإستراتيجية منها حرف الإنتباه الدولي عن مشاكلها في أوكرانيا ما جعل من الصعوبة بمكان أمام الغرب مواصلة جهوده بعزل روسيا، أما النقطة الثانية فقد اقتنع الغرب بترحيل المشاكل الخلافية في الأزمة السورية بعد تسوية القضايا المشتركة بين المتصارعين على الساحة السورية وداعميهم الإقليميين والدوليين. وبهذه المثابة أصبحت روسيا لاعبا مهما كما ترى أنجيلا ستينت مديرة مركز الشؤون الأوروبية ـ الأسيوية (يوريزشيا) بجامعة جورج تاون التي كتبت في عدد يناير/فبراير 2016 من الدورية الأمريكية «فورين أفيرز» فالتدخل الروسي وإن فاجأ الأمريكيين كما أخذهم ضم شبه جزيرة القرم في آذار/مارس 2014 على حين غفلة يظهر رغبة الرجل القوي في الكرملين بوتين بلعب دور دولي وإعادة موقع روسيا في الشرق الأوسط. فمن خلال الحفاظ على ما تبقى له من حلفاء- بشار الأسد- يرغب بالتأكيد على الدور الروسي بالمنطقة والعالم بشكل عام. وتتساءل ستينت عن سبب بطء واشنطن للرد على تحركات موسكو وتجيب أن السر يكمن في سرية تحركات بوتين. وتشير هنا إلى خطابه في مؤتمر الأمن الذي عقد في ميونيخ عام 2007 ووجه فيه انتقادا لأمريكا «التي تجاوزت حدودها» وتعهد باستبدال النظام الدولي بنظام يحترم المصالح الروسية. وفي عام 2008 جاءت الحرب في جورجيا والتي كانت تعبيرا عن رغبة روسية باستخدام القوة لمنع الجيران التحول نحو الغرب. وعليه تحتاج الولايات المتحدة لفهم طبيعة الأهداف الروسية في أوكرانيا وسوريا أولا والبحث عن طرق للتعامل مع بوتين الذي أقام نظاما سياسيا شخصانيا يدور حوله. وتعتقد أن أي محاولات لعزل روسيا لن تنجح ومن الأفضل للولايات المتحدة التعاون معها في القضايا التي تخدم مصالح الطرفين مثل الملف النووي الكوري وأوكرانيا وسوريا والقطب الشمالي. وتشير للتعاون بين الطرفين في مرحلة ما بعد الحرب الباردة: فقد ساعدت روسيا واشنطن في حملة أفغانستان عام 2001، وفي قضايا مكافحة الإرهاب وتعاونا في عام 2013 للتخلص من أسلحة الأسد الكيمائية. وتجلى التعاون أخيرا في الإتفاق النووي الإيراني حيث أثنى أوباما على الدور الذي لعبه بوتين في تأمين الإتفاق.
وترى الكاتبة أن التدخل الروسي في سوريا متجذر باهتمات الكرملين حول السلطة والنفوذ في المنطقة. فقد حذر بوتين في تشرين الأول/أكتوبر من «إن انهيار السلطات السورية يعني تعبئة للإرهابيين» فبدلا من إضعاف السلطات هذه دعا لدعمها وإحيائها وحمل الغرب مسؤولية الفوضى في العراق وليبيا وهو ما أدى لصعود تنظيم الدولة. كما جاء التحرك العسكري حتى يكون لموسكو قرار فيمن سيحكم سوريا في المستقبل. ولهذا يجب النظر للمغامرة السورية على أنها جزء من محاولة تعزيز التأثير الروسي في المنطقة. ولاحظت الكاتبة كيف زار قادة إسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن والكويت موسكو وكيف وقعوا اتفاقيات لشراء أسلحة من روسيا. وبعيدا عن الظروف المحلية التي دفعت موسكو للتحرك نحو سوريا خاصة تلك المتعلقة بالعقوبات إلا أن بوتين قدم مغامرته على أنها محاولة لمكافحة الإرهاب ومن أجل وقف موجات اللاجئين السوريين نحو أوروبا. وفي الحقيقة زادت الغارات الروسية من معدل الهجرات بمعدل 26٪ بحلول تشرين الثاني/نوفمبر. كما أن دعم روسيا للحكومة العلوية قد يترك آثارا على مواقف المسلمين في روسيا ويدفع المزيد منهم للإنضمام لتنظيم الدولة الإسلامية. وعلى العموم فما كان بوتين يهدف من تحقيقه من المغامرة في سوريا هو إجبار أمريكا على الإعتراف بأهمية روسيا في الشرق الأوسط ولكننا لا نعرف إن كان هذا الإعتراف نهاية في حد ذاته أم محاولة لبناء عالم متعدد الأقطاب تتشارك فيه الصين وروسيا مع الولايات المتحدة باتخاذ القرارات المهمة. وترى الباحثة أن بوتين في رغبته للحصول على اعتراف ربما لم يفكر بشكل دقيق حول نهاية لعبته العسكرية؟ وهو تحد يواجه أوباما في آخر أيام ولايته خاصة أنه أمام تحد للتعاون مع بوتين لمواجهة تنظيم الدولة. وبدون قوات برية على الأرض فلن يكون لدى واشنطن الكثير مما تفعله.
وفي الوقت الذي ستواصل فيه واشنطن العمل مع موسكو للتوصل لتسوية سياسية إلا أن التحدي الأكبر أمام الطرفين هو ترتيبات ما بعد الأسد. وتستبعد الكاتبة هنا أي تعاون عسكري مباشر بين واشنطن وموسكو في سوريا غير محاولة منع اصطدام الطائرات في الجو. وحتى لو وجدت الولايات المتحدة طرقا للتعاون مع روسيا في سوريا فلا يوجد ما يضمن قيام بوتين بتأكيد حضوره العسكري في مكان آخر. فقد لمح العراق أنه سيطلب من موسكو التعاون لهزيمة تنظيم الدولة. وقال بوتين إن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي حالة تدهور الأوضاع في أفغانستان. لكل هذا فساكن البيت الأبيض الجديد يحتاج لتحديد مصالح أمريكا في سوريا وأوكرانيا وتحديد متى سيتعاون مع بوتين ومتى يواجه دوره التخريبي. وعليه أن يأخذ بعين الإعتبار محدودية ما يمكن لأمريكا عمله في ظل تراجع تأثيرها بمناطق مثل الشرق الأوسط. لكن أمريكا يمكنها عمل شيء لإخراج بوتين من ورطته السورية كما ناقش دومينك تيريني في مجلة «ذا أتلانتك مونثلي» (8/1/2016) وهي اقناعه أن تحقيق النصر غير ممكن وتقديم قصة له يحكيها للروس عن النتائج الإيجابية للمغامرة. ويجب على الولايات المتحدة أن تتجنب موقف المتفاخر حول تعرض روسيا لهزيمة فادحة.
ففي عام 1989 وبعد انهيار جدار برلين، رفض الرئيس الأمريكي جورج هيربرت بوش الإعلان عن التطور باعتباره نصرا لتجنب تعقيد وضع ميخائيل غورباتشوف، الزعيم السوفييتي «ما يحتاجه بوتين هو خطاب نصر ويجب على أمريكا مساعدته على كتابته».

إبراهيم درويش

- -

1 COMMENT

  1. امريكا تضحك على روسيا و هي تراقب تورطها في سوريا
    لنفرض ان روسيا نجحت غدا في القضاء على كل التنظيمات المعرضة للاسد سواء الارهابية او غير الارهابية و اعادت الاسد الى السلطة في كل سوريا. و لنفرض ايضا ان كل قيادات المعارضة تم قتلهم او اعتقالهم. فما الذي يضمن عدم عودة الشعب الى الثورة للمطالبة بالحقوق الاساسية بالحرية و الكرامة و حكم الشعب مثل باقي الخلق في كل العالم.
    الحل في الحرية و الديموقراطية وفاقد الشيء لا يعطيه
    في مؤشر حرية العالم لعام 2015 هناك 89 دولة حرة في العالم منها دولة عربية واحدة هي تونس و 55 دولة شبه حرة منها 3 دول عربية هي الكويت و لبنان و المغرب. و 51 دولة غير حرة منها روسيا وجميع الدول العربية الباقية و معظم الدول الاسلامية.
    امريكا تعرف ان تدخل روسيا هو تدخل احمق و لن يؤدي الى استنزافها على المدى البعيد و بدون نتيجة
    ولا يصح الا الصحيح

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left