الحرب على الإرهاب ومعادلة أوباما

د. فوزي الأسمر

May 30, 2013
أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلغاء ما يعرف بـ’معادلة الحرب على الإرهاب في كل مكان’، التي وضعها الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، في الخطاب الذي ألقاه يوم الخميس الماضي (23/5/2013) في جامعة الدفاع الوطني واشنطن دي.سي.
وكان الرئيس جورج بوش قد أعلن بعد عدة أيام من حوادث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 أن ‘حربنا ضدّ الإرهاب تبدأ مع منظمة القاعدة، ولكنها لا تنتهي قبل القضاء على جميع المنظمات الإرهابية الدولية’. واستغلت إسرائيل هذه الفرصة لتعلن أنها في خندق واحد مع الولايات المتحدة في حربها ضدّ الارهاب. وأدى ذلك إلى تطوير العلاقات المخابراتية والاستراتيجية بين الدولتين، وادخلت المنظمات الفلسطينية في عداد المنظمات الإرهابية، وبالتالي قبلت إدارة جورج بوش هذا الموقف. أما بعد خطاب أوباما فقد تغير الموقف وبدأت إسرائيل تشعر بعزلتها في هذا المجال أيضا. (هآرتس 26/5/2013).
وقال الرئيس أوباما في خطابه ان استعمال الطائرات بدون طيار لقصف مواقع للتجمعات الإرهابية، وهو موضوع مختلف عليه داخل صناع القرار في العاصمة الأمريكية، خصوصا في الكونغرس، هو استعمال له تأثير وشرعية وفيه إنقاذ لحياة الكثيرين، ولكنه أضاف أنه يجب استعمال هذه الطائرات ‘ضدّ أهداف تشكل تهديدا مستمرا للولايات المتحدة، مع التأكيد على أنها تتجنب وقوع ضحايا مدنيين’.
جاء هذا القرار بعد عدة سنوات من رئاسة أوباما، فمنذ عام 2009 عندما تسلم أوباما زمام الحكم قامت الولايات المتحدة بتوجيه 360 ضربة جـــوية من طائرات بدون طيار في باكستان واليمن ‘واشنطن بوست’ 26/5/2013. ومن بين هذه الضربات هناك 293 ضربة وجهتها ‘سي. آي. إيه’ (وكالة المخابرات المركزية). وفي خطابه ترك أوباما الباب مفتوحا أمام هذه الوكالة لاستعمال هذا النوع من الطائرات، بحجة أنها تتحكم في عملياتها أكثر من تحكم الجيش بها وترصد مواقع العدو بدقة أكثر.
فقد برهنت هذه الطائرات، خصوصا عندما استعملت في أفغانستان وباكستان واليمن، على أنها غير دقيقة في إصابة الأهداف، وبالتالي سقط ضحيتها المئات من المدنيين. وقد كان أبرزها ضرب مجموعة من السكان في باكستان كانوا يشاركون في حفل زواج. وقال الرئيس ان الحرب ضدّ الإرهاب مثل الحروب الأخرى تبدأ وتنتهي. واقترح أن تكون العمليات فردية ضدّ من يتعمدون توجيه ضربات للقوات والمصالح الأمريكية. كما أعلن أنه حان الوقت لإغلاق معتقل غوانتانامو الأمريكي الموجود على الأراضي الكوبية، وتقديم من تبقى به من المعتقلين للمحاكمة.
ورغم أن هذا الخطاب هو خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أنه يحمل الكثير من المبهمات وبعض التناقضات، فالرئيس أوباما لم يُعّرف ما معنى الارهاب، وهل اختلف عن تفسير جورج بوش، الذي يقول ان أية عملية ضدّ مدنيين هي عملية ارهابية، وهل هذا ينطبق على العمليات التي تقوم بها إسرائيل ضدّ المدنيين؟ وهل الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضدّ المقاومة التي يمارسها الشعب الأفغاني ضدّ التدخل الأجنبي في بلاده هي حرب ضدّ الإرهاب، أم أنها مقاومة مشروعة حسب القوانين الدولية؟ وهل مقاومة الاحتلال الإسرائيلي هو عمل ارهابي، أو أنها مقاومة شرعية لتحرير أراض اغتصبت بالقوة وسرقت لتبني عليها إسرائيل مستعمرات يهودية لمنع إعادتها إلى أصحابها الشرعيين؟
فهل قائمة المنظمات الارهابية، التي تتضمن أيضا أسماء شخصيات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية، والتي تعدها سنويا وزارة الخارجية الأمريكية ستلغى، أو على الأقل ستتضمن أسماء الذين يعملون ضدّ قوات وأهداف ومصالح أمريكية فقط؟ هل معنى ذلك أن الولايات المتحدة قد تفتح خط حوار مع منظمات كانت تعتبرها ارهابية ولها ثقل داخل مجتمعها وعضو في المجالس المنتخبة (حزب الله وحماس وغيرهما)؟ وهل ستتعامل مع دول تعتبرها مؤيدة للإرهاب (إيران وسورية وكوريا الشمالية وإلى حد ما كوبا وغيرها) بأنها دول طبيعية لها حق التعبير عن مواقفها؟ هناك الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة صريحة وواضحة. ولكن، على ما يبدو، هناك أسباب كثيرة أدت إلى أن يلقي أوباما خطابه هذا، فقد كلفت المعادلة التي وضعها جورج بوش الولايات المتحدة آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين. كما أدت إلى انهيار في الاقتصاد الأمريكي وهي تصارع اليوم للخروج من هذا المأزق. كما أدت إلى فشل أمريكي في إحراز أي انتصار عسكري، وهزمت على جميع الجبهات التي فتحتها تحت شعار محاربة الإرهاب، ووجدت أن هذا الشعار أدى إلى ملاحقة الأمريكيين وضرب مصالحهم في أماكن عديدة في العالم. وقد أقنعت هذه المعادلة الرأي العام الأمريكي بأنها حرب بلا معنى بداية ونهاية، وأدت إلى فقدان مصداقية واشنطن. فالمصداقية تكتسب ولا تمنح مجانا، تكتسب عن طريق التعامل الإيجابي مع الشعوب، لا مع الحكومات والأنظمة التي تعادي شعوبها وتعمل ضدّ مصالحها وتقوم بخدمة أسيادها.
ووجدت الولايات المتحدة أن التستر وراء قناع محاربة الإرهاب لتحقيق أهداف سياسية تتماشى مع مخططات أمريكا، وتهدف إلى تغيير الهوية القومية والعمل على هدم أسس الدولة التقليدية، وتنصيب مجموعات تسير في ركابها، على غرار ما حدث في تونس ومصر وليبيا والعراق ومحاولات مستميتة الآن في سورية، وجدت أنها فاشلة تزيد من خسارة مصداقيتها، وأنها تتعامل مع حكومات لا تتمتع بشعبية فيها. هل حقيقة وصلت الولايات المتحدة إلى هذه الرؤية؟ لا أعتقد ذلك، كون أنها تتناقض مع طبيعة المجتمع الرأسمالي المسيطر في الولايات المتحدة، فأصحاب الشركات الكبيرة هم الذين يقودون السياسة الاقتصادية للدولة بشكل يتماشى مع مصالحهم، وتأثيرهم على أعضاء الكونغرس الأمريكي عن طريق ما يسمى ‘القوة الضاغطة’ (اللوبي) واضح. كما أن خطاب أوباما جاء نتيجة تغييرات كثيرة حصلت على أرض الواقع، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، حيث لم تنجح إسرائيل في مساعيها بدفع إدارة الرئيس أوباما الى الدخول بحرب ضدّ إيران، واكتفت بوضع ضغوط وعقوبات على طهران. كما رفضت موقف إسرائيل من التدخل عسكريا في التحركات القائمة في المنطقة، بما في ذلك الحرب الدائرة في سورية واكتفت بتزويد المعارضة السورية بأسلحة تقليدية.
وكما سبق وقلنا، فإن ما جاء في خطاب الرئيس أوباما هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن الامتحان الأساسي هو ما سيحصل على أرض الواقع خلال ما تبقى للرئيس من وجوده في الحكم.

‘ كاتب فلسطيني

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left