سوريا وصوت الحرية

حجم الخط
17

لا أدري كيف نقرأ الإشارات الآتية من سوريا؟
نقرأ أي نصمت ونصغي ونتوقف عن إلقاء الدروس.
تعالوا نرى كيف يستعيد الشارع صوته ببطء من خلف حجاب الموت كي نفهم أن المسألة أكثر تعقيداً من افتراضات النظام أو داعش أو القوى الاقليمية والدولية، بأن الألم والأسى والدمار، حولت فكرة الحرية إلى ركام، وأخرجت الشعب السوري من المعادلة.
كان يكفي أن يكون هناك وقف جزئي لاطلاق النار، كي يعود الصوت السوري إلى الشوارع، معلناً حقيقة بسيطة وواضحة، بأن الشعب السوري لن يذلّ.
شيء يشبه الأعجوبة، ففي لحظة فاجأت الجميع، عاد صوت ابراهيم القاشوش ليرتفع فوق ركام المدن والبلدات، ومعه عاد صوت النضال من أجل الحرية كي يعلو على القمع والغدر والخيانة.
لا أريد تضخيم الأشياء، فبعد التهجير والتدمير، صارت العودة إلى براءة البدايات شبه مستحيلة. فالانتفاضة الشعبية السورية ووجهت بما لا قدرة لها على مواجهته وحيدة، اذ ترافق بطش النظام ووحشيته مع لا مبالاة دولية و»دعم» اقليمي، حوّل سوريا إلى ملعب للصراع، وحاول وأد ثورة شعبها وتحطيم الحلم الديموقراطي بنماذج استبدادية بديلة.
المظاهرات التي جرت، على صغر حجمها، تحمل دلالة بسيطة وواضحة، هي أن ما جرى في المشرق العربي منذ بدايات «الربيع العربي»، لا يمكن طيه أو القفز من فوقه. هناك انجاز صغير يتمثل في أن الناس تمردت وعرفت معنى أن تعبر وتستمع إلى صوتها. لذا لا قدرة لأحد على اعادتها إلى بيت الطاعة.
الثورة المضادة اتخذت اشكالاً عدة، من الانقلاب المصري، إلى التدمير السوري، إلى جنون البتروقراطيا الدموي والأصولي، إلى المشروع التوسعي الايراني والهوس العثماني واللؤم الاسرائيلي الأمريكي.
هكذا يعيش الشعب السوري ليله الطويل، سفّاحو سلطة البعث ومعتوهو «فقه الدم»، تناوبوا على اخضاع سوريا للاذلال، وشردوا الناس ودمروا المدن والقرى. ليل لا تضيئه سوى البراميل المتفجرة وطائرات الموت، وسفن اللاجئين الهاربة إلى بطن الحوت.
قد يكون الربيع العربي شتاءً دموياً مثلما كتب البعض، لكن دمويته كانت ضد الناس ومن أجل قهرهم وتحطيم ارادة الحياة فيهم.
تُرك السوريون لمصيرهم بين أيدي الوحوش التي تناتشت بلادهم، كل وحش اعتقد في نفسه القدرة على الاستئثار بالضحية، فدخل وحوش هذا الزمن العربي المُنقلِب في رقصة موت جماعية، سوف تطيح بهم في نهاية الأمر.
كان يكفي أن يسكت الرصاص والقذائف كي يرتفع الصوت من جديد: الشعب يريد اسقاط النظام، وكي تعود شعارات كفرنبل لتحتل مكانها في خريطة مقاومة الألم بالصبر والصمود والسخرية.
جاء الروس بطائراتهم كي يدعموا نظاماً يترنح، معتقدين هم ايضاً، بصفتهم آخر موجات الغزاة التي ضربت بلاد الشام، أنهم قادرون على تدجين شعب أرهقه الموت، لكن في لحظة وقف النار الجزئية، اكتشفوا أن لا شيء يستطيع حماية نظام لم يعد موجوداً الا كظل لنفسه الغاربة.
لا ادري ماذا سيستنتج سفاحو النظام وقتلة تنظيمات «فقه الدم» من هذه النصف هدنة؟ من المؤكد انهم اصيبوا بالذهول، لأنهم توقعوا شعباً من الأشباح وكتلاً بشرية هائمة تستجدي المعونات.
هل سيستنتجون أن الحرب وحدها هي وسيلتهم إلى البقاء؟
وهل كانت عقود استبداد حافظ الأسد سوى حروب لم تتوقف ضد الشعب السوري بمختلف فئاته؟
نظام كانت نقطة قوته الوحيدة أنه جلب «الاستقرار» إلى سوريا، فاذا بهذا الاستقرار المزعوم مجرد ستار يحجب حرباً دموية طاحنة دارت في الشوارع والبيوت والسجون، حطمت العظام مثلما حاولت تحطيم الارادات.
الانتفاضة الشعبية السورية كانت في أحد وجوهها محاولة لايقاف حرب الاستباحة ضد الشعب، وتحكّم المافيا وطبقة النهب بكل شيء، فلم يكن الجواب سوى اشعال حرب شاملة ضد الناس، ما لبثت أن توسعت محولة سوريا إلى أرض للخراب.
المظاهرات التي أعادت اليـــــنا شيئاً من الأمل ليست نهاية المطاف للأسف. فلو كان للمطاف نهاية لامتـــــنع الجيش السوري عن قتل الشـــــعب، مثلما يفعل أي جيش في العالم، الا اذا جرى تغليب منطق الميليشيا على منطق الدولة.
هذا المطاف مسار رهيب لا نعلم متى وكيف سيستقر على حال، والأثمان التي يدفعها الناس لا تحتمل، والأفق لا يزال مقفلاً.
لكن ما قالته لنا سوريا في الأيام القليلة الماضية هو أن الناس لن تذل حتى ولو حاصرها الذل من كل جانب، وأن على المهتمين بالشأن العام التوقف عن اهدار الكلمات واعطاء الدروس. وقفة مع متظاهر وعمل في مخيم للاجئين ومساعدة للنازحين وتماه مع دمعة طفل سوري، هي أشرف من كل كلام يدّعي معرفة وهو لا يعرف شيئاً.
قالت سوريا من خلف حجاب الأسى أن حريتها لن تموت، وأنا أصدقها.

الياس خوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول غادة الشاويش المنفى:

    الثورة السورية هي الجراة في عيني طل الملوحي هي البراءة الموؤودة في جثمان حمزة المنتهك بعد استشهاده في فروع الامن السياسي سجون النازية الجديدة الثورة السورية هي العملية الاستشهادية الاكبر في ضمير الانسانية والتاريخ منذ الحرب العالمية الثانية التي قام بها شعب هتف وهو يعرف الثمن في وجه طاغية الشام عببد روسيا وطهران ورمز الملكية البائدة التي تتبرج باسم الجمهورية وهي ملكية العربية وهي فارسية السورية وهي متعددة الجنسيات بعدد الميليشيات التي اتت تقاتل كل لغاية في نفس يعقوب ( الا المتقين المدافعين عن الكرامة والطهر في وجه النفاق والقمع والعهر ) الثورة السورية هي عزف القاشوش على وتر قلوب الاحرار باوتاره الصوتيه يصرخ في وجه الطاغية لنم تسلبنا حلمنا الثورة السورية هي وجه كل يتيم في حيي حفظت لغة الثار في عينيه من اذلال اللاجئين في شوارع لبنان و كل العالم الثورة السورية هي ملائكة الله تستنفر دفاعا عن عرض حرة يباع ويشترى ويمتهن في سجون الاجرام الثورة السورية هي دم كل متظاهر رشق على جدران حلب ودمشق والغوطة يكتب يا سوريا حبك ليس كلام يكتب و حبر يهرق حبك ان لم يكن دما يقدم في سبيلك يا مريم عصرنا سيكون زائفا الثورة السورية هي عروبتنا المقموعة من الخليج الى المحيط الثورة السورية هي جثث الشباب الغضة تدوسها دبابات النظام لانها ترفض ان لال اله الا ( بشار الاسد ) وتصرخ في فرعون العصر بل في عنقكك حبل من مسد وشعبنا حمال الحطب سيحولك غضبه المقدس رمادا الثورة السورية هي دمعة جارتي في غربتها الجديدة في بلاد الاعاجم عندما ترى دفئا وبيتا وراتبا لكن اين زقاق الشام العتيقة ورائحة التوت الشامي والياسمين اين براءة الشوارع والاوتوكارات الشامم يا جرحنا النازف لن ننزف للاغاثة فلا اؤمن بها انا اصولية يا الياس سامحني انا تلميذة لك ايها العلماني النبيل والمبشر بالحق كانك ابو ذر في زمن ذر الرماد في العيون والنفاق البشع

  2. يقول مازن كم الماز:

    غادة مضطر قللك إنه كلامك خطابي و جميل و معبر و حقيقي و يشبه كلام البعثيين يوم كان أجدادنا يصدقونهم

  3. يقول غادة الشاويش المنفى:

    الحمد لله رب العالمين انني لست بعثية! ولن اكون ولا اتشرف ان اكون !!فانا امنت بالله وبالمستضعفين كلامي اذا كان جماله يجرح بعض انصار النظام فانا احتفل بجرح المدافعين عن الظالمين اما الكلام يا اخ مازن كم الماز فنحن نتحدث من قلوبنا وتنطق عنا بفضل الله جراحنا ولهذا هو حقيقي اما تشبيهه بكلام منافقي البعث الخشبي فارجو ان لا تخلطنا معهم ! فالحمد لله لغتنا الرصاص وشهادتنا استهداف العدولنا وشرفنا ان يغيظ كلامنا من يدعون معارضة النظام السوري جهرا وهم يكنون له ولحلفائه القتلة الحب والولاء سرا !! فتشبيه كلامي عن المستضعفين السوريين بكلام البعثيين ! امر يدلني على شيء واحد هو ان لم تستطع تحجيم صوت الحق فحاول اغتياله
    وزارة المستضعفين عاصفة الثار ام ذر الغفارية جريحة فلسطينية منشقة عن منظمة الارهاب التكفيري حزب الاسد الله سابقا تتشرف ان تكون خطيبة المستضعفين وفدتهم بدمها وستكمل بعون الله والتوكل عليه اللهم انا لا نمن عليك بدمنا في سبيلك بل انت تمن علينا بان اخترت دمنا فيك ولك وجرحنا فيك ولك اللهم اني اعوذ بك من البعث الرجيم ومن اعوانه وانصاره وشبيحته من ظهر منهم ومن بطن اللهم اجعل قولنا عليهم ثقيلا كالجبال وباسنا على قلوبهم شديدا واجعل كلامنا رصاص بعد رصاص ولا تجعلنا في الكاذبين ولا المنافقين ولا البعثيين !!

  4. يقول حي يقظان:

    سلمت يداك يا أخ إلياس،

    نحن كلنا لا ندري كيف نقرأ الإشاراتِ الآتيةَ من سوريا.

    ولكن، إذا كان طائرُ الفينيق قد اتخذ ذلك الشكلَ القبيحَ والمشوَّهَ في ظلِّ تراث الحداثة الاستبدادي والدموي الذي مثَّله أزلامُ «حزب البعث» على أرض الشام، والذي لا يختلف في الجوهر عن تراث القدامة الاستبدادي والدموي المتمثِّل في أزلامِ «تنطيم داعش» بأيٍّ من أشكاله «الجهادية»، فإن هذا الطائرَ قد بدأ ينبعثُ من رماده من جديدٍ حقًّا، وعلى الرغم من كل أولئك الأزلام المناكيد، قد بدأ يتخذ سيماءَهُ الجميل في وجوه هؤلاء المتظاهرين العظماء، وهم يعلنون كالأبطال الملحميين بعد أن أنهكتهم الحروبُ من كلِّ الجهات، يعلنون بكل ما تبقى لهم من صوتٍ وصوتٍ، بأن إرادة الشعوب في الحرية لن تموت مهما بلغ كمُّ التضحيات وكيفُها، شاء أزلامُ النظام الأسديِّ المافْيَويِّ المجرمونَ وأسيادُهم أم أبوا.

    تحية إلى كل المعلقات والمعلقين الكرام.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية