لماذا «ضَرَبَ زيْدٌ عَمْرَاً» قرونا؟

توفيق قريرة

Mar 09, 2016

منذُ عصر سيبويه إمام النحاة العرب وربّما قبله ودرسُ اللغة يحتفي بمثالٍ مُكَرّر هو (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا). مَنْ مِنّا لمْ يكتب في دفتره وفي درس النحو مثلا (ضربَ زَيْدٌ عَمْرًا) باعتباره مثالا عَنْ تعدّي الفعل أو رفع الفاعل أو نصب المَفعول أو عن غيرها من القواعد والأفكار النحويّة ؟ بل ربّما تطوّر النظر إلى المسائل ذاتها في الجامعة، ويظلّ المثال نفسه. فلماذا يصمد المثال عبر العصور في الدرس النحويّ والبلاغيّ وحتّى اللساني الحديث؟ وهل صحيح أنّ ثبات هذا المثال دليلٌ عَلى أنّ حضارتنا العربيّة حضارة تحتفي بالعنف فتبني منه الأمثال؟ لمَ لمْ نقل: (أحبَّ زيْدٌ هندًا) وهو مثال يستجيب للمقاييس نفسها ويعلّم الحُبَّ بدلَ الضَّرْبِ؟ وهل إنّ هذا المثال لا يصلح بيداغوجيا وتربويّا في مؤسسات التعليم لأنّه يحرّض على العنف وقد يكون من مُلهمات ثقافة الاستبداد ومن مُغَذّيات عقليّة الإرهاب؟
قبل أن نجيب على السؤال في العنوان وعلى ما يرتبط به من قضايا نحوية ولسانية وثقافية نشير، كي نغلق باب التأويل المذموم، إلى أنّ المطّلعين على كتب النّحو الفرنسي أو النحو الإنكليزي يجدون تقريبا المثال نفسه ولكن بتغيير الأسماء فبدلا من زيد سيجدون (جان ) وبدلا من عمرو سيجدون (بول) أي في ما تعريبه (جان ضرب بول)، وإلى اليوم يستعمل اللسانيوّن المثال نفسه الذي لا يختلف في جوهره عن مثالنا العربي؛ وهذا يعني أنّ ثقافتنا العالمة بريئة من أن تشرّع للعنف بهذا المثال. يسمّي علماء اللسان (ضرب زيد عمرا) بالمثال اللغوي الصناعي ويعنون به أنّ النحويّ أو البلاغي أو اللساني أو المدرّس يصطنعه ليمثّل به ظاهرة لغوية معيّنة. والمثال الصناعي هو مقابل ضديد للمثال الحقيقيّ المستمدّ من الرّاقي أو اليوميّ (في اللسانيّات) والمسمّى شَاهدا؛ والمثال الصناعي أكثر تداولا وأبسط تناولا من جهة التمثيل وهو أوضح لاحتوائه العناصر الأساسية المُرَادَة. واصطناع الأمثلة يجعل اللساني أو المدرّس حُرّا في اختيارها، فلماذا إذن ثبّتَ الناس هذا المثال وظل (زيد يضرب عمرا) قرونا؟
حين يبنى الدرس اللغوي مهما كان نوعه ينبغي أن يُراعى في بنائه أقرب الأمثلة تعبيرا عن الظاهرة وفي (ضرب) كثير من الشُّروط التي تجعله الفعل الأحسن تمثيلا من بين الأفعال في اللغة. ويسمّي عُلمَاء النفس العِرْفانيّون أحسن الأمثلة التي تعبّر عن مَقُولتِها (أي الصنف العامّ الذي تنتمي إليه) بالطّرَاز. فالفعل (ضرب) والأفعال المرادفة له في اللغات الطبيعية الأخرى هي طِرَازَاتٌ للأفعال عموما لثلاثة أسباب على الأقلّ: فهي أوّلا فعل محسوس والمحسوس مُدْرَكٌ عندنا قبل المُجرّد؛ وهي ثانيا فعل قابل أن يربط علاقة بين كَيَانَيْن والعلاقة طرازها أن تكون بين اثنين؛ وهي ثالثا أفعال تحدث من غير واسطة خارجية. هذه العناصر الإدراكية تحتفي بها اليوم مقاربة ذهنيَّة في دراسة اللغة تُعْرفُ بالاتجاه العرفانيّ يعتقد أصحابُها أنّ اللغة نشاط ذهنيّ تعالجها أذهاننا مثلما تعالج أيّ نشاط يومي آخر كالأكل والمشي وغيرهما؛ وما يميّز هذه الرؤية في الدراسة اللغوية أنها تربط بين الأبنية اللغوية التي من نوع (ضرب زيد عمرا) وإدراكِنَا لها.
يضيق المجال هنا عن تفصيل الأسباب الثلاثة أعلاه لذلك سنركّز على المحسوسيّة في علاقتها بإدراكنا للمثال قيد الدّرس.
الطرازيّة في كون الفعل محسوسا والمحسوس مدركا قبل المجرّد أمرٌ مؤكّد بالتجربة لأنّ أقرب الأفعال من إدراكنا هي تلك التي نتلقاها بملتقِطَات الحَواسّ لدينا؛ فمن اليسير أن نُعَايِنَ بالبصر مَشْهدا فيه يضرب شخص شخصا آخر وأن نحدّد في ذلك المشهد مَنِ المُؤثِّر بذلك الفعل ومن المُتأثّر. حين ننقل المشهد باللغة سنبنيه بطريقتنا ويُسمّى نقل المشهد بناء الوضعيّة. في (ضَرَبَ زيْدٌ عَمْراً) بناء للوضعيّة بطريقة موضوعيّة فلا نتدخّل فيها بمشاعرنا لنقول (عَنَّفَ زيْدٌ عَمْرًا) أو نخصّصها فنقول (صفَعَ زيْدٌ عَمْرًا) ففي هاتين الحالتين ننقل الفعل لا بالحياد ولا بالتعميم المطلوبين من المثال في سياق تعليمي. في ضرب (زيد عمرا) حياد في الكلام وتعميم والحياد والتعميم طرازيّان في نقل الوضعيّات وبنائها. لكن لمَ لمْ يكن المثال (ضرب رَجُلٌ رَجُلاً) وعندئذ يكون من ينقل الحدث متجرّدا من معرفته بالطرفين إدراكيا؟
يمكن أن يمثّل ذلك درجة محايدة جدا في نقل الكلام إذ يوفّر التنكير الجهْلَ بهويّة الضارب والمضروب. لكنّ هذا الضرب من النقل المفرط في الحياد غير مطلوب لأنّ البناء الإدراكي المثالي لوضعيّة يتطلب استيفاء أدنى شروطها الضرورية والكافية وهي تعيينٌ أدنى لهُويّة الكَيانات المُدْرَكة، فـ(زيد) و(عمرو) اللذان لا نعرفهما نحنُ يعرفهما مَنْ بَنَى المشهدَ بدليل أنّه سَمّاهما ومادام هو يعرفهما فنحن بالضرورة نعرفهما حتى على وجه الافتراض أو الانتظار؛ وليس الأمر هُوَ هُوَ في (رجل) النّكرة المكرّرة فلا المتكلم يعرفهما ولا نحن أيْ مَنْ يستمع إليه نعرفهما ؛ كلانا سيبني الوضعية أو المشهد المُدْرَكَ على ركنين مَجهُوليْن أو غامضين.
في درس اللغة نحوا أكان الدرس أم بلاغة يتعامل المتعلّمون بالأمثلة الصناعيّة تعاملا إدراكيا لا يُلغي دلالتها التصوريّة المباشرة إلغاء كاملا كما نعتقد؛ هم يُعيدون شحنها بدلالة جديدة تكون خُطَاطيَّة فتفقد الدلالة القديمة بعض آثارها الخصوصيّة ليكون (ضرب) دالاّ على إيقاع فعل حسّيّ من نوع ما بواسطة مؤثّر (زيد) على متأثّر (عمرو). هذه الدلالة يمكن أن تكون مفيدة في درس الفعل المتعدّي في النحو أو درس المعنى الحقيقي والمجازي في البلاغة أو في درس يُعرف في النحو التوليديّ باسم الرأس المُعْجَمِيّ وفي درس يعرف في اللسانيات العرفانية بالمَحْمُول العَلاقي.. وفي هذه الدروس جميعا يصبح لـ(زيد) ولـ(عمرو) دلالات مجرّدة أو ذهنية صالحة لأن تؤدّي وظائفها فيها؛ وسيكون الذهن مستأنسا بدلالتها تلك منشغلا عن التفاصيل الدلالية القديمة التي في ضرب وفي زيد وفي عمرو.
لم يحدث أن سألني تلميذ أو طالب في درس النحو أو اللسانيات عمّن يكون زيد ولا عمّن يكون عمْرا ولم يسألني أيّ منهما عن نوعية الضرب الذي ألحقه الأوّل بالثاني ولن يفعل ذلك عَاقلٌ لأنّ ذهنه عندئذ سيكون منشغلا بمسائل لغويّة أكثر تجريدا، مسائل يراها من خلال المثال ولا يرى المثال نفسه في دلالته العاديّة. إنّ الكلام المصطنع يظلّ ككلّ شيء مُصْطَنَعٍ: خادما أمينا ومُسخَّرا طيّعا للوظيفة التي انتدبناه لأجلها. وفي سياق الحال فإنّ (ضربَ زيْدٌ عَمْرًا) لم يفقد وظيفته لذلك لم يفقد بريقه. لذلك حين سيكون طالبي مُدَرّسا قد يستخدم المثال ذاته في السياق نفسه وربّما في أفكار أخرى؛ وقد يتساءل باحثٌ آخر بعد قرْن السؤال الذي سألتُ ولكنّه سيجيب بأشكال أخرى قد تكون غابت عنّي الآن وهنا ؛ لكنّ المثال سيبقى أو سيتغيّر فذلك ليس لبّ المسألة؛ جوهر المسألة هو: ما هو طِرَازُ الأفعال في تصوّر الناس لاحقا؟

أستاذ اللسانيّات ـ الجامعة التونسيّة

توفيق قريرة

- -

6 تعليقات

  1. هناك موقف شهير لداود باشا رأي فيه البعض لطشة من لطشات الجنون‏.‏ فقد كان من بين أحلام هذا الحاكم أن يقوم علماء عصره بتطوير اللغة العربية وتبسيط قواعد النحو فيها حتي تكون لغة سهلة وقابلة للاستخدام في سائر العلوم‏,‏ وحتي لا تقف قواعدها الصعبة حاجزا قويا بين الناس وبين تعلمها بسرعة ودون أي تعقيد‏.‏ وهنا وقعت القصة الطريفة التي دفعت البعض إلي اعتبارها تصرفا مجنونا من داود باشا‏,‏ وهذه هي خلاصة القصة كما وردت في دراسة الباحث العراقي رزوق عيسي فقد أراد داود باشا أن يتقن العربية ويتفنن في أساليبها‏,‏ ويقف علي أسرارها ونوادرها‏,‏ فأحضر أحد اللغويين الكبار في عصره وأخذ يتعلم علي يديه‏,‏ وفي أحد الأيام بينما كان اللغوي الكبير يقرأ علي داود باشا فصلا من فصول النحو ويفسر له قواعده بأمثلة قديمة شعر داود باشا بالملل من تلك الأمثلة ومن أشهرها ضرب زيد عمرا‏,‏ وخطر للوالي أن يسأل شيخة علي سبيل المداعبة عن الجناية التي جناها عمرو ليستحق أن يضربه زيد كل يوم‏,‏ وهل كان عمرو جبانا وذليل النفس إلي هذه الدرجة حتي أنه يتقبل الاهانة التي تلحق به في كل لحظة وهو ساكت لا يدافع عن نفسه؟

    كان ذلك هو سؤال داود باشا للعالم اللغوي الكبير‏,‏ وقد ضحك العالم اللغوي من السؤال وقال للوالي‏:‏ ليس هناك يامولاي ضارب ولا مضروب بل اعتاد علماء النحو منذ قديم الزمان أن يأتوا بأمثلة لتقريب القواعد النحوية والصرفية من أذهان طلاب اللغة العربية‏,‏ ولكن داود باشا لم يعجبه هذا الجواب‏,‏ وقال للعالم اللغوي‏:‏ لابد أن هناك جوابا علي سؤال أفضل مما تقول‏.‏ فسكت العالم النحوي ولم يجد ما يقوله أمام هذه المسألة التافهة‏,‏ ولكن الوالي اعتبر سكوت العالم النحوي إهانة له‏.‏

    وما تلا ذلك كان طريفا جدا‏.‏ فقد أمر الوالي بسجن عالم النحو ليلقي جزاء جهله وغباوته‏.‏ ثم طلب الوالي أن يحضروا علماء النحو إليه واحدا بعد الآخر وألقي عليهم سؤاله العجيب‏:‏ لماذا ضرب زيد عمرا؟‏.‏ فأجاب علماء النحو بما أجاب به العالم الأول‏,‏ فأمر الوالي بسجن علماء النحو جميعا وأقفرت المدارس والكتاتيب من علماء النحو الذين ضاقت بهم السجون‏,‏ وأصبحت قضية زيد وعمرو هي الشغل الشاغل للوالي وبطانته الذين انصرفوا عن جميع شئون الدولة ومصالحها حتي يجدوا جوابا يرضي به الوالي عن سؤاله‏:‏ لماذا ضرب زيد عمرا؟‏!!‏

    وتنتهي القصة الطريفة بأن يرسل الوالي جواسيسه ورجال مخابراته للبحث في كل أنحاء العراق عن عالم في النحو يستطيع أن يقدم جوابا مقنعا لسؤال الوالي وأخيرا تم العثور علي شيخ كبير‏,‏ فقدم تفسيرا للضرب الذي نال عمرا علي يد زيد يمكن تلخيصه فيمايلي‏:‏

    فكلمة عمرو فيها واو زائدة‏,‏ والذي حدث هو أن عمرا سرق هذه الواو من اسم آخر هو داود‏,‏ التي كان ينبغي أن تكون مكتوبة بواوين لا واو واحدة‏,‏ أي علي هذه الصورة‏:‏ داوود‏.‏ ولما كان داود هو اسم الوالي فقد رأي النحاة أن عمرا قد ارتكب جريمة السرقة من اسم آخر كريم‏,‏ ولذلك فهو يستحق الضرب من زيد ومن غير زيد حتي يتأدب ولا يكرر السرقة مرة أخري‏!!‏

    وبقية القصة ان الوالي أعجبه هذا التخريج أو هذا التفسير الذكي المنافق فأكرم الشيخ الذي فعل ذلك وقال له‏:‏ لا تخرج من عندي ما لم تطلب مني ما تشاء فأمرك مطاع وطلباتك مقضية‏!!,‏ فما كان من الشيخ إلا أن طلب إطلاق سراح زملائه المساجين من علماء النحو‏,‏ وإعادة صرف رواتبهم إليهم‏,‏ فوافق الوالي علي ذلك‏,‏ ولكنه اشترط علي هؤلاء العلماء أن يصلحوا طريقة تعليمهم للغة العربية‏,‏ وأن ينهجوا منهجا جديدا فيه تيسير علي الناس حتي تصبح اللغة العربية سهلة يفهمها الجميع ويكتبونها ويتحدثون بها دون تعقيد‏.‏

  2. التعليق أعلاه مقتبس من النت ، و شكرًا للقدس العزيزة

  3. الأخ توفيق،

    من المغالطات التنظيرية الكبرى التي يرتكبها أهل اللسان الحديثون، في واقع الأمر، هي أنهم يخترعون أمثلتهم اختراعًا لحقيًّا لكي تتوافق مع «نظرياتهم» التي وضعوها وضعًا سبقيًّا، بنحوٍ أو بآخر.

    أولاً، القصد من الاستشهاد بالفعل «ضَرَبَ» في المثال الشهير «ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْروًا» (أو مقابلاته في اللغات الأجنبية) إنما هو لتبيان مفهوم التعدِّي في المقام الأول، المفهوم الذي كان النحاة القدامى يعرِّفُونه تعريفَا غامضًا عن قصدٍ أو عن غير قصد – الفِعْلُ الْمُتَعَدِّي هو الفِعْلُ الَّذِي يَنْصِبُ الْمَفْعُولَ بِهِ بِنَفْسِهِ دُونَ وَسَاطَةِ حَرْفٍ. فالمثال الذي أتيتَ به «أَحَبَّ زَيْدٌ هِنْدًا» لا يستجيبُ للمقاييس نفسِها، كما تقول. ذلك لأن الفعل «أَحَبَّ» لا يدلُّ على إيقاع فعل حسّيّ من نوع ما بواسطة مؤثّر (زيد) على متأثّر (هند)، كما هي الحال في الفعل «ضَرَبَ». المسألة في غاية التعقيد، حقيقةً، وليس هنا المكانَ المناسبَ لشرحها بالتفصيل. غير أن الناطقَ باللسان يقول، في حال إسقاط المُؤَثِّر، عادةً «ضُرِبَ عَمْروٌ»، ولا يقول «أُحِبَّتْ هِنْدٌ». فما الذي تراهُ هنا يا أخي الكريم؟

    ثانيًا، المثال الآخر الذي أتيتَ به «ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلاً» مغلوطٌ هو الآخر لأسبابٍ أقلَّ غموضًا من سابقه. ومن هذه الأسباب إهمالُ الفرق الإداراكي المباشر أو غير المباشر بين التشابه والاختلاف – تمامًا كما هو الفرق في الرياضيات بين الثوابت (س1، س2، س3، إلخ) وبين المتحولات (س، ص، ع، إلخ). فمن ينقل الحدث، أو من يبني المشهد، في هذا المثال يبقى على معرفةٍ بالطرفين إدراكيًّا، سواءً سمَّاهُما أم لم يُسَمِّهما. الالتباس، إذن، يقع في التشابه لا في الاختلاف، وبغض النظر عن أي عامل إدراكي آخر. ماذا ستقول لو كان المثال على النحو التالي: «ضَرَبَ رَجُلٌ وَلَدًا»، رغم أن كلاًّ من الطرفين نكرة؟! وماذا ستقول لو كان المثال على النحو التالي: «ضَرَبَ الرَّجُلُ الوَلَدَ»، مع أن كلاًّ من الطرفين معرفة؟!

  4. الأخ محمد،

    هذه الحكاية الطريفة ذكرها المنفلوطي في كتابه «النظرات» على النحو التالي:

    «أراد داود باشا أحد الوزراء السالفين في الدولة العثمانية أن يتعلم اللغة العربية فأحضر أحد علمائها، وأنشأ يتلقى عليه دروسها عهدا طويلا فكانت نتيجة علمه ما ستراه.

    سأل شيخه يوما ما الذي جناه عمرو من الذنوب حتى استحق أن يضربه زيد كل يوم ويقتله تقتيلا ويبرح به هذا التبريح المؤلم، وهل بلغ عمرو من الذل والعجز منزلة من يضعف عن الانتقام لنفسه، وضرب ضاربه ضربة تقضي عليه القضاء الأخير؟

    سأل شيخه هذا السؤال وهو يتحرق غيظا وحنقا ويضرب الأرض بقدميه، فأجابه الشيخ: ليس هناك ضارب ولا مضروب، وإنما هي أمثلة يأتي بها النحاة لتقريب القواعد من أذهان المتعلمين، فلم يعجبه هذا الجواب، وأكبر أن يعجز مثل هذا الشيخ عن معرفة الحقيقة في هذه القضية فغضب عليه وأمر بسجنه، ثم أرسل إلى نحوي آخر فسأله كما سأل الأول فأجابه بنحو جوابه فسجنه كذلك، ثم ما زال يأتي بهم واحدا بعد واحد حتى امتلأت السجون وأقفرت المدارس وأصبحت هذه القضية المشئومة الشغل الشاغل له عن جميع قضايا الدولة ومصالحها،

    ثم بدا له أن يستوفد علماء بغداد فأمر بإحضارهم فحضروا وقد علموا قبل الوصول إليه ماذا يراد بهم، وكان رئيس هؤلاء العلماء بمكانة من الفضل والحذق والبصر بموارد الأمور ومصادرها، فلما اجتمعوا في حضرة الوزير أعاد عليهم ذلك السؤال بعينه، فأجابه الرئيس: إن الجناية التي جناها عمرو يا مولاي يستحق أن ينال لأجلها من العقوبة أكثر مما نال، فانبسطت نفسه قليلا وبرقت أسارير وجهه، وأقبل على محدثه يسأله: ما هي جنايته؟

    فقال له: إنه هجم على اسم مولانا الوزير واغتصب منه الواو فسلط النحويون عليه زيدا يضربه كل يوم جزاء وقاحته وفضوله (يشير إلى زيادة واو عمرو وإسقاط الواو الثانية من داود في الرسم) فأعجب الوزير بهذا الجواب كل الإعجاب، وقال لرئيس العلماء: أنت أعلم من أقلته الغبراء، وأظلته الخضراء، فاقترح علي ما تشاء، فلم يقترح عليه سوى إطلاق سبيل العلماء المسجونين، فأمر بإطلاقهم وأنعم عليهم وعلى علماء بغداد بالجوائز والصلات».
    («النظرات»، ص 307، 308)

  5. نعم أخي حي يقظان
    الحكاية وردت في أكثر من مصدر واحد ، و أنا أتذكر أني قرأتها ضمن الدراسة قبل أكثر من خمسين عاماً. أما الحقيقة فالله أعلم ، و لكن داود باشا كان أحد الولاة العثمانيين من المماليك و حكم في بغداد في النصف الأول من القرن التاسع عشر وكان له إصلاحات و أعمال درسنا عنها
    و شكرا للمعلومات الجميلة في تعليقيك َ

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left