أصدقاء محمود درويش في براغ

صبحي حديدي

Mar 14, 2016

يوم أمس، 13 آذار (مارس)، بلغ محمود درويش (1941 – 2008) سنّ الخامسة والسبعين؛ وكان لافتاً، ومبهجاً تماماً، أن يكون في طليعة المبادرين إلى الاحتفاء بهذه المناسبة نفر من المواطنين التشيك والعرب، الفلسطينيين خاصة، أنشأوا مجموعة باسم «أصدقاء شعر محمود درويش»، وأقاموا فعالية رفيعة المستوى، غنية المحتوى، بليغة الأثر. وقد تضمن البرنامج، الذي احتضنته مكتبة فاتسلاف هافل في قلب براغ، قراءات شعرية بالتشيكية والعربية والإنكليزية والفرنسية والهولندية (تناوب عليها كارل دوبري، سارة أرنشتين، يجي شيميك، دانييل براون، هيلين جينيه، برهان قلق، هربرت فان لندين)؛ كما تضمن أداءً درامياً للقصائد، من الممثلة والمغنية الأوبرالية مونيكا ناشيفا؛ وعزفاً على العود والناي، من السوري مروان السليمان؛ ومساهمات نقدية من فرانتشيك أوندراش، من معهد الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة شارلز؛ وتقديم من الصبية الفلسطينية لوتيسيه شومري، وكلمة ترحيب استهلالية من سفير فلسطين في براغ، خالد الأطرش. أما روح المبادرة، والقسط الأعظم من أعمال التفكير والتخطيط والتدبير، فقد تولاها الكاتب والدبلوماسي الفلسطيني المخضرم برهان قلق، والكاتبة والناشطة الحقوقية التشيكية بيترا شتاسنا.
وإذْ أحرص على تسمية المشاركين على هذا النحو المفصّل، وأرجو ألا أكون قد أغفلت أحداً منهم، فذلك لأنّ الفعالية كانت مميزة حقاً، تلتفت إلى ذكرى مميزة، وتليق بقامة فلسطينية وعربية وكونية عالية مثل درويش؛ في بلد ـ يتوجب القول، بدون تأتأة ـ لا تسهل فيـــه استعادة فلسطين والفلسطينيين، حتى على مستوى ثقافي وفنّي محض، وشاعر كبير احتضنته الإنسانية جمعاء. ولهذا فقد كان تفصيلاً يثلج الصدر أن تكون غالبية الحضور في القاعة من التشيك، وبعض الجنسيات الأخرى غير العربية؛ خاصة، هنا أيضاً، أن هذا المكان تحديداً، مكتبة هافل، يكتسب مغزى مميزاً بدوره، نابعاً من امتزاج الأدب بالسياسة، ليس دون مقدار من الحساسية الدبلوماسية التي يستولدها نفوذ مجموعات الضغط الصهيونية، إزاء شخصية درويش الشاعر نفسه، التي لم تكن البتة متجردة من السياسة.
وكما فاجأتني، قبل سنتين، مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، في الاحتفاء بدرويش، فقبلت دعوتهم الكريمة بحماس وسعادة وإكبار، وشاركت بورقة نقدية حول الكونية في شعر الراحل؛ كذلك كانت حالي حين وجه لي الأصدقاء دعوة كريمة للمشاركة في فعالية براغ؛ للتعريف نقدياً بالشاعر، خلال فعالية المكتبة المشار إليها؛ ثمّ إلقاء محاضرة في جامعة شارلز، تمنوا أن تتناول العلاقة بين درويش وإدوارد سعيد؛ باللغة الإنكليزية في المشاركتين. وإذْ أسجّل تفاعل جمهور المكتبة مع محاولتي تقديم «تخطيط» وجيز، ومتعمق ما أمكن وما أتاح المقام، حول جماليات المنفى في شعر درويش؛ فإنّ استقبال طلاب الدراسات العليا في الجامعة لموضوعة الإشكالات الطباقية بين سعيد ودرويش، تكشّف عن نقاش عميق، تجاوز بكثير حدود الاستزادة المعرفية والأكاديمية، أو فضول الثقافة العامة. وهكذا، سُئلت عن الشعر العربي المعاصر عموماً، ومشاقّ توصيف «الآخر» عند كلّ من درويش وسعيد، والاتفاق أو الاختلاف بينهما حول مسائل كثيرة غير تلك التي أثارها درويش ـ في قصيدته «طباق»، مرثية سعيد، تحديداً ـ حول الهوية والفنّ والنوستالجيا، والتي تناولتُها في محاضرتي.
ومن المعروف أن صداقة سعيد/ درويش تعود إلى لقائهما الأول في نيويورك، سنة 1974؛ وأنها انطوت على قسط أعظم من الاتفاق، حول الأدب والثقافة وفلسطين؛ وكذلك حول السياسة (التي اعتبر سعيد أن درويش مارسها كارهاً، أو من باب تحمّل مسؤولية موقعه كـ»شاعر فلسطين الوطني»)، وتحديداً بعد اتفاقيات أوسلو. أقلّ شيوعاً، ربما، أنهما اختلفا حول مسائل مثل الهوية والمنفى والآخر، ليس بالمعنى الكوني العريض لهذه المفاهيم، بل في السياقات الفلسطينية جوهرياً. ثمة تلميحات، بعضها تصريحات، إلى هذا التوازي الجدلي في مقالة سعيد «حول محمود درويش»، 1994، وهي أطول ما كتب عن صديقه؛ وفيها يشدد على الجانب السياسي والوطني والهوياتي، بل «القومي» أحياناً، في شخصية درويش الشعرية. وأمّا الشاعر فإنّ قصيدته المعروفة، «طباق» فتُجري حواراً بالغ الحيوية مع صاحبه الناقد/ المفكر، لا تخفى فيه خطوط التقائهما وافتراقهما. (لعل المثال الأوضح هو سؤال درويش وإجابة سعيد، حول الماضي: «والحنين إلى أمس؟/ عاطفة لا تخصّ المفكر إلا/ ليفهم توق الغريب إلى أدوات الغياب»).
إلى هذا، ورغم انخراطي التامّ في البُعد الفلسطيني لفعالية براغ الرائعة، سمحت لنفسي باستحضار درويش في مستويين: الأوّل أنه كان يطرب للحركة الثانية، المسماة «فالتافا»، من مقطوعة «وطني» للموسيقار التشيكي الكلاسيكي سميتانا، فاستذكرته مراراً على ضفاف هذا النهر الأخاذ؛ والثاني مستوى سوري محض، إذْ يقترن ميلاد درويش باقتراب الذكرى الخامسة لانتفاضة الشعب السوري، فاستعدتُه دمشقياً: «في دمشق/ يواصل فعل المضارع/ أشغاله الأموية/ نمشي إلى غدنا واثقين/ من الشمس في أمسنا/ نحن والأبدية/ سكان هذا البلد».
صباح الخير، إذاً، يا محمود؛ وأنت من هناك، وأنت من هنا، حتى حين لا تكون هناك، ولا تكون هنا…

صبحي حديدي

- -

8 تعليقات

  1. عبدالحميد الدكاكنــــــي /شاعر كاتب وسفير منظمة حقوق الانسان الدولية

    شكــــــــــرا على هذا التناول متعدد الجمال. جمال الاحتفال بالذكرى..جمال فاسطينية التناول في براغ التي اعتدت قديما على سهراتها الادبية ..وجمال الابتهاج بحدث فاسطيني بعيد عن فظاعات ارهاب الدولة وارهاب الجماعات ..تحية للكاتب وتحية لروح الرائعين الفلسطينيين وتحية لكل المشاركين في توهج هذه البهجة وتحية للعزيز خالد الاطرش وذكريات سراييفو الادبية !!

  2. هناك نقاد عرب يكرهون ( فلسطين والثقافة الفلسطينية ) ويعشقون درويش فقط ما دامت قضية فلسطين ( مربحة أحيانا )… أين الصواب وأين الخطأ في هذا القول.

  3. صار فيه اسئلة جوهرية بصدد درويش تحتاج اليوم إلى إجابة : ما هي طائفة درويش التي مات عليها .. و ماذا كان سيكون موقفه من الصراع السعودي اﻹيراني أو ما يرمز له اختصارا بالصراع السني الشيعي و موقفه من ما بعد الحداثة و ما بعد الكولونيالية .. الخ .. اسئلة محيرة و ملحة جدا

  4. صباح الخير لمحمود , وصباح الخير لمن دأب ان يذكر نفسه ويذكر محبين محمود والانسانية جمعاء بشعر محمود , وذكرى محمود
    دائما سباق اخي العزيز صبحي ,, ولعل هذه المناسبة جديرة لتعيد لنا ذكرى الثورة السورية التي يتسابق العديدين من (المثقفين ) ليذهبو لتسمية ما يحصل في عالمنا العربي من انتفاضات وثورات على انظمة القمع والاسبداد , تارة بالخريف العربي , وتارة بالمؤآمرة على (الأنظمة الديموقرطية) انظمة الممانعة العربية ؟!
    لا اريد تكرار ما ختمت به مقالتك ,, ولكنني على ثقة ان الأمس في عالمنا العربي هذا ولى وبلا عودة .. وامام كل المتخاذلين شعوب تمرست على مقاومة اقوى الة قمع والة قتل والة تدمير لم يشهدها تاريخنا المعاصر , لتخرج اول امس في معظم المدن والقرى السورية لتهتف ما هتفت به قبل خمسة سنوات .. الشعب يريد اسقاط النظام .الف تحية لك

  5. مقال مشوق و عميق كالعاده
    شكراً أستاذ صبحي على لفتتك تجاه شاعر كبير و قضيه فلسطينيه تنتمي لها بوعيك و محبتك القادمة من ثرى العبق و التاريخ السوري الأصيل.

  6. ما يحيرني دائما لماذا تم ( هل كان ذلك متعمدا) اختيار محمود درويش شاعر القضية الفلسطينية ليكون ممثلا أو سفيرا للمنظمة في تشيكوسلوفاكيا مع أنه من المعروف أن براغ كانت مسرحا لعمل عسكري روسي دموي تم فيه قمع ما يسمى ربيع براغ و هو مشابه لما حصل للربيع العربي من قمع وإراقة للدماء! وكما نعرف إسرائيل لقد استغلت هذا الحدث أو هذا الأمر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهكذا اصبح هافل الشاعر التشيكي المعروف والمعارض للنظام الشيوعي والذي اصبح رئيسا للتشيك فيما بعد اصبح او تحول إلى صديق حميم لإسرائيل. طبعا يبدو أن هناك ارتباط سياسي واضح بين الأمرين فيما يبدو لي فهل هذا جزء من غباءنا السياسي أمام إسرائيل؟

  7. كما كتبتُ تعقيبًا على مقال خيري منصور «محمود درويش ومضادات النسيان» (ق ع، 7 آب 2015)، سيبقى الغائب محمود درويش رهينةَ أولئك النقاد الذين ادَّعوه «صديقًا حميمًا» وحاولوا أن يختطفوهُ من ناسوتهِ في الحياة ومن تابوته في الموت، وقد بالغوا في ذلك أيَّما مبالغةٍ، متَّكئين على سلطانه ونفوذه الشعريَّيْن، في الحقيقة، كما تتكئُ الطفيلياتُ السَّامَّة على النبتة الأرْيَحِيَّة الجميلة. فمن أولئك النقاد من ادَّعوا أن الشاعر الغائب لا يبدأ قصيدته بمطلع مناسب إلا بعد استشارتهم «النقدية الأدبية الحصيفة» حتى لو كانوا يقيمون في بلدٍ عربي آخرَ من بلاد العرب. ومن أولئك النقاد من ادَّعوا أن الشاعر الغائب لا ينهي قصيدته بخاتمةٍ مناسبة إلا بعد استشارتهم «النقدية الأدبية الحصيفة»، كذلك، حتى لو كانوا يقيمون في دولةٍ غربيةٍ أخرى من دول الغرب. ومنهم، ومنهم، ومنهم، إلى آخره من هذه الادعاءات الاتكائية التي صدرت، وما زالت تصدر، عن نقادٍ يكتب بعضُهم منذ زمن بعيد، ويكتب بعضُهم في هذه الجريدة بالذات.
    كم هو الحنين قاسٍ وموحشٌ، فعلاً، إلى شاعرٍ عظيمٍ لم يعُد يطلُّ إلينا بصورته الجميلة والنبيلة، كما عهدناه، في هذا المكان!!!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left