من يملك الإعلام في مصر؟!

سليم عزوز

Mar 19, 2016

أزمة قناة «الحياة»، لا بد أن تدفع لفتح الباب لمناقشة قضية ملكية وسائل الإعلام في مصر، فقد تعاملنا معها على أنها فضائية مملوكة للسيد البدوي شحاتة، رئيس حزب «الوفد»، ليتبين في الأزمة الأخيرة، أنها مملوكة لشركة أدوية، وأن الشركاء من إحدى الدول العربية، ولا نعرف ما إذا كان المذكور هو شريك بالمال، أم بـ»الجهد»؟ فما أعرفه جيداً أنني ظلمت الرجل كثيراً في هذه الزاوية، عندما صدقت الدعاية الرائحة بأنه مالك قنوات «الحياة» وهي ليست قناة واحدة، بل شبكة!
فكثيراً ما وصفت «الحياة» بأنها جزء من قنوات التلفزيون المصري، إذ كانت تؤدي رسالة الإعلام الرسمي نفسها، في تشويه ثورة يناير، منذ اللحظة الأولى. وقبل هذه الثورة قبلت أن تعمل في خدمة قيادات هذا التلفزيون، فبعد أن تسبب وجود «رولا خرسا» في تلفزيون الريادة الإعلامية حرجاً لبعلها «عبد اللطيف المناوي»، رئيس قطاع الأخبار القادم من خارج مبنى «ماسبيرو» لمهمة التمهيد لتوريث الحكم، استقبلتها «الحياة» على الرحب والسعة، وعندما قامت الثورة، كانت المعول الذي استخدم للنيل منها، وإذا كان العاملون في تلفزيون الدولة، أخرجوا بعد الثورة «المناوي» من مكتبه على غير إرادة المجلس العسكري، فقد استمرت «رولا» إلى أن انتقلت إلى محطة أخرى، واستمرت «الحياة» مرتعاً للفلول، وآخر من استقبلتهم هو «تامر أمين»، القادم من قناة «أم بي سي مصر» السعودية، وكان قد غادر التلفزيون المصري بعد الثورة، كما غادره جماعة جمال مبارك، لينتشروا في الفضائيات الجديدة، التي لا نعرف ملاكها الحقيقيين!
كان اللافت أن تتحول الشبكة التلفزيونية لرئيس حزب «الوفد» وهو أعرق حزب سياسي مصري، إلى جزء من الثورة المضادة، فلم يسع إلى الحياد الشكلي الذي قام به رجل أعمال قريب من نظام مبارك هو «أحمد بهجت» صاحب قنوات «دريم»، وهي من قامت بأول مقابلة تلفزيونية مع الدكتور « محمد البرادعي»، عندما كان يمثل حلماً للرئاسة في مواجهة مبارك ونظامه، كما أنها استقبلت برنامج «حمدي قنديل»، بعد أن أوقفه وزير الإعلام على شاشة التلفزيون المصري، كما مكنت الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل من تقديم برنامج عبرها، والذي لم يكن نظام مبارك يتحمله، وقد تم منع برنامج «قنديل»، وبرنامج «هيكل» بقرار من السلطة، لكن في النهاية فأحمد بهجت حاول أن تكون هناك مسافة بينه وبين السلطة، اجتهد وفشل، وهي محاولات لم يقم بها رئيس حزب «الوفد» العريق، والذي بدا كما لو كان قد أطلق قناته لمساندة نظام مبارك، وفق نظرة الإعلام الرسمي.

«الحياة» في مرحلة النشأة والتكوين

لا نعرف ما إذا كان الملاك الخليجيون هم ملاك «الحياة» منذ فترة التأسيس والتكوين؟ أم أنهم انضموا إليها في وقت لاحق؟ فما زلت أتذكر يوم أن بدأ الحديث عن فكرة «الحياة»، أن زميلة تعمل في الإعلام الاقتصادي، قالت لي إنها بحكم عملها تعرف رجال الأعمال الكبار، وليس من بينهم «البدوي شحاتة»، فكيف يكون لرجل أعمال متواضع الامكانيات المالية القدرة على إطلاق فضائية بالإمكانيات التي يجري الحديث عنها إعلاميا؟!
لم أهتم بهذا التساؤل المشروع، فقد جذبتني فكرة القناة، التي تم الإعلان عنها أنها ستنافس «الجزيرة»، وتم تكليف الإعلامي المرموق «حافظ المرازي» بالمهمة، وهو مدير مكتب «الجزيرة» في الولايات المتحدة الأمريكية، ومقدم برنامج «من واشنطن»، قبل أن يتدخل «صفوت الشريف» ويوقف الترخيص الذي منح لها، فالقانون في مصر، لا يعطي للأفراد حق تأسيس القنوات الإخبارية أو السياسية أو الدينية، وقصر الترخيص على إطلاق قنوات المنوعات والقنوات الاجتماعية!
كانت معلومات بدأت تتناقل في الوسط الصحافي عن أن الشريك الرئيس في «الحياة»، هو مدير جهاز مباحث أمن الدولة، وكيف يكون رئيس الجهاز القوي في مصر شريكاً في محطة تلفزيونية ويوقف «صفوت» ترخيصها بسهولة ويوافق على توفيق الأوضاع بعد وساطة اثنين من الصحافيين؟! عندئذ كان للتحليل في غياب المعلومات دوراً مسلياً عند مناقشة هذا الأمر، الذي لم يتم نفيه أبداً، حتى بعد قيام الثورة وسجن مدير الجهاز على ذمة قضية قتل المتظاهرين، فهل كان هذا للتستر على اسماء الملاك الحقيقيين؟ ومنذ متى كانت هذه الملكية؟!
هناك قصة مشابهة لإحدى الصحف الجديدة، عندما كان القائمون عليها هم من يسربون أخبارا عن ملكية رجل أعمال سيىء السمعة لها للفت الأنظار عن المالك الحقيقي وهو نجل صفوت الشريف، ويقال إن مبارك نفسه سأل صفوت الشريف عن حقيقة ما يتردد عن ملكية إبنه لإحدى الصحف فنفى ذلك، إذ يبدو أن تقريراً أمنياً رفع إليه بهذا المعنى، و«الشريف» كان مصدقاً عنده أكثر من الأجهزة الأمنية كلها!
ما أثير في أزمة قناة «الحياة»، حد تفكير الشركة المالكة لها في منع «السيد البدوي» من إدارتها يفتح الباب على مصراعيه لملكية وسائل الإعلام في مصر، فالوقوف على المالك الحقيقي لكل صحيفة أو محطة تلفزيونية مهم، لنسبر أغوار توجيهاتها، وقد تحولت إلى بوق في السابق لتشويه الرئيس المنتخب، وساهمت في تمزيق صف المصريين، وهي المهمة الموكلة إليها لتسهيل الانقلاب العسكري وتمكين عبد الفتاح السيسي من الحكم بقوة السلاح، فيما عرف بالفوضى الإعلامية، والتي بدأ الحديث الآن عن أن ضبط الإيقاع يكون بعودة منصب وزير الإعلام، وتأسيس نقابة الإعلاميين، مع أن الإخوان المسلمين كانوا في الحكم ووزير الإعلام منهم، ولم يتم وقف هذه الفوضى، فضلاً عن أن هناك نقابة للصحافيين لم تمنع نشر الأخبار الكاذبة التي كانت تنسب عادة لمصدر أمني رفض ذكر اسمه، قال إن الرئيس محمد مرسي تنازل عن «حلايب» و«شلاتين» للبشير، وقال إن خيرت الشاطر قام ببيع أراضي مثلث ماسبيرو لقطر، كما صرح بأن مرسي منع الجيش من القبض على من قتلوا الجنود المصريين في رفح لأن الجناة من أهله وعشيرته!

«ملكية الفراعين»

في الصحافة المكتوبة، نعرف كيفية التحايل على نصوص قانون تنظيم الصحافة، الذي يحظر على الأفراد الطبيعيين تملك الصحف، ويعطي هذا الحق للأشخاص الاعتباريين بتأسيس شركات مساهمة ونحو ذلك، ولا يجوز لفرد تملك أكثر من 10% من الأسهم. فما نعرفه أن هناك ملاكاً على الورق، ليسوا معروفين غالباً، وملاكا حقيقيين يعرفهم الجميع، وإن جاءت الأوراق الرسمية خالية من أسمائهم، وعلى هذا سار «توفيق عكاشة»، في تأسيس قناة «الفراعين»، فالقناة مملوكة لوالدته على الورق، ويروج كثيراً لهذا في محاولة منه لإثبات أنها من ورثة محمد علي باشا، ولكي يخفي أن تمويلها يتم من ثمن الأراضي المخصصة من الدولة لجمعية أسسها تحمل اسم «جمعية الإعلاميين وأسرهم وغيرهم»، وهي (5) آلاف فدان، وأيضاً لأن القانون يحظر عليه باعتباره موظفا في التلفزيون الحكومي ملكية قناة تلفزيونية!
تذكر المسؤولون في اتحاد الإذاعة والتلفزيون أن «توفيق عكاشة» موظف عندهم مؤخراً ومن ثم أحالوه للتحقيق الإداري، لأنه سب على شاشة «الفراعين» العاملين في التلفزيون المصري، وكأنها المرة الأولى التي يفعل، ولكن يقولون «إن الثور إذا وقع كثرت السكاكين». وعموماً هي قضايا فرعية للتغطية على القضية الأهم التي نشر خبر التحقيق فيها بواسطة النيابة العامة، ثم لا حس ولا خبر، وجرى شغلنا بمنعه من السفر في قضية «الدكتوراه المزورة»، وهي قضية البراءة نهايتها، لأن الاستفادة ضمن أركان قضية التزوير وهي ليست ثابتة في إدعائه أنه «دكتور».
قبل الانقلاب، قال رجل الأعمال «نجيب ساويرس» أنه باع «أون تي في» لرجل أعمال تونسي يعيش في فرنسا ذكره باسمه، وفي هذه الزاوية كنت أعتصم في غياب المعلومات بالتحليل للتأكيد على عدم صحة البيع، لكن «ساويرس» كانت قناته غارقة في مهمة الانقلاب، ولا يراد أن يضار بأدائها إذا فشل، والأصل في المعلومات أنها لدى وزارة الاستثمار، فالبيع له أصول، وهو لا يتم شفاهة، وكلام عن بيع قناة مصرية لأجنبي أمر كان يستدعي إزعاج الحكم لكنه كان حكما تقيا ورعاً لا ينزعج!
عقب الانقلاب، قال «ساويرس»: «بصرة»، فلم يبع «أون تي في». ونُشر أن رجال أعمال خليجيين اشتروا جزءاً من أسهم قنوات «سي بي سي»، ولا أحد يعرف الحقيقة، تماماً كما لم نعرف كيف استطاع «محمد الأمين»، الهابط على مجال الإعلام المصري بالبارشوت، قبل الانقلاب مباشرة، أن يصدر صحيفة وسلسلة قنوات تلفزيونية، ويصرف رواتب لا يحصل عليها العاملون في «الجزيرة» أهم قناة تلفزيونية، كل هذا من مدخرات شخص، عمل لمدة (18) عاماً في دولة خليجية مبلغ علمي أنه لم يكن يعمل فيها أميراً أو شيخاً من العائلة الحاكمة!
سيكون مفيدا لأي ناقد تلفزيوني معرفة الملكية الحقيقية ومصادر التمويل لوسائل الإعلام في مصر، عند تحليل خطابها الإعلامي!
مجرد أمنية، وأدرك تماماً أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه!

صحافي من مصر

سليم عزوز

- -

4 تعليقات

  1. ياترى الاستاذ سليم لم يسأل عن ملاك القنوات التليفزيونية الغربية عموما وملاك الصحف ومن اى المنظمات تتمول وعلى سبيل المثال جريدة الواشنطن بوست ولا مصر هى اللى كل حاجه فيها عجبة . واما عن جمعيات حقوق الانسان فحدث ولا حرج . ترى كم صحيفة غربية وكم جمعية حقوق انسان ركزت على سحل الفتاه التى كانت تهتف للسيسي فى استانبول . بأذن الله سيقف الله بجانب الشعب المصرى ومن معه الله سينصره وتحيا مصر

    • ا/مصطفي,وسائل الإعلام الغربيه وعلي رأسها الواشنطن بوست وغيرها معروف ملاكها بحكم القانون أما في مصر فكل شيء سر علي الشعب.أما جمعيات حقوق الإنسان فهي ليست وسائل إعلام والمقال محوره وسائل الإعلام.وسيقف الله مع الشعب عندما يستفيق من غفوته وليس بالهتافات الجوفاء اللي قادة مصر هتفوا بها ومايزالون من أكتر من 60 سنه.

  2. مع تحياتى للاستاذ عزوز
    ليس دفاعا عن ملاك القنوات الفضائية الخاصة ولكن هل تعلم ان كل القنوات الخاصة فى العالم المتقدم يملكها رجال اعمال ورجال سياسة ويستخدموها فى اغلب الاحوال لتحقيق مايريدون ولو من خلف الستار
    اما بخصوص قنوات الحياة واحد ملاكها رجل الاعمال وصاحب شركات الادوية ورئيس حزب الوفد السيد البدوى الذى يوجد مشاكل مالية بينه وبين شركائه فى شركات الادوية وهنا لحل المشاكل تنازل عن بعض حصته من قناة الحياة الى شركائه فى شركات الادوية وهذا كل ما فى الموضوع والقاصى والدانى فى مصر يعرف ذالك

  3. الاعلام في مصر كالخط الدائري المغلق لا تعرف بدايته من نهايته وانا اايد الاستاذ سليم من اجبارية الاعلان عن ملاك القنوات الاعلامية لان هذا من حق الشعب الذي هو مصدر كل سلطة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left