الخالدون في التاريخ… حارث الضاري أنموذجا

حجم الخط
6

يطوي الأموات النسيان، فيغادرون على عجل ذاكرتنا المزدحمة بالأحياء، المشغولة بالحاضر والشاخص أمام الأعين من الأشياء. لكن هذا القدر لا يسري على أصحاب البطولة من الأفذاذ، فهم وحدهم من يصارعون النسيان فيطوونه، ويفرضون صورهم وسيرهم ومواقفهم علينا، ويزاحمون حتى الأحياء المشغولة ذاكرتنا بهم. صحيح أن كل الأحياء مقامات وقامات، لكن من هرول التاريخ خلفهم كي يخلدهم، هم الأعلى قامات ومقامات منا نحن الأحياء، لأن كرامتهم أن التاريخ قضى زمنا يلهث خلفهم ليفوز بشرف تخليدهم، بينما نلهث نحن خلفه عسى أن يخلدنا.
حتى رمزيتهم تصارع حضورنا، ويفرضون وجودهم علينا فنستسلم لسحر مناقبهم، ونروح نجتر ما قالوا وما فعلوا عسانا نكسب بعض وهجهم. كل الموت موصوف إلا موتهم، فله سحره الخاص لأنهم يؤطرونه بمناقبهم ومواقفهم، التي تبدو للبعض أنها قابلة للاستنساخ والتكرار، لكن محال أن يحدث هذا لأن العزائم تأتي على قدر أهلها، وبون شاسع بين من يصنعون التاريخ وبين من يقرأونه، وبين من كانوا جزءا منه وبين من يستنبطونه.
عام مر على رحيل الشيخ الجليل حارث الضاري الأمين العام السابق لهيئة علماء المسلمين في العراق، لكنه لم يغادر العقول والألباب، ولازالت ذكراه طرية في الذاكرة. لم يكن حضور الرجل حضورا مؤقتا مرتبطا بالأزمة العراقية، بل ولادة مواقفه كانت مرتبطة بجذور التاريخ المقبل من الآباء والأجداد، والازمة هي التي أتت به واستعانت به كي يفك أسر شعب ووطن، فكان على قدر التحدي وعلى مقاس الأزمة، وأثبت في مواقف كثيرة أنه الناسك والزاهد من بين الاخرين، لذا لم ينل اليأس منه موضعا، بينما نال من غيره حتى تساقطوا صرعى في وسط أو بداية المنازلة، فبعضهم انزوى بعيدا عن القضية، وآخرون سقطوا في أحضان الاحتلال والسلطة. قالوا عنه إنه رجل حالم لأنه وضع نفسه في موضع الند لقوى كبرى، وإن الرومانسية الثورية أخذت منه النظرة الواقعية، ووصفوه بأوصاف أخرى كثيرة، لكنه أبى أن يترجل عن صهوة الموقف والفعل البطولي. كان يعلم أن البطولة ليست في الحلول السهلة المعتادة، ولا بالتنازل عن الحقوق تحت تسمية الواقعية السياسية، بل بابتكار المواقف والطرق التي يصعب على الآخرين سلوكها لكنها هي الحل. كان واقعيا ويعرف جيدا أن البطولة ليست دائما يمكن جني ثمارها، لكن الأفذاذ يطلون على الأجيال من عبق التاريخ وإن لم ينتصروا، ويصبحوا رمزية كبرى تُعجل بالنصر على مر الاجيال، فتستحيل مواقفهم إلى قيم ومُثل واعراف وقوانين ورجولة.
كان الضاري رجل دين، لكن ضاق به الحال مرات عديدة حتى اضطر إلى بيع بعض مقتنياته الشخصية كي يستمر كصوت مضاد للباطل، في زمن امتلات فيه جيوب رجال الدين بالاموال، واستقلوا السيارات المصفحة ترافقهم عشرات العناصر من الحمايات. كما دخل معترك السياسة من باب النزاهة لخدمة قضية وطنية، فنُفي من وطنه وحُورب في محافل شقيقة وصديقة، بينما فرشوا السجاد الأحمر لساسة آخرين باعوا القضية وساوموا على شرف العراقيين، فملأوا حقائبهم بملايين الدولارات. قالوا إن الطائفية هي الحل، فجمعوا المؤيديين والأنصار والداعمين الدوليين والإقليميين لهم، وأبى إلا أن يقول بأن الوطنية هي العلاج. وقالوا بأن السلم والأمن يعم العراق حين يأخد كل طرف حصته في الخريطة العراقية، كيانا هزيلا يزويه عن الآخرين، فقال إن العراق هو الحقيقة التي لا تقبل القسمة على أي عدد.
كان المنافسون له كثر في الساحة العراقية، على الرغم من أنهم في خندق المقاومة نفسه، ومع ذلك بعضهم وضع العصي في عجلة حركته، ظنا منهم أنه يأكل من جرف حواضنهم الشعبية ويخطف وهجهم، لكنه كان يقول دائما إن من لديه مشروعا لتحرير العراق فليسير به قدما ونحن وراءه، لأن همه كان التحرير وليس ثمار التحرير. وقد انعكس موقفه هذا على المساعدات التي كانت تقدمها الهيئة إلى المحتاجين من العراقيين، حيث كان العشرات من العراقيين عوائل وأفرادا ممن يقيمون في عمان، يتلقون المساعدات المادية من الهيئة، على الرغم من أن بعضهم كان من كوادر أحزاب وجهات سياسية تختلف أيديولوجياتهم معه. وعلى الرغم من أن البعض كان ينسب الهيئة إلى طائفة دينية، كان الفقيد لا يفرق بين هذا وذاك على أساس طائفي، وكان يرفض باستمرار أن يكون محسوبا على طائفة، لذلك ارتبط بعلاقات حميمية مع شرائح اجتماعية كثيرة من مختلف الأديان والطوائف والأعراق.
وعلى الرغم من أن هيئة علماء المسلمين كانت لها أمانة عامة ومجلس شورى، يقرران نهجها السياسي وتفاعلاتها مع الاحداث، لكنه عكّسّ الكثير من صفاته على عملها، حتى بات من الصعوبة التفريق بينه وبين الهيئة كمؤسسة. فكانت النقلة النوعية في عمل الهيئة حين لم تختصر نفسها في إطار الامور الدينية البحتة، بل انطلقت إلى العمل المؤسساتي، القائم على أساس أرشفة كل الوقائع والأحداث التي يمر بها العراق في كل محافظاته وصولا إلى أبعد قرية فيه، مما وفر مادة وثائقية رصينة لكل المنظمات الإنسانية والقانونية التي تبحث عن حقيقة ما يجري في هذا البلد. كما كان للدور الاغاثي الذي لعبته الهيئة بتوجيه ومتابعة منه شخصيا، أبلغ الاثر في التخفيف من معاناة المهجرين الذين انتشروا على جميع الخريطة العراقية.
يقينا لقد اختصر الضاري تاريخ العراق وتاريخ أبائه وأجداده في شخصيته، فحاز احترام وتقدير الكثير من الجهات والشخصيات السياسية العربية والعالمية، للدور الإيجابي الذي لعبه في خضم الاحداث التي مرت على الوطن، عكس ذلك الحضور الغفير في مجلس العزاء الذي أقيم له. ويبقى الموصوف أكبر من جميع صفاته.

٭ باحث سياسي عراقي

د. مثنى عبدالله

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول غادة الشاويش المنفى:

    شكرا للوفاء للاحرار والصادقين يا د مثنى شكرا لوجه قلمك العراقي المبين شكرا لكل من يلحظ الفرق بين الفرقعات الاعلامية وحفلات الرياء السياسي والاعلامي وبين من يكدون في صمت الصديقين زاهدين في كل ثناء وفي كل لحظات الالتفات الى غيرهم شكرا لقلم عابر واصل فاهم الخير في كل ايديولوجيا القومية والاسلاموية بينهما كثيير من القيم الرائعة ركز المتفلسفون على الفروق وابى الصادقون الا الذوبان بعيدا عن غباء العناوين فحيث كان قلب اسمع العراق ينبض في الصدور وينشر مسكه عبر السطور كانت القضية تلمع وتزهر وتحشد وتخطط وتنتج وتصبر وتخوض العراك لان الظلم والفساد والطائفية لا يحتاجان الى تعميق ولا الى تنظير من احد انهما ثمرة شجرة الزوم الاميركي الايراني في المنطقة واقتلاعها ورميها الى اصلها اصل الجحيم قاادم على وجد قلوب الصادقين ورباط الصابرين واخلاص الذين لا يعرفون للحب ترجمة لانه اكبر من كل كلمة فا ترجم رخص انهم معدن العراق الثمين حارث الضاري ود مثنى وهيفاء زنكنة احبكم جميعا يا تبر العروبة وحبر عرف كيف يشق دروبه ! بين الف خيال وخيال جزاك الله خيرا عن قلمك الجميل واخلص نيتك ورحم الله فقيد العراق والامة العلامة المجاهد الشيخ حارث الضاري رحمة الله عليك والبركة ان شاء الله في ارض الرافدين كبيرة
    قارئتك المحبة غادة

  2. يقول غادة الشاويش المنفى:

    * شجرة الزقوم
    * قلب اسمه العراق

  3. يقول د. اثير الشيخلي- العراق:

    شكراً د.مثنى لأخلاق الفرسان هذه التي جعلتك تستذكر رمز المقاومة و شيخها في العراق المنكوب المحتل ،نسأل الله له الرحمة و الغفران.
    ثبت على المبدأ ،و لم يركن الى الذين ظلموا و غزوا !
    و مات و هو على ذلك نسأل الله له الجنة.

  4. يقول Ahmad ismaeil.Holland:

    الرجولة مواقف والنذالة دروس،وهناك مقولة شهيرة لانطون سعادة كانت تكتب على الجدران في شوارع بيروت يقول فيها، ان الحياة وقفة عزّ فقط، رحم الله الشيخ حارث الضاري وجميع ابطال المقاومة العراقية.

  5. يقول منى.الجزائر.:

    رحم الله الشيخ حارث الضاري …..
    لازلت أذكر مقالك العام الماضي د.مثنى عبدالله في رثائه….
    سير الأعلام من امثال الشيخ الجليل تعد بحق وقفات تاريخية يتأملها كل سالك لطريق الإصلاح ……
    شكرا لوفائك د.مثنى وعسى ربي يمسح الحزن عن كل العراق ويقدر أهله على بنائه من جديد…تحية لك سيدي وتحية لغادة الغالية ول د. أثير الشيخلي ولأحمد اسماعيل من هولندا…ولقدسنا الغراء بيتنا الثاني ..

  6. يقول S.S.Abdullah:

    موقف د. حارث الضاري فيما حصل للعراق عام 2003 يذكرني بموقف الملك حسين بن طلال فيما حصل للعراق عام 1990.

    مفهوم الثنائيات مثل النظرة الإيجابية/السلبية، ستقوم بتحويل كل موظفي النظام البيروقراطي لدولة الحداثة، إلى متملقين إن لم يكن منافقين، وبهذه الطريقة لن تستطيع أي إدارة معرفة حقيقة ما يدور داخل أي مؤسسة، بغض النظر عدد الجواسيس في كل إدارة، وأفضل مثال عملي على ذلك حيث لا اظن هناك من يُشكك في إخلاص جمال عبدالناصر لمصر، ولكن النظرة الوردية لدى موظفي النظام المصري وكلّه تمام يا أفندم، كانت سبب انهيار الوحدة مع سوريا عام 1963 وسبب هزيمة الجيش في اليمن بالإضافة إلى تدمير الجيش مع الكيان الصهيوني عام 1967 نحن الآن في أجواء العولمة وأدواتها التقنية ومن يُصر على استخدام نفس وسائل إدارة النظام البيروقراطي لدولة الحداثة، سيكون جزء من مشكلة شبح الإفلاس التي يعاني منها النظام؟!

    لتوضيح بمثال عملي، لماذا لن يفهم من يعتمد ثقافة الـ أنا، وسيلة للتفكير من خلالها ما موجود على السطر، فمثلا نوري المالكي حكم 8 سنوات، كثير من الناس تظن أنّه تابع لإيران، أنا من وجهة نظري أنّه كان تابع للأردن، على الأقل ليكون منطقي وموضوعي فيما يؤمن به لو كان من الشيعة، فالحكم في الأردن هو لآل البيت، ودليلي على ذلك هو إصراره على لقب دولة رئيس الوزراء في مخاطبته، حتى بعد طرده من منصبه، وهذا عرف يتبع في الأوساط الملكية/الشاهنشاهية والذي ترفض دولة الفقيه في إيران التعامل من خلاله، وهو حجتها أصلا كي لا تتبع حكم آل البيت في الأردن (الهاشمي) أو المغربي (العلوي)، وبسبب ثقافة الـ أنا تخسر الكثير لعدم الاستفادة من خبرة وثقافة الـ آخر من بدو دول مجلس التعاون الخليجي وقصة نجاحهم الاقتصادية.

    أظن من أذكى قادة أمريكا كان جورج بوش الأب لأنّه توقف في عام 1991 بعد تدمير العراق، من دخول العراق، وترك الغوغاء وأهل الفرهود تدمر كل مؤسسات الدولة، لكني لاحظت فقط خمس محافظات هي بغداد وديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى لم تسقط بيد الغوغاء (الانتفاضة الشعبانية كما أطلق عليها إبراهيم الجعفري بعد استلام الحكم من قوات الاحتلال في 2003) وسبحان الله نفس هذه المحافظات هي الوحيدة التي لم تقبل بالظلم وانتفضت ضد كل من حكم من العملية السياسية التي كونتها قوات الاحتلال؟!

    وسؤالي للشيعة/الصوفية ممن يؤمن بالعلم الظاهر والعلم الباطن الذي لا يعلمه إلاّ الأولياء من آل البيت، هو لماذا نقل علي بن أبي طالب عاصمته إلى وادي الرافدين، وكذلك الاسكندر المقدوني وقبله كورش امبراطور الفرس بعد فك اليهود من السبي البابلي؟! بل وحتى الحسين بن علي لم يعلن انتفاضته ضد الظلم من مدينة رسول الله بل شد الرحال إلى وادي الرافدين؟ ولماذا لم يشد الرحال إلى وادي النيل ما دام خير جند الأرض فيها؟ ما هو الفرق ما بين أهل وادي الرافدين عن أهل وادي النيل؟! لم أجد غير الفراعنة الذي يتشابهون مع أهل فارس في موضوع الشاهنشاه، بينما أهل وادي الرافدين يرفضون صناعة الرب أو الفرعون أو الشاهنشاه، ربما لأنهم أكثر أحرارا فلذلك هم الأفضل في الاعتماد عليهم للانتفاضة ضد الظلم، وهذا يفسر لماذا خمس محافظات لم تسقط بيد الغوغاء عام 1991 بينما بعد 2003 رفضت أن يحكمها كل ظالم تابع لقوات الاحتلال؟!

    ما رأيكم دام فضلكم؟

اشترك في قائمتنا البريدية