العجائبية تعم الموقع

عزت القمحاوي

ابتكرت المخيلة البشرية الأدب العجائبي لجعل الواقع مقبولا ومعقولا ومدركًا بشكل أفضل من خلال متعة الحكاية يصبح الواقع مقبولا بشكل سريع وعابر كذلك في لحظة استقبال الحكاية بكل ما تنطوي عليه من الغرائب ومن الفكاهة التي تنطوي عليها الغرابة. ومن تأمل المغزى يصبح العجائبي مقبولًا ومفهومًا بشكل أعمق وأبعد أثرًا.
ولكي تقوم الحكاية العجيبة بوظيفتي الإمتاع والإفهام ينبغي أن تكون مقنعة، ولكي تكون مقنعة ينبغي أن يكون أبطالها من الجن أو الآلهة أوالبشر المدعومين بإحدى القوتين وذلك أضعف الإيمان، وينبغي كذلك أن تكون الحكاية قادمة من البعيد في الجغرافيا أو التاريخ أو كليهما. الابتعاد ضروري لتجريد المتلقي من خبرة حواسه بما يمنع العقل من إخضاع الحكاية للمقاييس العادية حتى يتمكن العجائبي من القيام بعمله.
لم يحدث في الأدب أن تمكن إبداع جماعي أو فردي من إنتاج عجائبية مقنعة دون الابتعاد الزماني والمكاني معًا، لكن الديكتاتور فعل ذلك مرارًا في الواقع وصنع العجائبي في الوقت والحال، لكن حكايته لم تتمتع بالعمر الطويل الذي تتمتع به الحكاية العجائبية في الأدب.
يحتال الديكتاتور مثل الكاتب فيدعي حصوله على تأييد الآلهة أو الجن أو روح الشعب أو العرق، لكن ليس بوسعه أن يعيش اليوم ويحكم في الماضي (كان يا ما كان) ولا أن يعيش هنا ويحكم في بلاد العجائب. وبسقوط هذا الشرط الضروري لخلود النص العجائبي يسقط الديكتاتور الذي يتوهم اقتناع المتلقين بنصه لسنوات تطول أو تقصر، ولابد أن تكون نهايته عجائبية من جنس حياته.
وربما يسعد هواة التميز من العرب أن يكون القذافي أعجب ديكتاتور في القرن العشرين. وقد تمكن خلال سنوات حكمه الأربعين من تحويل ليبيا من مملكة إلى جمهورية ثم إلى خيال. الرئيس ليس رئيسًا (هو أخ) ووزير الخارجية هو مجرد أمين والمحكمة في الشارع، فهذه جماهيرية والحاكمية فيها للشعب المحكوم بالخوف.
وعلى الرغم من وجود تليفزيون في ليبيا يبث الصور، ووجود كتاب روائيين وبضعة معارضين في الخارج، كان ظل العجائبي كثيفًا حتى أخفى الواقعي، وعندما تواترت أخبار القمع الدموي للثورة على القذافي وتضمنت التقارير معلومات عن ضحايا من الأطفال كان الأمر غير قابل للتصديق: هل في ليبيا أطفال؟!
تلقى القذافي مكافأته على حكمه العجائبي بميتة أكثر عجائبية من ميتة كاليغولا، وانفردت ليبيا بين دول الربيع العربي بقتل ديكتاتورها، لكنها ـ ككل دول الربيع ـ لم تخسر الديكتاتور. خسرت العجائبية فحسب، وبالأحرى تركتها تعبر شرقًا لتعيش وتعيث في مصر.
في كل بلاد الربيع قفز الاستبداد من الشباك والتف حول الدار ودخل من أوسع الأبواب. في اليمن لا يمكن رؤية التغيير بالعين المجردة، بقي النظام وذلك أفضل جدًا من التغيير الذي جرى لصالح الإسلام السياسي في تونس والإسلام العجائبي في مصر. هل يعد هذا التغيير سخرية من بلد يعاني تاريخه الأدبي والفني من فائض الفكاهة، أم هو لطف القدر بالربيع العربي أن تحل الديكتاتورية العجائبية ببلد يعرف كيف يتعامل مع العجائب وكيف يبطل سحرها؟
كانت ثورة 25 يناير في مصر الثورة العربية الوحيدة التي وجدت أغنياتها جاهزة قبلها. صدحت مكبرات الصوت بصوت عبدالحليم حافظ في أغنية ‘صورة’ رائعة صلاح جاهين التي بدت كما لو كانت مكتوبة لميدان التحرير خصيصًا: ‘واللي هيهرب م الميدان عمره ما هيبان في الصورة’ وكان تراث الانتفاضات السابقة حاضرًا بصوت الشيخ إمام وأشعار أحمد فؤاد نجم وكوكبة من الشعراء، غير عشرات الأغنيات التي تمجد مصر وشعبها.
ولكن الأكثر تميزًا في الثورة المصرية كان الفكاهة التي تسخر من ديكتاتور يعاني نصه من كل بلادة الواقعية المفرطة. أراد الشعب الفكاهة واستجاب القدر ة واختار له من بين كل فصائل الإسلام السياسي، ذلك النوع العجائبي الذي لا يستدعي سوى تلبيسات القذافي في مسوح إسلامية. احترام للقضاء في اللغة وتنكيل في الواقع، تمثيل للثورة في اللغة وضربها في الواقع، تمجيد شهداء الثورة في اللغة إلى حد انتاج المزيد منهم في الواقع، ونهضة خيالية لا يراها سوى الحكم العجائبي المتعدد الرؤوس، ولا يكشفها سوى السد الإثيوبي الذي يسخر منها بحمله الاسم ذاته، فهو ‘سد النهضة’ الذي يكشف مسخرة النهضة المصرية.
وعلى الرغم من النسخ الأمين لعجائبية القذافي طوال عام من الحكم الجديد في مصر إلا أن خياليته لم تبد كما بدت في فوضى وعامية الاجتماع السري المبثوث على الهواء مباشرة، بكل ما تضمنه من تهديدات وخطط مضحكة منحت إثيوبيا البشرى بطول السلامة، لكنها هددت بمحو كل تاريخ القذافي في الحكم العجائبي، وأما النهاية التي لم تكتب بعد فلن تكون إلا عجائبية هي الأخرى.

Email this page