أقنعة الغول السياسي البريطاني

د. مصعب قاسم عزاوي

Apr 28, 2016

لطالما وصف بسمارك صانع الدولة الألمانية الحديثة، وموحد فرقائها، أنداده البريطانيين بأنهم «مثال ناصع للرياء الذي لا ينقطع»؛ وهو وصف يرى بعض عقلاء الإنكليز المعتّم عليهم إعلامياً بصدقيته، كما هو حال الكاتب المسرحي البريطاني آلان بينيت، الذي وصف أمة الإنكليز بأنها «أمة الرياء الصارخ والمعايير المزدوجة».
تلك مقدمة لازمة لتعرية أقنعة الغول السياسي البريطاني، الذي أطلّ بهامته الدميمة مؤخراً في ثلاثة مفاصل لابدّ من الوقوف عندها للتفكر في عمق الرياء السياسي البريطاني الذي لازال يثقب آذان البشرية بتشدقه الذي لا ينقطع بإيمانه والتزامه بالدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي، وإنصاف المظلومين. أول تلك الأقنعة يتعلق بالزيارة الخاصة التي قام بها عضو البرلمان البريطاني ديفيد ديفيس منذ أيام قليلة إلى سوريا بصفته الرسمية، وبتاريخه العريق كوزير سابق، ومرشح سابق لرئاسة حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا، ليلتقي ببشار الأسد، ويعود بنتيجة ذلك اللقاء لتسويق ما مفاده حرفياً بأن «الرئيس الروسي بوتين أكد للأسد شخصياً أنه لن يترك الحكومة السورية لتهزم في الحرب الأهلية السورية»، وأن كل ما ظهر من انسحابات عسكرية روسية من سوريا ما هو إلا إجراءات تكتيكية لا تغير من جوهر الموقف الروسي الثابت في دعم النظام السوري. ومن ثم ليخلص البرلماني البريطاني المخضرم بمنطق غرائبي فريد إلى نتيجة مفادها بأن النتيجة الوحيدة الممكنة التحقق سياسياً وواقعياً هي «انتصار النظام السوري»؛ وهو ما يقتضي من الساسة الغربيين والبريطانيين خصوصاً اتباع «سياسة إقناع اقتصادي لنظام بشار الأسد تتمثل بمشروع مارشال في سوريا»، في إشارة إلى مشروع إعمار ألمانيا الذي قادته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية. وهو ما استفاض في تفسيره، بحيث يكون تقديم الدعم الاقتصادي للنظام السوري مقدمة للطلب من الأسد بتحويل نظامه إلى «نظام متحضر» يعيد الأمن والاستقرار إلى سوريا! نعم إنه حديث سياسي بريطاني مخضرم يشي بزئبقية، ولا مبدأية السياسة البريطانية، التي لم تر في وجود الاتحاد السوفييتي بكل ثقله في أفغانستان في ثمانينيات القرن المنصرم عقبة تستدعي أي تعقل سياسي، وقبول بما أراده السوفييت آنذاك. وعلى العكس من ذلك كان لابد حينئذٍ من تصنيع المجاهدين الأفغان وتدريبهم وتسليحهم، للانقضاض على الحكومة الأفغانية المدعومة سوفييتياً، ومن ثم بعد ذلك تركهم على أعنتهم للهجرة من أفغانستان والانقضاض على العرب والمسلمين جميعهم من إسلام آباد وحتى نواكشوط. وهي معادلة لا يستقيم القيام بها راهناً في سوريا وفق المعايير المزدوجة للغول السياسي البريطاني، حيث كان لابد من منع كل الدعم العسكري عن الشعب السوري المنتفض، وتركه وحيداً لا خيار له إلا أن يصبح فريسة لكل المتطرفين الذين تم تصنيعهم مسبقاً، وبرمجتهم ذهنياً، وعسكرياً، سواء في أفغانستان بمعرفة مباشرة من سادتهم الإنكليز، وأحفادهم الأمريكان، أو في العراق عبر غض النظر عن نموهم السرطاني في الهشيم العراقي، وكان توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق من دبر وسوق منهجية تدمير العراق وطناً وشعباً.
وحديثنا عن توني بلير يقودنا لما تشدّق به مؤخراً بقوله حرفياً بأن هناك «الملايين من المسلمين المتناقضين بشكل عميق مع العالم المتحضر». حديث عنصري يكاد لا يخجل قائله من بشاعته الراسخة تاريخياً في وجدان جميع الأمم التي احتز البيضُ رؤوسَ سكانها الأصليين، بحجة كونهم بشراً بدائيين لا سبيل إلى تحضرهم سوى إبادتهم جماعياً، كما فعل أجداده في قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية، وأستراليا ومناطق شاسعة من أفريقيا وشبه القارة الهندية. وهي الحجة نفسها التي تم تنميقها بعد انكشاف زيفها حينما عرف العالم حجم الكذبة الكبرى التي طبخها توني بلير نفسه حول أسلحة الدمار الشامل الواجب تجريد العراق الجريح منها، فأصبحت بعد ذلك «ضرورة نشر الديمقراطية» التي أنتجت فيما أنتجته في العراق، التنظيم الداعشي، ودولة فاشلة يقودها أمراء حرب، وفساد وإفساد طائفي مافيوي تم تصنيع وتدريب الكثير من رموزه في لندن قبل تصديرهم للقيام بمهمة نشر الديمقراطية على الطريقة البريطانية في العراق.
ويأتي تبجح توني بلير صاحب الرسالة التدميرية المقدسة في «الديمقراطية والتحضر» في سياق تراجيدي يظهر منه عدم اكتراثه الواعي برؤية يديه الملطختين بدماء الملايين من أبناء العرب والمسلمين الذين لم يتح لهم إثبات تفوقهم الحضاري، بسبب ما جلبه عليهم هو وأسلافه من سادة الرياء الكوني من أمثال مارك سايكس، وآرثر بلفور، ووينستون تشرشل! والمفصل المخزي الثالث الواجب التوقف عنده هو موقف الحكومة البريطانية رائدة الدفاع عن حقوق الإنسان، الذي كشفه الصحافي جون ستون مؤخراً في صحفية «الإندبندنت» حول قيام وزارة الداخلية البريطانية بالترحيل شبه السري لمئات الأطفال من اللاجئين في بريطانيا عقب بلوغهم سن الثامنة عشرة، والذين بلغ عددهم 445 طفلاً خلال عام 2014 فقط، حيث تم ترحيلهم إلى أفغانستان، العراق، سوريا وليبيا، حسب الأبحاث التي نشرها مؤخرا مكتب الصحافة الاستقصائية في بريطانيا، بدون الاكتراث بما قد يحل بهم عقب ترحيلهم إلى أوطانهم المشتعلة. نعم هو عود على بدء في ملحمة الرياء التاريخي للسياسة البريطانية، التي لا تكل في تشدقها على البشرية جميعها بضرورة احترام القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والتي ليست في حقيقة الأمر سوى ذر للرماد في العيون لإشاحة البصر عن حقيقة السياسة الإمبريالية الراسخة تاريخياً في جوهر منهج صناعة القرار السياسي البريطاني التي تستند إلى جوهر عنصري بغيض يرى الكون ببشره وموارده حقاً طبيعياً له يستبيحه متى وكيفما شاء؛ ولابد من قبول البشر المقهورين جميعاً بأن ذلك الحق العنصري المقدس هو من مُسَلَّمات العالم المتحضر، التي بشرنا بها بلير باستخدام أقنعة شعارات نشر الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، التي ليست في جوهرها سوى أقنعة رياء تزويقي لإخفاء الوجه البربري المتوحش لغول سياسي منفلت من كل عقال لازال يفتك بالبشرية، ومقهوريها منذ مطلع الثورة الصناعية ولم يشبع من دمائهم بعد.

٭ كاتب سوري

د. مصعب قاسم عزاوي

- -

2 تعليقات

  1. بريطانيا أساس المصائب في بلادنا العربية والإسلامية
    فمن أعطى فلسطين للصهاينة ؟ ومن أعطى إقليم الأحواز للشاه ؟
    ومن تخلى عن حماية جزر الإمارات الثلاث لتحتلها إيران بتواطئ ظاهر ؟
    ومن قطع الشام إلى أربعة ؟ ومن فصل السودان عن مصر ؟ ومن ومن ومن
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. ماذا قال الشاعر العربي، وهذا ايس جلدا للذات،
    نعيب زماننا والعيب فنيا*** وما لزماننا عيب سوانا
    وليس الذئب يأكل لحم ذئب *** ونأكل بعضنا بعضا عيانا
    ونهجو ذا الزمان بغير ذنب *** ولو نطق الزمان بنا هجانا

    فعلا، أثنّي على ما قاله بسمارك.
    Yes British politicians are a pure example of chronic hypocrisy.
    And a nation of blatant hypocrisy & of double standards

    ولك جزيل الشكر يا دكتور مصعب على هذا المقال التوضيحي الرائع.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left