المظاهرات في تركيا: تنفيس أم قاطرة تغيير؟

صحف عبرية

المظاهرات التي بدأت في ميدان تقسيم في اسطنبول وانتشرت منذئذ الى بؤر اخرى في الدولة، هي أحد التطورات الاكثر اثارة للاهتمام في تركيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية الى الحكم منذ أكثر من عشر سنوات. وبينما لا يزال صعبا ان نرى سيناريو تؤدي فيه هذه المظاهرات الى اسقاط رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، فانها كفيلة بان تشكل عائقا في وجه مساعيه لتغيير مؤسسة الرئاسة في تركيا، تمهيدا للانتخابات المباشرة للرئاسة في 2014، التي يعتزم التنافس فيها.
عمليا، تخوف بعض من الجمهور التركي من ‘رئيس قوي’ على نمط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هو بين عناصر الخلفية لاندلاع المظاهرات في الوقت الحالي. وفي منشورات وزعت اثناء المظاهرات جاء: ‘هذا ليس بسبب الحديقة، هذا بسبب استغلال القوة السياسية، هذا بسبب الرقابة على وسائل الاعلام، هذا بسبب عدم نيل الاقليات حماية الدولة، هذا من أجل الديمقراطية’.
مجموعة مركزية في المظاهرات، هم العلمانيون. ففي اوساط العلمانيين يوجد تنوع واسع من التيارات الايديولوجية: يمكن ان نلاحظ مثلا الليبراليين، الشيوعيين والكماليين المحافظين. وبالنسبة لمجموعة الشباب الليبراليين فان هؤلاء الشباب لا يشعرون فقط بعداء متزايد لحزب العدالة والتنمية، بل ويشعرون بانه ليس لهم عمليا من يمثلهم. وهم يعربون عن النفور من المواقف القديمة لحزب الشعب الجمهوري (الحزب الذي أسسه اتاتورك)، وهم لا يتماثلون مع المواقف القومية لحزب العمل الوطني. محفل مهم آخر يشارك في المظاهرات هو الاقلية العلوية التركية، التي تقدر بنحو 15 في المئة من السكان. هذه الاقلية التي لديها شكاوى تاريخية ضد الاغلبية السنية، تشعر بالاحباط في الزمن الراهن. والامر ينبع من انه حسب فهمهم، عملية التقارب مع الاكراد طمست حقوقهم. وتعبير رمزي عن موقف الحكم من هذه الاقلية، هو حقيقة ان الاسم الذي اختير للمشروع الطموح المتمثل ببناء جسر ثالث فوق البوسفور، هو السلطان سليم الاول، الذي اشتهر ضمن امور اخرى بضرب العلويين. فضلا عن ذلك، فان العلويين الاتراك غير راضين عن السياسة التركية بالنسبة لما يجري في سورية، والموقف المتصلب تجاه نظام بشار الاسد. كما يوجد في المظاهرات أيضا حضور للاقلية الكردية، وان كان بشكل نسبي في جنوب شرق الدولة هادئ. من يبدون كمن ‘يجلس على الجدار’ هم اولئك المتماثلين مع حركة غولان (حركة مجتمع مدني ذات لون ديني اقامها الداعية فتوالله غولان ولها بضعة ملايين من المؤيدين)، ممن هم غير راضين عن ميول الحكم المطلق المتزايدة لدى اردوغان. ومن جهة أخرى فان الكثير من المؤيدين لهذه الحركة هم من جمهور ناخبي حزب العدالة والتنمية. ومن تغيب حتى الان سواء عن الموقف من الاحتجاج في الشبكة الاجتماعية أم في الميدان، هو الجيش التركي. وليس هذا مفاجئا في ضوء العملية التي بادر اليها وحققها اردوغان في السنوات الاخيرة، تعطيل الجيش التركي كلاعب سياسي. في هذا السياق تجدر الاشارة الى ان المتظاهرين في الميدان، في معظمهم، لا يريدون مرة اخرى تدخل الجيش. ومع ذلك، في المنظور التاريخي يمكن لهذا بالتأكيد ان يشكل سابقة في ضوء أن عدم الاستقرار السياسي في الماضي كان احد الدوافع الاساسية لتدخل الجيش.
احدى المشاكل الاساسية في تركيا في السنوات الاخيرة هي الرقابة الذاتية للصحف في اعقاب اعتقال الكثير من الصحافيين في الدولة، وكذا الضغط الذي يمارسه حزب العدالة والتنمية على محافل الاعلام التي لا تسير في خط الحكومة. وهكذا فقد كانت الشبكات الاجتماعية، التي تحظى ايضا على اي حال بالشعبية في اوساط الجمهور التركي (32 مليون مستخدم رسمي في الفيسبوك ونحو 10 ملايين في التويتر، بالنسبة لعدد من السكان يبلغ نحو 74 مليون نسمة) هي التي شكلت أداة مركزية لانتشار المظاهرات والزخم الذي حققته. وقبل المظاهرات انطلق انتقاد للصحافة التركية، ولكن سلوكها في اثناء المظاهرات (وكذا سلوك الشرطة) وصف في الشبكة بانه ‘خيانة’. وبالنسبة لمسألة ما الذي أدى الى الاحتجاج الاجتماعي، فان الحديث البارز في الشبكة كان ان موجة الاحتجاج الاجتماعي هي رد عفوي وعاطفي على رد فعل الشرطة العنيف والقمعي.
فاستخدام الغاز المسيل للدموع، خراطيم المياه ووسائل عنيفة اخرى لتفريق المظاهرات كانت فقط جزءا من الاساليب التي استخدمتها الشرطة لتفريق مظاهرة مدنية، لم تكن عنيفة في طابعها. وتصاعد رد الفعل المتسلسل كنتيجة لادارة فاشلة للحدث وصعوبة النظام في الاحتواء والسيطرة على مستوى اللهيب، بل ان الوضع تفاقم حين كان واضحا ان وسائل الاعلام الرسمية والتقليدية مجندة في صالح النظام. ومع اندلاع الاضطرابات، واصلت كل شبكات التلفزيون الرسمية سياسة البث المحدد. ولم يحظَ الاحتجاج الاجتماعي بتغطية مناسبة ولم تمنح منصة اعلامية رسمية لصوت الاحتجاج باسماع ذاته، بل تعاظم الاحباط حين انحصرت التغطية، التحليل والتوثيق للاحتجاج على نحو شبه مطلق بالشبكات الاجتماعية. ويمكن ان نتعرف على خوف السلطة من تأثير الشبكات الاجتماعية من خلال اعتراف شركة الهواتف الخلوية التركية الرائدة، توركسال، بانها تعرضت للضغط في أول يوم للمظاهرات الكبرى لتقييد الخدمة في منطقة ميدان تقسيم، وكذا تصريح اردوغان العلني في أن التويتر مليء بالاكاذيب.
مشوق الموقف سواء من وزير الخارجية التركي، احمد داود اوغلو أم الرئيس التركي عبدالله غول من ‘المس المحتمل بصورة تركيا’ في اعقاب المظاهرات. ويمكن أن نفهم هذه التصريحات في السياق العام لمحاولة تركيا تحقيق نفوذها في المناطق المجاورة لها من خلال ‘القوة الرقيقة’ وفكرة ‘النموذج التركي’. يمكن أن نقدر مع ذلك ان ليست المظاهرات هي التي تمس بصورة تركيا، بل شكل قمعها. وبشكل أكثر تحديدا يمكن أن نفهم تصريحات المسؤولين الاتراك هذه على خلفية حملة اسطنبول لان تكون مضيفة الالعاب الاولمبية 2020. وفي ضوء أن القرار عن المدينة الفائزة سيحسم في ايلول/سبتمبر، فالتقديرات هي أنه في اعقاب المظاهرات فرص اسطنبول باتت اقل.
احتمال تحول المظاهرات الى ‘ربيع تركي’ تكون نتيجته اسقاط الحكم، يبدو كما اسلفنا صغيرا. فالكثيرون في الشبكة يشددون على أن تقسيم ليس ميدان التحرير والرئيس التركي ايضا قال انه يجب أن نرى المظاهرات كمظاهرات تشبه حركة ‘احتلال وول ستريت’ اكثر مما تشبه الهزة في العالم العربي. خطأ هو ايضا رؤية ما يحصل اليوم في تركيا فقط بتعابير الصراع بين العلمانيين والمتدينين. وحتى لو كان العلمانيون هم الذين يقودون المظاهرات، فان آخرين في الجمهور يتماثلون مع قسم من الانتقاد الذي ينطلق على سلوك اردوغان، ولهذا فان المظاهرات الحالية هي بالتأكيد اشارة تحذير لحكم حزب العدالة والتنمية.
في الشبكة يدعون بان انفجار المشاعر الشعبية سيكون له تأثير استراتيجي على الخريطة السياسية لتركيا. ويؤمن الكثيرون بان ما بدأ كاحتجاج اجتماعي عفوي يجب أن يترجم الى عمل سياسي منظم، وانه رغم ان لهذا الاحتجاج وجوه عديدة فليست له قيادة. رغم اليافطات التي رفعت في المظاهرات ودعت الى استقالة اردوغان، واضح أن اغلبية المتظاهرين معنيون اولا وقبل كل شيء بلجمه ولجم بعض خطواته التي اعتبرتها مجموعات واسعة من الجمهور خطوات غير ديمقراطية.

غيلا ليندنشتراوس ـ اوريت بارلوف وتيمور سئيتوف
نظرة عليا 12/6/2013

Email this page
Share on Facebook