رحيل الكاتب السوري ياسين رفاعية… حكّاء الحزن

توفي عن عمر 82 عاماً وله 25 عملاً

May 24, 2016

باريس ـ صهيب أيوب يسجل غياب الأديب السوري ياسين رفاعية نقطة فارقة في عالم القصة القصيرة، فالأديب الذي رحل أمس في بيروت عن عمر الـ82 عاماً، كان من أبرز الأصوات العربية في كتابة القصة، وخط مع رفيق دربه زكريا تامر، ما يعرف بـ«القصة السورية» الحديثة.
وعلى اختلافهما في الأسلوب والطرح، إلا أنهما كانا يؤسسان لأدب سوري طليعي، يخرج من عباءة التقليد.
ويبدو تقاطع موت رفاعية، في ظروف مأساوية يعيشها بلده الأم، يلزم بشيء من النقد إعادة إنتاج موروثه، الذي لم يخرج عن كلاسيكيته، إلا أنه لم يضمر حجم المهانة والذل والاستبداد للفرد العربي، والسوري على وجه الخصوص. وعلى الرغم من تعايش رفاعية، مع هموم لبنان، بعد انتقاله للسكن في بيروت، إلا أن الهم السوري لم يفارقه لغة وإنتاجاً. وكانت شخوص رواياته وقصصه آتية من هناك. وما آخر أعماله الروائية، «سوريو جسر الكولا»، إلا ترسيخ لهذا البدء. فهو حمل في لغته أيضاً، مشقة الموت. كأنه تماه أصيل لما يحدث اليوم.
ولزوم هذه القراءة لا بد من مرورها على أعماله الصحافية أيضاً. فهو تميزّ بإجراء مقابلات طويلة مع أهم الأدباء والكتاب من مجايليه. وشكل بيته في شارع الحمراء البيروتي، مكان التقاء لأدباء وشعراء سوريين وعرب، ساهمت دور النشر البيروتية وصحافتها في انتشارهم، قبل أفول هذا الدور وتراجعه. ولا تبدو تجربة رفاعية، على توسعها، الا تأكيداً على تفرده. فهو انتقل من حرفة «فران» في أحد أحياء دمشق القديمة، إلى الكتابة، بشكل دراماتيكي. بدءاً من النشر في صحافة سورية ولبنان، ووصولاً إلى نشره مجموعته الأولى «الحزن في كل مكان» (1960)، التي دفعت باسمه دفعاً إلى عالم النشر والصحافة. وكانت هذه المجموعة محاولة سردية، أكثر منها إتقانا لتقنيات القصة، التي عبّر بلغتها عن أحزان جيله وخيبات مجتمعه وأفراده. لكنها كانت تنبوءاً بأحزان الفرد العربي، ومشقاته.
وخاض رفاعية مذاك الوقت، في الحزن وسردياته. لكنه انتصر دوماً للفرح. وعلى الرغم من عذابات طفولته، وعمله المبكر في أشغال قاسية، إلا أن هذه الفجوة الشخصية كانت دافعاً في عوالم كتابته، وأسيرتها. فتعامل مع الذكريات ووظفها في الكتابة، على أنها تجاوز لليأس، وفعل حياة.
وأصدر بعد سنتين عمله الثاني «العالم يغرق»، ثم مجموعة «الرجال الخطرون» (1979)، التي اتخذت لغتها صوتاً يدين الاستبداد السلطوي عبر السرد المباشر. واستخدم فيها رفاعية الحكاية للرفض، إلا أن المرحلة الفاصلة في مسيرة الكاتب، هي مجموعة «العصافير»، التي كرست اسمه في القصة القصيرة، كرائد من روادها. وكتب عنها أبرز النقاد، ومن بينهم الراحل جبرا إبراهيم جبرا، فقال إن «العصافير من أجمل وأبدع ما قرأت منذ زمان. أصيلة. عميقة الإنسانية. فاجعة. مفرحة. تترك أثراً معقداً وطيباً في النفس كأحسن الشعر».
وبعد مجموعته الأولى تحول رفاعية إلى صحافي ومحرر أدبي، وشغل منصب سكرتير تحرير لمجلة «المعرفة»، ومن ثم مديراً لمكتب صحيفة «الرأي العام» الكويتية في بيروت. وأسس مجلة «سامر» للأطفال وترأس تحريرها لسنتين. وتزوج من الشاعرة أمل جراح (1945 ــ 2004) التي ترك رحيلها أثراً بالغاً في نفسه حاول مداواته بغزارة كتابية حتى أيامه الأخيرة.
وعلى الرغم من احتفاظ رفاعية، بكلاسيكية مفرطة في تقنيات السرد، إلا أنه استطاع أن ينتج أعمالاً أقل ما يقال عنها أنها لم تخسر دهشتها. وبالعكس بقي رفاعية، في محاولته الحثيثة في ترسيخ فن القص، يواظب على نقل القارئ إلى عوالم كثيرة وأمكنة وشخوص، بلغة سلسة وبسيطة. وكما في القصة، كذلك في الرواية، تعامل رفاعية مع التقنية بانتقال سارد متين. له مفرداته وغضبه ومشاعره المختلطة. ومن هذه الروايات «أهداب» و«ياسمين» و«حياة من خرم الإبرة» (2016) و«أول قبلة أول حب»، وبعض هذه الأعمال ألهمته بها الحرب اللبنانية.
ولم تنحصر تجربة رفاعية في القص والرواية، بل تعامل مع الشعر بعفوية العاشق. فأصدر عدة مجموعات شعرية، ومنها «جِراح» و«حب شديد اللهجة» و«أحبك وبالعكس أحبك». وكلها كانت أعمال مغمورة، لم تلق رواجاً لوفرة رومانسيتها، وتأثرها بلغة رفاعية الأولى وانتماء خطابها الى جيل الستينيات.

رحيل الكاتب السوري ياسين رفاعية… حكّاء الحزن
توفي عن عمر 82 عاماً وله 25 عملاً
- -

1 COMMENT

  1. رحيل رفاعية خسارة للقصة العربية الحديثة. فقد كان في طليعة رعيل الستينات مع زكريا تامر للخروج و نفي الأطروحة السابقة الواقعية التي قادتها جماعة رابطة الكتاب السوريين. لا شك أن اسمه يرتبط بكل جديد و ما بعد جديد. و تغربه ثم عودته قسمت شخصيته إلى قسمين/ أبيض و أسود . المغفرة و السلوان لسوريا الحزينة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left