غازي عنتاب ـ «القدس العربي»: لا تعجب إذا جمعتك صدفة بأحد الفنانين السوريين المبدعين، وقال لك إنه لا يعمل شيئا، أو أنه يبحث عن عمل ما وإن كان جهدا عضليا فهذا هو حال كثير من الفنانين السوريين في تركيا.
أحمد شكري من المنشدين المعروفين في مدينة حلب، قدّم الكثير من الأعمال الغنائية، منها «النوبات الأندلسية» و»الموشحات»، وكان من المنشدين المعروفين في البلاد، ففي أرشيف التلفزيون السوري سابقا أناشيد كثيرة له، وغنى جميع القوالب الغنائية، وأهمها «القدود الحلبية» و«المدائح المولوية»، وشارك في كثير من الحفلات في الخارج، أما في تركيا فقدم أغنية بعنوان «شكرا تركيا أم الإنسانية) بالإضافة إلى حفلاته في قونية وباقي الولايات التركية.
يقول أحمد شكري لـ «القدس العربي»: اللغة هي العائق الأساسي في حياة الفنان في تركيا، ورغم ذلك حاول الفنان السوري تجاوزها بشق النفس، استطعنا أن نحاكي المجتمع التركي، وأن نصل لقلوبهم ونعمل شيئا قريبا منهم ومن ثقافتهم، كما استطاع الفنان السوري أن يغير كثيرا من الأفكار، التي كان يتبناها الشعب التركي تجاه السوريين، وكل ما يتمناه الفنان السوري هو أن يجد عملا، ليجعله متعايشاً مع واقعه الجديد، والآن نعمل على إيجاد غرفة أو تجمع يجمع الفنانين السوريين المتواجدين في تركيا، حيث يضم هذا التجمع الموسيقي والمنشد والمطرب والرسام، ولكن دون جدوى بسبب انشغال الفنانين بأعمال بعيدة جداً عن مهنهم التي اتقنوها وعاشوا من أجلها استجابة منهم لضغوطات الحياة.
ويضيف شكري: «عملت في تركيا في حقل الابتهالات الدينية التي يسمونها الاخوة الأتراك بـ ( الإلهيات) فالأتراك استقبلوا السوريين جميعا ومن ضمنهم الفنانون، لكن فرص العمل قليلة جدا بل معدومة للفنانين هنا، والأجر زهيد، ولا يسد رمقا ولا يكفي لتغطية حاجات البيت».
ويتابع قائلا: «إن مؤهلاتي وأرشيفي الفني معروف يدل على عملي السابق والحالي وقدرتي وإلمامي بالفن والتراث وجميع ألوان الغناء العربي الأصيل، وهذا كله لا يشفع لي ولا للأخرين، وما زلت إلى الآن أسأل وأستفسر وأبحث عن عمل ولم أجد، وكذلك أصدقائي الفنانون أيضا فكثير من الموسيقيين يعملون في مجال البناء، ومنهم من يعمل في الجلديات، وأحد أصدقائي يعمل نادلا (كرسونا) في مطعم، وكثير منهم يعزف مقطوعاته على الأرصفة ليأتي أحد ويتبرع له ببضع ليرات من أجل لقمة العيش».
ويستطرد: «نحن نفتقد لكثير من حقوقنا فلا عمل ولا حتى مكان نستطيع من خلاله أن نعبر عما يجول في داخلنا كباقي البشر، فهناك الكثير من الفنانين دون عمل، والمعروف عن الفن هو الحب والعطاء ورؤية الناس بعيون جميلة توهب لهم البقاء والاستمرار في الحياة والفرح، يجب أن يستمر الفنان بعمله، ولكن لا يستطيع في هذا الواقع، ومع هذه التحديات التي تواجهنا كفنانين سوريين، فالفن هنا مختلف كثيرا عما كنا عليه في سورية، بسبب اختلاف العادات والتقاليد واللغة، وما اصطدمت به شخصياً في بلاد المهجر جعلني أيأس من هذا الواقع، فأنا مثلا لا أستطيع أن أقوم بعمل عضلي لأن سني لا يساعدني على العمل والشقاء كحال الشباب فأنا أمثل الكثير من الفنانين غير الراضين عما يجري، وأقول إن ما آخذه من أجر لا يسد الرمق ولا يعطي للفنان حقه، ولكنني مجبر على العمل بأجر ضعيف جدا، وذلك بسبب الحرب على أرضنا وهي تصفية مصالح لا ذنب لنا بها ونحن من يدفع الثمن».
وتأكيدا لما قاله الفنان أحمد شكري، أضاف فنان الكاريكاتير وهيب الحسيني أن تركيا «مشكورة على ضيافتها للسوريين الوافدين، ولكنها غير معالجة لأحوالهم، فقد شاهدت بنفسي الكثير من الفنانين يتضورون جوعاً وليس لديهم مورد ولا رعاية ولا أي تجمع يستطيعون من خلاله إيجاد حل لظروفهم القاسية، فهم لا يملكون إلا موهبتهم ولا يجدون من يحتضنهم ويستفيد من إمكانياتهم الكبيرة، وطالما هي ضمن إطارها العام ونقدها الذاتي البناء وصدق نواياها التي تدفع إلى المصلحة والتنمية للبلد وعدم التجريح والفتن في البلد المضيف. أضيف لذلك أن الفنانين في جميع أصنافهم وأنشطتهم المفيدة أراها معدومة في تركيا بسبب القوانين التي أصبحت تكبل هذه الأنشطة وليس لها مجال للتعبير إلا بإذن ممنوح وليس هناك من يمنحها هذا الإذن بحجة الحفاظ على الأمن الداخلي».
أنور مشاعل