العراق: ‘استوديو التاسعة’ فضح للفساد او مجرد تنفيس للغضب!

هيفاء زنكنة

اذا كان للمسلسلات التلفزيونية وبرامج الفزورات والطبخ ومسابقات الأغاني والرياضة، جمهورها الملتصق بشاشة التلفزيون، سواء في العراق أو بقية دول العالم، فان للجمهور العراقي، اضافة الى ذلك قائمة برامج، لا نظير لها، تبث عبر القنوات المحلية والفضائية المختلفة. فمن نشرة اخبار الكهرباء (قناة الشرقية) التي يتم فيها توضيح عدد ساعات تجهيز التيار الكهربائي يوميا وعلى غرار نشرات الانواء الجوية المعتادة في ارجاء العالم، الى برامج عرض المعتقلين بعد تعذيبهم (قناة العراقية الرسمية)، وهم يرتدون زي معتقل غوانتانامو البرتقالي، للاعتراف بـ ‘جرائم الارهاب’.
ما يستقطب المشاهدين، هذه الايام، برنامج اسمه ‘استديو التاسعة’. يبث البرنامج، في الساعة التاسعة مساء، حسب توقيت بغداد، عبر فضائية ‘البغدادية’، ومقرها القاهرة، كما هي قناة ‘الرافدين’ وقنوات أخرى. يقدم البرنامج صحافي شاب يدعى انور الحمداني. وتستند فكرة البرنامج على استضافة مسؤول حكومي او نائب في البرلمان او سياسي أو ‘مفكر’ كما وصف الكاتب حسن العلوي مرة. وبينما استضاف البرنامج في بداياته بعض ‘زعماء الكتل’، مركزا على الساسة وطرح الاسئلة عليهم باسلوب الاستجواب السريع المتلاحق الا ان عدد الساسة تناقص، في الآونة الأخيرة، مع حصول مشادات مع البعض، كما حدث مع النائب عزت الشابندر يوم 19-03-2013. واستهجن بعض الضيوف، من غير الساسة، اسلوب الحمداني في مقاطعتهم واستجوابهم، مذكرين اياه بانهم ليسوا ساسة ليتعامل معهم بذات الاسلوب الهجومي، كما حدث عند استضافة الشيخ جواد الخالصي ومفتي الديار العراقية الشيخ رافع طه الرفاعي، بخصوص الخطاب الوحدوي لعلماء الأمة. ولم تخل حلقات البرنامج من انسحاب ضيف احتجاجا على اسلوب الاستجواب والمقاطعة كما تم يوم الرابع عشر من كانون الاول 2012، اثناء حلقة خصص الجزء الاول منها لمناقشة دور المرجعيات الدينية في العراق.
وبينما كان الحمداني يستضيف اثنين او ثلاثة ضيوف في كل حلقة، بداية، تناقص عدد الضيوف الى واحد في الاسابيع الاخيرة مع تغيير في هيكلة البرنامج. حيث بات القسم الاول منه يغطي بعض الاخبار او تصريحات بعض المسؤولين المنتقاة كرئيس الوزراء نوري المالكي او المسؤول عن الكهرباء حسين الشهرستاني واعادة تقديمها بشكل ساخر، يسقط، احيانا، في مطب السماجة، أما لفرط التكرار او بسبب تقديم لقطات تمثيلية باعتبارها واقعية، كما حدث مع عرض لقطات لمعلمين يغنون في الصف على ايقاع دفوف الطلاب (12 حزيران/يونيو 2013).
باستثناء هذا التغيير الطفيف، لايزال الجزء الثاني من البرنامج مكرسا لاستضافة احد المسؤولين او النواب مع التركيز على فضح ملفات الفساد استنادا على عرض الوثائق ذات العلاقة. وفي الوقت الذي لا يزال فيه الجمهور يتابع البرنامج واسئلة الحمداني المستفزة باسلوب ومفردات باتت جزءا لايتجزأ من هوية البرنامج مثل ‘اسألك بالله عليك’ و’أخبرنا للحقيقة والتاريخ’ و’انت امام الشعب العراقي’، و’نقطة نظام’، الا ان الحلقات الأخيرة، شهدت تراجعا في امكانية اقناع الجمهور. ولأننا ازاء برنامج جديد في نوعيته على الجمهور العراقي، فان الاسئلة التي تتبادر الى الاذهان هي: لماذا شعبية البرنامج اساسا؟ ما الذي حققه البرنامج حتى الآن؟ وماهي امكانيات تطوره مستقبلا؟
علينا اولا الاشارة الى ان ‘قناة البغدادية’، عانت كما العديد من القنوات، من قرارات النظام العراقي باغلاق مكاتبها في العراق، بين الحين والآخر، وحسب تفسير المسؤولين لمفهوم ‘حرية الرأي والصحافة’. الا ان وجود مقرها الرئيسي خارج العراق منحها فسحة من الحرية غير متوفرة لقنوات اخرى. ثانيا، هذه الفسحة تمت الاستفادة منها في خطاب ‘استديو التاسعة’، وان لم يخرج كثيرا عن الخطاب العام للقناة الذي يطغي عليه موضوع سوء الخدمات او انعدامها والمطالبة بتحسينها. واضاف اهتمام البرنامج بموضوع الفساد المالي والاداري والسياسي، واسلوب الحمداني في استنطاق الساسة والمسؤولين، الى البرنامج في بداياته بعدا جديدا، وهو: المطالبة بكشف اسماء الفاسدين من الساسة والنواب، ومطالبة الحكومة بمساءلتهم ومحاسبتهم بعد تقديم الوثائق. وقد تميز البرنامج بالاصرار على ابراز الوثائق وتحويل تصريحات المسؤولين، ضيوف البرنامج عموما، الى عناوين صحافية يتم بثها فورا واثناء تقديم البرنامج. غير ان هذا البعد الجديد، الذي حقق نجاحا كبيرا في بدايته، سرعان ما تم استنزاف مركز قوته ولسببين، الاول هو ان كل من تتم استضافته في البرنامج يقوم بتقديم نفسه كانسان نزيه، عفيف النفس، ولا يخشى في الحق لومة لائم. وهو موجود في الاستديو لتعرية فساد ‘الآخرين’ من اجل خدمة الشعب. وبينما نجحت اسئلة الحمداني، بداية، في استفزاز البعض ودفعهم الى فضح حالات فساد لم يسبق لها مثيل في العراق، كما في صفقة اجهزة كشف المتفجرات وصفقات تسليح الجيش والكهرباء وبناء المستشفيات، ومنزل رئيس البرلمان اسامة النجيفي الذي يوجد فيه ’22 تلفزيون بلازما 50 عقدة و24 غسالة كهربائية و11 مكوى بخاريا و56 سجادة ايرانية’، الا انها تتعرض لبهوت بريقها وجاذبيتها الشعبية. حيث ادرك الجمهور، بعد فترة قصيرة، ان البرنامج الذي جذبه بداية على أمل ان يتمكن ولو من تقديم مسؤول فاسد واحد الى القضاء لمحاسبته، بالاضافة الى عرض ملفات الفساد، فشل في تحقيق ذلك. اذ بقي خطاب البرنامج محصورا في مطالبة ‘الحكومة’ بمساءلة الفاسدين، في ذات الوقت الذي يجلس فيه مسؤولو الحكومة في الاستديو، الحلقة تلو الحلقة، وهم يتراشقون بابراز وثائق الفساد المهين لأبسط انسان فما بالك بحكومة ودولة.
وزاد الطين بلة تحول الاستديو الى ساحة صراع سياسي يستغله بعض المسؤولين الحكوميين ضد مسؤولين حكوميين آخرين، كل حسب حزبه او تجمعه او طائفته. مما يبين قدرات ساسة العملية السياسية على التلون حسب البيئة وزئبقية المواقف. وكانت مساهمة مها الدوري، النائبة عن كتلة الاحرار (التيار الصدري)، في 13 حزيران / يونيو، قد تركت مقدم البرنامج مشدوها وفي حالة صمت نادرة. اذ وعدت الجمهور بانها ستكشف عن ملفات لا نظير لها وتحدثت بهستيريا عن ‘فاجعة اوجعت وأدمت قلبها’. وتبين ان النائبة فوجئت، وبكلماتها: ‘بدخول النجمة الماسونية الصهيونية الى العراق عن طريق أعمدة إنارة استوردتها وزارة الكهرباء، وقد خاطبتهم في ذلك لكنهم مصرون على انها وردة، وكذلك وجدت نسخة من القرآن الكريم عليها نجمة اسرائيلية صهيونية ماسونية… ووجدت على ضريح الامام على بن ابي طالب عليه السلام النجمة الاسرائيلية على الجدران، وكذلك نجمة صفراء كبيرة في سقف المرقد، وهنالك صلبان وجدتها وصورتها ايضاً في واجهة مرقد الامام علي، اما في مرقد الامام موسى بن جعفر فحدث ولا حرج، فمملوء كله بالنجوم الاسرائيلية’. ثم طالبت النائبة ‘برفع النجمة الصهيونية والصلبان من على مراقدنا، والبحث عن المقصر ومحاسبته سواءً كانت هذه مقصودة أو غير مقصودة’. وكان الاجدر بالحمداني إيقاف النائبة عن الغور في أمور تراثية وثقافية تبدو غريبة عنها، فالعراق، بتشنجاته ووضعه الثقافي المتردي ليس بحاجة الى افتعال ازمات ومذابح جديدة حسب هوى الساسة. اذ كان ما عرضته من صور ورسوم عن النجمة الصهيونية كان مضحكا. وواضح انها قامت بتحويل اشكال هندسية عامة، عن طريق التخطيط وبالقوة الى نجوم سداسية. والنقطة الاهم التي تعامت عنها النائبة هي ان الاشكال الهندسية ومن بينها النجمة السداسية هي جزء من الزخرفة الاسلامية التي طالما زينت المساجد في جميع الأقطارعبر العصور، وأن إستخدامها من قبل الصهيونية لا يلغي هذا التاريخ أو يعني ضرورة تشويه المعالم التراثية. ولم تكتف النائبة بذلك كله بل وجهت غضبها نحو الفن لتنضم بذلك الى جوقة العاملين (تذكروا حركة طالبان وهدمها التماثيل التاريخية) على افراغ ساحات بغداد من فنونها وجمالياتها قائلة: ‘كذلك اطالب بإزالة التماثيل الخليعة الموجودة في مدخل مدينة الكاظمية المقدسة’.
من المعروف ان الجمهور ليس، على الاغلب، متلقيا سلبيا لرسائل اجهزة الاعلام، كما تبين واحدة من نظريات التواصل الاعلامي المهمة ان درجة تلقي وتفاعل الجمهور مع برنامج ما تعتمد على درجة معرفته، عموما، بفحوى البرنامج او الرسالة. أي ان حماسه لبرنامج معين يعني ان لدى الجمهور بعض المعرفة بفحواه. ويساعدنا هذا على فهم شعبوية ‘استديو التاسعة’ وانجذاب الجمهور اليه حالما بدأت القناة بتقديمه. فغالبية الجمهور العراقي يعرف، من خلال معايشته اليومية، طائفية واكاذيب وفساد ساسة العملية السياسية ونوابها. غير ان ما كان ينقصه هو الوثائق التي يتسابق الساسة والنواب على تقديمها في الاستديو دفاعا عن انفسهم من جهة وايقاعا بالآخرين من جهة اخرى. ويشكل تقديم هذه الوثائق النقطة الاهم في البرنامج على الرغم من محدودية فاعليته واستغلاله من قبل ساسة العملية السياسية لتبييض وجوههم.
ان ميزة بعض الإعلاميين الجدد تقديمهم مبادرات تستفيد من السوق الإعلامي وحاجات الناس معا. والأمل هو أن يرتقوا الى المستوى الذي يؤهلهم للحفاظ على شعبيتهم، ورفع المستوى الثقافي، بدون التلاعب بعواطف الجمهور. ولان مطالبة الحكومة الحالية بالاصلاح استنادا الى الوثائق (هل سمعتم بمجرم يدين نفسه؟) هو محض مضيعة للوقت، تصبح اهمية البرنامج وغيره توثيق حالات الفساد والشهادات الحية وتوفيرها، مستقبلا، للاستخدام لمحاسبة الفاسدين والمجرمين في ظل نظام عادل يمثل الشعب العراقي حقا.

‘ كاتبة من العراق

Email this page
Share on Facebook