إدوارد سعيد: المثقف اليهودي الأخير

حجم الخط
8

في حوار مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أجراه معه آري شافيط ( 18 آب/اغسطس 2000)، قال إدوارد سعيد عبارته المدوّية: «أنا هو المثقف اليهودي الأخير، مثقفوكم اليهود هم مجرد «وجهاء ضواحي» من عاموس عوز إلى جميع هؤلاء الذين يقيمون في أمريكا، أنا هو المريد الحقيقي الوحيد لأدورنو»…
الحوار مع ادوارد سعيد الذي انطلق من واقعة رميه حجراً على إسرائيل من بوابة فاطمة بُعيد تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، حمل الكثير من الأسئلة العميقة حول معنى الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي بصفته صراعاً أخلاقياً في الدرجة الأولى. «فكرة فلسطين» مثلما بلورها سعيد هي فكرة كونية، تختزن آلام الانسان في صراعه من أجل حريته وكرامته وحقه في الحياة، وهي بهذا المعنى حلبة مقاومة المشاريع الكولونيالية بما تحمله من ممارسات عنصرية واستعلائية. فلسطين هي صوت الضحية التي تقاوم تاريخاً يكتبه المنتصرون بدماء ضحاياهم. بهذا المعنى كان سعيد محقاً في إعلانه بأنه وريث الثقافة النقدية التي صنعها أدورنو وحنة آرندت ومدرسة فرانكفورت.
كلام سعيد لم يجد صداه عند محاوره آري شافيط الذي قام عام 1993 بنشر كتابه «أرضي الموعودة»، My Promised Land الذي يبرر فيه مذبحة اللد الرهيبة عام 1948، باعتبارها شراً لا بد منه من أجل تأسيس الدولة العبرية! سعيد في مقابلته هذه أشار إلى مذبحة اللد وطرد سكانها، غير أن الفكر الصهيوني لا يريد أن يفهم أن خطيئة إسرائيل الكبرى لا يمكن تغطيتها بحكايات اليهود الهاربين من الهولوكست، فالضحية حين تتبنى لغة الجلاد وممارساته تفقد لغتها وأخلاقها وتتحول إلى مطية كولونيالية. ما لم يفهمه شافيط فهمه مؤرخ إسرائيلي هو إيلان بابه الذي نشر كتابه « التطهير العرقي في فلسطين»، (صدرت ترجمته العربية عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت) وفيه يعيد بابه إلى الكتابة التاريخية معناها، ويحررها من عنصرية الكثير من المؤرخين الإسرائيليين، ويحلل بالوثائق التاريخية الدامغة المشروع الكولونيالي الصهيوني، كما فهمه مؤرخ إسرائيلي آخر هو امنون راز كاركوسكين الذي قدم اقتراحه المثير بأن المفهوم اليهودي عن المنفى لم تعد قراءته ممكنة اليوم من دون الاهتداء بكتابات إدوارد سعيد ومحمود درويش.
في حواره مع «هآرتس» قدم سعيد مرافعة مدهشة عن الحق الفلسطيني وكرر اقتراحه بأن أفق الحل الوحيد هو في دولة ثنائية القومية، يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية، وتنطلق من الاعتراف الإسرائيلي بالخطيئة الصهيونية وبتأكيد حق العودة للفلسطينيين.
هذا الكلام «السعيدي» يجب أن نتأمله اليوم في لحظة السقوط المروّعة للحركة الوطنية الفلسطينية، وفي زمن الانهيار العربي الراهن، حيث تحولت أرض العرب إلى ساحة مباحة للقتل والتهجير والعنف الوحشي، في ظل شعارات كاذبة ومنحطة يحملها «مثقفون» يقومون بهركلة الثقافة وتحويلها إلى منصة للحاقدين من تلامذة الفاشية القومية والدينية بأشكالها المختلفة.
نتأمل هذا الكلام كي نتمسك بالمبنى الأخلاقي الذي يجعل من قضية فلسطين قضيتنا السياسية والفكرية والثقافية والأخلاقية، رغم كل ما يجري من حولنا، وهذا يعني أن الحق الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من النضال ضد الاستبداد والديكتاتورية وأنظمة فقهاء الكاز والغاز. فالمعركة تدور اليوم بين ممارسة فاشية عنصرية دينية- قومية متطرفة في دولة الاحتلال التي تتحول إلى دولة «أبرتهايد» معلنة، وبين فكر ديمقراطي إنساني يرى في النضال ضد الفاشية مدخلاً إلى ترسيخ فكرة التحرر والعدالة. أما مقاومة الفاشية بفاشية مضادة، فهو في أفضل الحالات، هذا إذا افترضنا وجود نيات حسنة بات البحث عنها صعباً، سقوط مخيف في لغة العدو واستسلام سهل للهزيمة التي تتغطى بلغة انتصارية مليئة بالطنين.
نعود إلى ادوارد سعيد كي نُذكّر بأن المعركة ليست مع اليهود بل مع إسرائيل، وليست ضد مثقفين يهود يدفعون اليوم الثمن غالياً لأنهم يقفون مع الحق الفلسطيني، هؤلاء أصدقاء الشعب الفلسطيني بغض النظر عن كونهم إسرائيليين أو من جنسيات أخرى، وليست مع مثقف كإدوارد سعيد أجرى مقابلة مع صحيفة «هآرتس» وليست مع محمود درويش الذي تُرجمت أشعاره ونُشرت بالعبرية، وليست مع «باب الشمس» التي تحولت من رواية إلى أول قرية فلسطينية محررة، بل هي أولاً معركة مع الدولة العنصرية الصهيونية التي تريد محو فلسطين ومشاركة القوى الكولونيالية في الهيمنة على المشرق العربي، وهي ثانياً معركة مع أنظمة الاستبداد العربية، ومع استبداد نظام الأسد الذي قتل الشعب السوري وحوله إلى شعب من اللاجئين (10 ملايين لاجئ سوري خارج سوريا وداخلها)، والتي تتغطى بقضية فلسطين معتقدة أن الكلام القومجي الممانع يحجب الدم السوري الذي يغطي السماء، ويحجب أيضاً دماء تل الزعتر وشاتيلا، الذي ذبحه الحصار بعد المذبحة التي ارتكبها الإسرائيليون وعملاؤهم، ونهر البارد وحصار مخيم اليرموك وتجويعه وتهجير سكانه، أو يمحو دماء مهدي عامل وحسين مروة وجورج حاوي وسمير قصير.
الذين استفزتهم مقابلة أمين معلوف البائسة مع قناة «إسرائيل 24»، التلفزيونية الإسرائيلية، مشغولون بالدفاع عن أبدية الاسد وقراره بإحراق سوريا وتدميرها، ولا همّ لهم سوى تغطية غزو مقاتلين لبنانيين لسوريا من أجل إخضاع شعبها وتشريده. يغضون الطرف عن حليفهم الروسي الذي لا يخفي صداقته لإسرائيل، ويريدون تحويل خطأ أمين معلوف إلى منصة يمطتيها قضاة في محاكم تفتيش جديدة.
حركة مقاطعة إسرائيل B.D.S. هي حركة نبيلة تعمّ العالم بأسره، وهي حركة هدفها عزل إسرائيل بصفتها دولة عنصرية، وليس تحويل فلسطين وشعبها إلى غطاء للمستبدين من عرب وعجم. ولا ضرورة لإقحام تشوهات قومجية وعنصرية فيها، أو إحداث إضافات عليها مثلما فعل جماعة «مسرح المدينة» ولفيفهم في بيروت، اذ لا معنى لكلام يدعونا إلى مقاطعة مثقفين يهود إسرائيليين يناضلون ضد الهمجية الصهيونية، أو مقاطعة وسائل اعلام إسرائيلية شرط أن نستطيع التعبير فيها عن مواقفنا من دون تقديم أي تنازلات وأن تكون إحدى وسائلنا لنزع الشرعية عن دولة الاحتلال، ولا معنى لعدم ترجمة الكتب العربية إلى العبرية، إلا إذا كان الهدف من وراء كل ذلك تحويل المثقفين الفلسطينيين والعرب إلى «وجهاء ضواحي» في مملكة الاستبداد، تماماً كما وصف ادوارد سعيد المثقفين اليهود في حواره مع «هآرتس».
ما نخشاه هو أن لا يكون ادوارد سعيد المثقف اليهودي الأخير فقط، بل أن يبتلعنا الانحطاط ليصير سعيد المثقف العربي الأخير أيضاً، وعندها فعلينا وعلى فلسطين السلام.

إدوارد سعيد: المثقف اليهودي الأخير

الياس خوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول اوراسية:

    دولة ثنائية القطبية، مقابلة أمين معلوف “البائسة” مع قناة “اسرائيل 24″، شعارات كاذبة و منحطة من مثقفين..، مقاومة الفاشية بفاشية مضادة..سقوط في لغة العدو و استسلام سهل للهزيمة…عبارات قاسية ، حادة، لاذعة ، تحتاج لمجلدات لكل واحدة منها ، لدراستها و مناقشتها من كل الزوايا ، و استنتاج مدى صدقها و مصداقيتها…!! الامر ليس بهذه السهولة ، خاصة العبارة الأولى…

  2. يقول خالد حلبي -سوريا:

    الثورة السورية كانت الخطوة الأولى لإحياء القضية الفلسطينية من جديد ، لأنها كانت ثورة ضد من تاجر بالقضية الفلسطينية لمدة 40 عاماً و حولها إلى ستار للاستبداد و الفساد و الاستعباد و القتل و التعذيب و نهب الأموال و الثروات
    بعد زوال النظام السوري وما يعرف بحلف الممانعة ستعود القضية الفلسطينية لتصبح قضية العرب المركزية و ستكون بيد الشرفاء من الشعب الفلسطيني و الشعوب العربية

    1. يقول الكروي داود النرويج:

      كلام صحيح 100%
      ولا حول ولا قوة الا بالله

    2. يقول Ossama Kulliah أسامة كليَّة سوريا/المانيا:

      كلام جيد خالد حلبي أخي لكن كيف سيزول النظام؟ إن شاء الله سيزول ولكن يجب لأن ا لا ننسى أن رضا إسرائيل وبالتالي أمريكا هو الذي يجعله يتمادى في إجرامه

  3. يقول محمد حسنات اﻷردن:

    تحية لروحك النضالية ، أخي الياس
    إدوارد سعيد ، جامعة عالمية، فهل من جامعة عربية رسمية أو أهلية وعددها بإلمئات ،بادرت لتخصيص كرسي ، لحوار
    الحضارات بإسمه ،إن سيرته ،ومواقفه مع صهاينة الغرب وإسرائيل ،تستحق أن توثق للاجيال الشابة التي صنعت الربيع العربي.
    في محاوﻻت شجاعة لزحزحة ديناصورات الخريف عن كراسي السلطة ،وتجنب عواصف الشتاء العاتية ، وأتون حروب ،ونتائج،
    حزيران وتموز ،آب وأيلول ،وتشارين.هل أبطال الهزائم العرب ، على حق ﻷنهم ﻻ يسألون و ﻻ يحاسبون ،ويفلتون بنص الدستور
    أمين معلوف ،في ظهوره على قناة إسرائيلية ليست مجرد خطأ ،كما ذكرت ،بل خطيئة ،ﻷنها تدوس أخلاقيآ وإنسانيآ على جماجم
    أطفال قانا وقطاع غزه والقدس ،ونابلس والخليل،وجنين وعبين والقائمة تطول .
    نريد ممن نقدر ونحترم أن يعتذر، وﻻ لمحاكم التفتيش .

  4. يقول رؤوف بدران- فلسطين:

    ان مشرطك (قلمك) هذه المرة استكشف مكامن الداء اخي الياس في مسالك الفكر المنهار, من يهود(صهاينة) واغيار.
    ان صوت المنطق الهاديء , يجب ان يبقى مسموعاً رغم ضجيج الموج الهادر, لانه كما قال” فيثاغورس”: المنطق سرمدي , اما كل شيء آخر ففانٍ.
    نرجوا من الله ان يكثر بيننا الادوارات نسبةً الى “ادوار سعيد” والدراويش , كي يُرسوا هذا الفكر في موانيء قناعاتنا !! وان يقلل منهم كل الحالمين باستثناء الآخرين من حق الحياة والعيش في وطنهم سالمين آمنين والسلام

  5. يقول al italy:

    Nice article and bitter truth

  6. يقول Ossama Kulliah أسامة كليَّة سوريا/المانيا:

    مقال دسم ورائع أخي الياس لكن برأيي أن الحدود في التعامل مع الصحافة الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي موضوع حرج ودقيق ويحتاج إلى نظرة دقيقة جدا. لا شك أن المقال يقدم توضيح وقراءة فكرية من المستوى العالي.
    من وجهة نظر أكاديمية أو حتى إنسانية الأمر أسهل فهما وتوضيحا نوعا ما والجدال فيه يكاد يكون ليس له أهمية كبيرة. ولكن من وجهة نظر أساسية وعملية كيف يمكن أن يتجنب الإنسان التأثير السلبي لهذا التعامل مع الإعلام الإسرائيلي على الهدف الأساسي وهو مقاومة الفاشية فأغلب الظن أن أنصار الفاشية سيجدون أو يفتحوا بها منفذا يتنفسون منه الصعداء ويستغلون للتضييق على العدالة والثقافة الإنسانية ذاتها بدلا من أن يرتابهم الخجل والحياء والشعور بالظلم والذنب عما يرتكبوه. برأيي إذا اقتصر التعامل مع الإعلام الإسرائيلي على المستوى الفردي لكبار المثقفين الذين يدركون بدقة حساسية الموضوع وأهميته من أمثال ادوارد سعيد (مثلاً لا حصراً) فالموضوع غير مقلق أما إذا اتخذ شكلا أخر فالتأثير السلبي لذلك سيكون ظاهرة لا تحمد عقباها والله أعلم

اشترك في قائمتنا البريدية