الحرب في سورية: جهنم الاعراب والاسلام!

شهد التاريخ البشري حروباً كثيرة؛ إستمر بعضها سنوات طوالا، وإستمر البعض الآخر عقوداً، وحدثت حرب المئة عام. ولا يغيب عن البال إختلاف كمي ونوعي، لطبيعة القوى المشاركة في الحرب، في المحطات التاريخية المختلفة، والإختلاف النوعي في السلاح المستخدم. كما لا يغيب الهدف من الحروب عبر التاريخ، ومبررات حدوثها. لكن السبب الرئيس في حدوثها الرغبة الإقتصادية؛ وإتخاذها أشكالاً من التفوق والسيطرة والتوق إلى السيادة الجغرافية (البر والبحر ثم الجو، وحتى خارج الكوكب)، على بقعة معينة؛ تبررها أهميتها الخاصة التاريخية والدينية والثقافية والمكانية.
إن السيطرة العسكرية لجهة على أخرى، وخاصة إذا كانت ضمن إقليم واحد، لا يعني حسماً بعيد المدى؛ فقد تشتعل الحرب، عند بروز أي تغييرات جديدة، أو إختلال جديد في ميزان القوى، بعد وصوله لحالة من التعادل المؤقت. ونيران الحروب الأهلية، تكون فيها المادة القابلة للإشتعال كامنة، وتغذيها دوماً مشاعر الظلم التاريخي، التي تلحقه طائفة بإخرى (أو أية صفة أخرى لمجموعة بشرية مسيطرة ظلماً). إن أعمال القتل المروعة، وخاصة التي تأخذ طابعاً إنتقامياً حاقداً، ويزيد من مخاطرها التنفيذ الميداني لإعدامات دون محاكمة (أو محكمة متسرعة لا تراعي عمراً)؛ ستشكل ناراً دائمة تحت الرماد.
فهذه الحروب الأهلية ورغم التداخلات الإقليمية والدولية فيها، تجعل كل فرد، من أية جهة أو طائفة، يفتش عن أحقاد دفينة، سيزرعها من جديد برغبته أو دونها.
إن المواطن السوري الذي عاش مئات السنين بمحبة وتعاون مع محيطه، بنسيج إجتماعي راقٍ، سيحفر بطن التاريخ ويفتش عن شاردة هنا وواردة هناك، تشرعن الإنقسام وتبرر الإعتداء والرد عليه بأبشع الصور.
وأمام هذا المشهد السوري، الذي لا يخلو من شلال الدم، تطرح التساؤلات الآتية: متى ستتوقف الحرب؟ وهل توقف الحرب يعني إنتهاؤها؟ وعندما تنتهي الحرب هل إنتصار طرف من الأطراف، هو بالضرورة إنهزام للطرف الآخر أو الأطراف الأخرى؟ وما أثر إنتهاء الحرب (التوقف) على الدول الداعمة؟ وهل بنهاية الحرب، ستتم عملية ترقيع النسيج المجتمعي ليعود كسابق عهده؟ وكم من الزمن سيستغرق البناء الجديد لسورية؟ وهل ستكون سورية الحديثة بنفس التشكيلة التي سبقت النزاع؟
إن العمليات الحربية بين الطرفين الرئيسين، تجعل الأطراف في حالة أقرب إلى التوازن غير المستقر، وهذا يعني أن العمليات الرئيسة (الكبرى)، قد تتوقف بشكل مفاجئ، حيث يعتمد بشكل أساسي على مقدار القوة العسكرية للطرف المسيطر (براً وجواً)؛ أما الأعمال القتالية المتناثرة هنا وهناك، فلن تتوقف، وهذا يعني أن الحرب لن تنتهي (بمعنى إحلال هدوء تام في كافة البقاع). وبهذا المعني فإن إنكفاء طرف؛ نتيجة توقف المعارك الكبرى، لا يعني هزيمته إستراتيجياً، بل سيرتب وضعه بأشكال أخرى من المقاومة، وخاصة أن الصورة للإطراف المشاركة في الحرب والمتعددة والمتباينة في أفكارها، تجعل من المستحيل إنجاز فرز واضح بين المتخاصمين حالياً وبعد توقف العمليات الكبرى. أما الدول الداعمة، ورغم خسارة بعضها أو جميعها لما تقدمه، فهو في الجانب المادي لا أكثر. وسيكون من الخسارة على بعض الدول الداعمة حالياً، الإستفادة الحقيقية والفورية من بلد أصبح ممزقاً وخطراً على الأفراد والجماعات، وخاصة بعد الفرز في إصطفاف الدول مع أطراف المعركة؛ وستكون المراهنة على أي طرف، من قبل الدول الداعمة، كالذي يقفز دون أن تفتح مظلته أو في أحسن الأحوال كالذي يقفز في بركة ماء فارغة (حسب رأي أحد المحللين).
إن الصورة السوداوية لهذا الواقع، ستأرخ لواقع سوري جديد؛ حيث سيكون من المستحيل ترقيع النسيج الإجتماعي، الذي تشوه بنار الحقد ونبش تاريخ من الصراعات، كاد أن يدفنه التعاون والتسامح، قبل إندلاع الحرب المجنونة هذه. إن الثوب السوري الذي نسج من عرق ودماء ومعاناة الشعب السوري بكافة أطيافه، عبر آلاف السنين، لن يجد من يسارع لإصلاحه؛ وحتى القطن السوري، أصبح ملوناً بالدم فقط ـ إن بقي منه شيئاً على الأرض المشتعلة ـ ورائحته مليئة بالبارود والدخان والحقد الأسود.
إن أجيالاً قد تبقى تعيش كابوس الرعب الموشح بالأحمر والأسود لعقود من الزمن، وسينتج بنهاية هذه الحقبة المظلمة، بلداً مختلفاً؛ لا يستطيع أي بشر على وجه الأرض، أن يرسم ملامح سورية المولودة أو المسمى الجديد. ولكن سيرسم أي بشر على البسيطة، أسوأ التوقعات، وسيتحدث القادمون في هذا القرن، أن الحرب هذه بمنطلقاتها ومبررات حدوثها وأطرافها الخفية والمعلنة، والدول الداعمة والراعية والمرضعة والقريبة والبعيدة والحنونة والقاسية المشاركة فيها (بحذر أو إستحياء)، وحجم الحقد المتولد عنها من خلال صراع شعبها الواحد (حتى لو تطعم مع البعض الخارجي)، سيقول التاريخ لإجل كل هذا: إنها كانت حرب القرن 21.

عبدالله أبو مازن

Email this page