محمد عساف… جدارة الفوز وتحديات النجاح

هولندا من محمود احمد برغوت: بذل المتسابقون في حلقة الجمعة الماضية من برنامج اراب ايدل اقصى طاقاتهم للفوز بلقب محبوب العرب، فقدموا كل ما تزخر به مواهبهم الغنائية، واستعرضوا ما لديهم من قدرات وامكانيات فنية. وكانت ردود فعل الجمهور على ادائهم، كذلك كم التفاعلات على صفحات التواصل الاجتماعي، تفصح عن رغبة الاغلبية برؤية محمد عساف متوجاً باللقب.
في خضم تلك الحلقة التي احتشدت فيها عناصر التشويق والإبهار، كانت هناك ومضات خاطفة تتولى سلب اهتمام المشاهدين- ربما الفلسطينيين منهم بالذات نظراً لخصوصية الحدث- وتسلط الضؤ للحظات من الزمن على لمحات المناجاة بين محمد عساف ووالدته اثناء ادائه لاغنية ‘يا عيني عالصبر’، في مشهد امتزج فيه الدعاء بالغناء، والبهاء بروعة الاداء، والألم بالرجاء، فَرَقت المشاعر، ودمعت الاعين عند رؤية والدته تلهج في طلب التوفبق له.
ثم جاء موال اغنية ‘علي الكوفية’ ففاضت العبرات بعفوية دون اي تكلف، وبدأ عداد الشحن العاطفي بالصعود، فانفعلت الجوارح بكلياتها،وارتفع منسوب الحس الوطني، وبحركة انقلابية سريعة، استردت الشفاه ابتساماتها، والتهبت المشاعر، ليغرق بعدها الجمهور الفلسطيني ومحبيه في بحر من العواطف الجياشة، ويُطلق العنان لدبكة فلسطينية عفوية تُخرج بعضاً من مكبوتات النفس التواقة الى لحظة من الفرح، أجل الفرح، ون كان دامعاً.
وطوال الحلقة الختامية من مساء السبت الماضي، كان الفوز يحوم فوق راس محمد عساف دون غيره، واللقب يلاحقه مثل ظله، بشكل لا تخطئه العين فتترسخ القناعة بان فوزه مسألة وقت فقط.
ولم يكن الفلسطينيون وحدهم هم من آمن بأحقية هذا الفنان بالفوز، بل ان معظم من شاهد وسمع وتأمل اداء محمد عساف على مسرح اراب ايدل، أيقن انه امام فنان لا يُشبه إلا نفسه،مختلف عن غيره، تحيط به ملامح الحياء والتواضع، ويستقي البهاء من عناية الهية ترعاه، وترسم سير خطاه.
وكما توقعت في مقالي السابق، فقد فاز محمد عساف، وفرحتْ القلوب لهذا القادم الجديد من رحلة المعاناة، وازدحمت عنده الالقاب لتتشرف بالالتصاق به.
لكن طريق الفوز هذا لم يكن مفروشا بالرياحين، بل تحدياً مريراً خاضه عساف بإصرار وعناد، و بأسلحة بدائية الصنع لكنها فتاكة.لقد كانت اسلحة محمد عساف ترسانة من المواهب الفنية التي تسكن كيانه، وخامة صوتية ثمينة تمثل عينات مما هو مختزن في الجوف الفلسطيني ولم يُسمح باكتشافه بعد.
كان محمد عساف مسكوناً بالحاح مُزمن بعمر النكبة، وبرغبة عنيدة في محاربة سياسة قصاء الفلسطيني عن الحياة الطبيعية، ونفيه الى عالم الهوامش، وزجِه في دوائر البؤس واليأس.
كان محمد عساف بغنائه سلاحا مضاداً لكل محاولات اختصار الشعب الفلسطيني في مخيمات وبطاقات عاشة اثناء السلم، وشهداء وجرحى ودمار اثناء الحرب.
لقد نفض محمد عساف الغبار عما تبقى من الصورة الفلسطينية الجميلة التي حُجبت عن ألانظار، واخرجها للعالم لانه يؤمن انها قادرة على المنافسة والتفوق، كما رسم مناظر اخرى متفائلة عن حياة الفلسطينيين غير تلك التي عرفها العالم عنهم.
ليس للبيئة التي ترعرع فيه محمد عساف سجلات حافلة تُذكر في مجال الانجازات الموسيقية، ولا يوجد فيها اكاديميات ومعاهد فنية مرموقة، على غرار ما هو الحال في البلدان العربية الاخرى، فكل ما في غزة هو جزءٌ محررٌ من وطنٍ لم يكتمل بعد، وشعب يصر على حماية ما تبقى من حياة.
في بيئة محمد عساف الغزاوية مساحات ضيقة للعب واللهو، وتراكمات حصار لكل ما هو حي، لكن في بيئته ايضا مصانع للتحدي والمنافسة، منها انطلق محمد عساف و بسببها فاز، وبذلك يكون قد مثل فخر الصناعة الفنية الفلسطينية التي اطربت الملايين، ووقفت لها لجنة التحكيم ثلاثة مرات اكباراً واحتراماً لمعايير الجودة العالية التي تتمتع بها.
لن يُعجب فوز محمد عساف كل العرب بالطبع، فثمة فئة ستستغشي ثيابها الان، وهناك فئة لا تزال تحت هول الصدمة، خصوصا اؤلئك الذين استخفوا بقدرات هذا الفلسطيني القادم من بقايا وطن، وهناك فئة تريد ان يكون عساف كما يحلو لها ان يكون، اما الفئة الاخرى فهي تمثل الاكثرية الساحقة التي ترى في عساف فلسطين صغيرة تمشي على استحياء، وهؤلاء هم بلا شك اخلص الناس حباً له.
واليوم، وبعد الفوز بلقب محبوب العرب، وبعد الحصول على لقب سفير للنوايا الحسنة من منظمة الانروا، كذلك بعد تعيينه سفيرا للنوايا الحسنة بامتيازات دبلوماسية استثنائية من قبل الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، يكون النجم الفلسطيني قد خرج من فضاء مسابقة اراب ايدل فائزاً، ليدخل فضاءات جديدة تشتد فيها حدة التجاذبات، وسيحاول الجميع استمالة هذه الموهبة الواعدة الى جانبه، وتوظيفها لخدمة مصالحه ومشاريعه الخاصة، كما سيحاول البعض الاخر ان يكيد لها ويعمل على افشالها.
ولان واقع الحال يعج بالمصالح المتناقضة، فان عساف سيقف دائماًً امام اختيارات صعبة، فاما ان يبقى منحازاً لفلسطين كل فلسطين فيزداد رصيده عند اؤلئك الذين ساندوا وناصروا مسيرته الفنية، لا بل واستثمروا فيها عبر تصويتهم لصالح القيم الاخلاقية والفنية والوطنية التي جسدها اثناء المسابقة، واما ان يضطر لمسايرة ضرورات الواقع ومتطلباته.
ومهما كانت الخطوات التي سيتخذها في المستقبل، سيظل فوز محمد عساف وما احدثه من اختراق باهر على الساحة الفنية الفلسطينية والعربية، نقطة تحول في حياة الكثيرين من ابناء جيله الذين- ومن الان فصاعدا- سينظرون إلى احلامهم ليس على انها مجرد احلام فقط، انما على انها امكانيات قابلة للتحقيق.

Email this page