الإبداع من فكرة إلى نصّ بين الأديب والمتلقّي

د. زياد محمود مقدادي

تتمحور العملية الإبداعيّة حول عناصرَ عديدة، أثارت النقاش طويلاً لدى النقاد والدارسين منذُ زمن طويل، حتى بدت عناصر العمليّة الإبداعية موضوعًا استفاضت حوله الآراء والدراسات.
وأولت الدرسات النّقديّة الأديب عنايةً كبيرةً، فالمبدع أو الأديب هو الأساس في الإبداع، ويحظى بهذه المنزلة بعد أنْ ينتجَ عملاً أدبيًّا ما، يتميز بصفات تجعلُهُ نصًّا أدبيًّا.
ولا تمثّل الفكرة إبداعًا إلا إذا أصبحت نصًّا يمثّلها من جانبٍ، مكتسبةً صياغة أدبيّةً من جانبٍ ثانٍ، يستطيع المتلقّي من خلاله بناء تصوّرٍ عمّا يقرؤه، وكلّما أولى الأديب فكرته أهميّةً وزادها عنايةً كان نضوجها أسمى واكتمالها أوفى.
وإذا أمعنّا النّظر في النّصّ الأدبيّ، يتبيّن أنّ النصوصَ الأدبيّةَ تتسم بخصائصَ تميّزها عن بعضها، فالنّصّ الشعري غير النّصّ المقالي، فلكل نصٍّ أو جنسٍ أدبيّ ما يميزه عن غيره، وما إنْ يكتملَ النصّ أو يظهره صاحبه حتى يبرز عنصرٌ جديد من عناصر العمل الأدبيّ وهو المتلقّي، الذي يكتسب من النّصِّ ثمّ يُكسبه شيئًا جديدًا في الآن نفسه.
ولم يغفل الدارسون أثر المتلقّي في إثراء النّصِّ، حتى عدّه بعض النقّاد منتجًا آخر للنصّ، وهذا يتطلب منه إبراز شيء يخفيه النّص، ولا يظـهر إلا بإمعـان النّظر والتدّقيـق. وتتراوح قدرة المتلقّين في قراءة النّص حسب ثقافتهم، وبناءً على معرفتهم وفهمهم للنصوص التي يقرؤنها.
ويقوم المتلقّي بقراءة النّصّ الأدبيّ، ثم بناء تصوّر أوّلي حوله بالفحص والمتابعةِ، ولكنّ كثيرًا من النصوص تحمل إشاراتٍ ورموزًا ودلالاتٍ غيرِ واضحةٍ في القراءة الأوليّة؛ ما يستدعي القيام بتكرار القراءة وربط النصّ بالواقع التاريخيّ للأديب نفسه، كالمناسبة التي قيل فيها، والبيئة التي تؤثر فيه، ثم ربطه بالعوامل النّفسيّة التي أثّرت فيه سواءً أكانت عوامل آنيةً أسهمت حتى أبدع الأديبُ نصّه أم عوامل دفينة في النّفس أثّرت في سلوكه وطبعه، فانعكست آثارُها بشكل عامٍّ على ما ينتجه من فنٍّ.
ولا يستطيع المتلقي الوصول إلى ذلك إلا بامتلاك أدواتٍ تمكّنه من الوصول إلى ذلك؛ وهذا ما يجعله منتجًا للنّصِّ الأدبيّ، فالمتلقّي معنيٌّ بفهم النّصِّ ومعرفة صاحبه، وجميع ما يمكن أنْ يسهمَ في إبراز معاني النّصّ، متّخذًا المتلقّي كلّ ذلك أداةً تساعده في فهم ما يريد، مع ضرورة تجاوزه لمرحة الأعجاب والاستحسان، أو عدمه، والانتقال إلى الفهم والتأويل العميقين اللذين يكشفانِ مقاصدَ الأديب ويميطان اللّثام عن دقائق وتفاصيل لم ينتبه لها القرّاء المبتدئون.
وهكذا، فإنّ الفكرة تخضع للبناء بداية من الأديب ونهايةً بالمتلقّي، فتكامل أدوارهم يجعل الفكرة الجزئيّة عملاً إبداعيًّا يستحقُّ القراءة ويثري القارئ فيما بعد، فلا نستطيع الفصل بين أهمية دور المبدع والمتلقّي في العملية الإبداعية من حيث الفائدة، مع التنبّه إلى أنّ عمل المتلقّي يبقى نقدًا وتقويمًا لعمل الأديب وفنّه.
ـ باحث أردني

Email this page
Share on Facebook