«سعودة» الذوق العربي… فيروز على شاشة فلسطين… واختفاء المسرح الساخر في سوريا

مالك العثامنة

Sep 14, 2016

لعل قناة «الفلسطينية» الفضائية، تعكس إلى حد ما فكرة الدولة منقوصة الأركان في ما تقدمه، وهنا لا نلوم المحطة ولا القائمين عليها فالجود بالموجود، كما يقول المثل، لكن هي قناة استطاعت على الأقل بالنسبة لي أن تجعلني أواظب على متابعتها صباح كل يوم، فقط لأنها ملتزمة ببث وصلة فيروزيات صباحية مقتطفة من حفلاتها فترة الصباح، وهو تقليد اجتهدت به القناة فاستحضرت السيدة فيروز ومحبيها بالملايين لمتابعتها.
كل صباح، تجبرني القناة بهذا البث الفيروزي على متابعتها، ثم تجبرني بعد ذلك على تغيير القناة فور انتهار تلك الوصلة وبدء برامجها الصباحية المتضمنة لقاءات مع مسؤولي السلطة وحوارات عبثية لا تنتهي أغلبها يشيد بالسلطة وأجهزتها حتى تخال أن كل شيء على ما يرام في فلسطين.
ومن المفارقات التاريخية أن وصلة فيروز الصباحية كانت تقليدا قديما تنتهجه إذاعة دولة الاحتلال الإسرائيلي في زمن الإذاعات الذهبي، وكذلك العديد من الإذاعات كالسورية واللبنانية والأردنية!

ازدهار المسرح الساخر في مصر

تجربة «مسرح مصر» – التي يقوم عليها الفنان أشرف عبدالباقي وطاقم كوميدي جميل، تبثه قناة «أم بي سي مصر» – فكرة غنية تمزج بين فن المسرح العريق والتلفزيون ليتم توسعة الحائط الرابع وترسيخ فكرة المسرح كأحد أهم الفنون التي يجب إحياؤها من جديد.
المسرح الكوميدي الساخر قديم في العالم العربي، وتلفزيونيا كان التلفزيون السوري في الخمسينيات، بل ومنذ بدايات بثه الرائد في هذا المجال، حين تبنى عملاق التلفزة السورية الراحل صباح قباني، مجموعة شباب مبدع يقودهم الفنان الراحل «عمر حجو» في «مسرح الشوك»، الذي كان يقدم «اسكتشات كوميدية» ناقدة اجتماعية وسياسية، ضمن سقف سخرية رفيع المستوى، وبالأبيض والأسود كانت الكوميديا قادرة على تلوين المشهد بكل ألوان الواقع أنذاك.
ومسرح مصر الحديث، تجربة تستحق المتابعة والتطوير المستمر.

«أم بي سي» كمان وكمان

بينما في «صباح الخير يا عرب»، وحلقات العيد، نجد «أم بي سي» لا تزال تصر على أنها قناة العرب، كما ترى نفسها، وفي الوقت نفسه تركز على «سعودة» الذوق العربي من خلال فقرات سعودية محلية .
لا أمانع كمتلق من معرفة جوانب لا أعرفها عن المجتمع السعودي الشقيق، لكن لا أفهم لماذا يتم إقحام أجندة حرب اليمن «المختلف عليها» في تلك الفقرات ضمن تغليف وجداني إنساني يتلاءم مع القناة السعودية الوطنية أكثر مما يتلاءم مع قناة تقول إنها للعرب ولها نسبة متابعة حقيقية إلا «بروباغاندا» مكثفة لا تتناسب وذكاء القناة، التي جمعت العرب في الكثير من البرامج.

نقل يافطات المرشحين إلى الشاشة الأردنية

أما التلفزيون الأردني الوطني، فلا أجد في برامجه الحديثة، التي يلتقي فيها مرشحو الانتخابات النيابية إلا مزيدا من جرعات النعاس الثقيل الممزوج بالملل، ولا أستوعب حين أضغط على ضميري بمتابعة تلك البرامج اليومية كيف يرى القائمون على البرامج في التلفزيون الرسمي تجديدا نوعيا في المحتوى وهم ينقلون مهزلة المرشح النيابي إلى الشاشة ليقتحم هؤلاء بيوت المواطنين «الناخبين» وقد لجأوا إلى بيوتهم هربا من فوضى اليافطات والشعارات.
أغلب ما يقوله المرشحون مضجر جدا، ولا معنى له، والحديث على الشاشة الوطنية عن وعود لا يملك هؤلاء تنفيذ ربع ما يتعهدون به، تواطؤ إعلامي رسمي بالكذب على الناس، وانحراف عن فكرة النائب، الذي يمثل أمة حين يتحدث أغلب هؤلاء عن خدمات محلية جدا تليق بمرشحي بلدية.
المحتوى لا يعكس ديمقراطية، وربما الحوار كله رديء مما يجعلنا نتذكر في زمن قريب مضى برامج الزميل جميل النمري، الذي أصبح هو نائبا بدوره فيما بعد، ويخوض الانتخابات الحالية أيضا مرشحا فيها.
كل هذا ليس إلا تشويها رسميا للديمقراطية واضاعة ساعات بث يدفع الأردني ثمنها دينارا كإتاوة مفروضة.

سبقنا أفريقيا في الوحشية!

جاري الأفريقي من غانا واسمه «كوفي»، زارني على فنجان قهوة لمناقشة شأن يخص العمارة التي نشترك بالسكن فيها.
أثناء احتساء القهوة في غرفة الجلوس، والانتهاء من ترتيبات خاصة بالعمارة، كان التلفزيون بالصدفة مفتوحا على قناة اخبارية تعرض برنامجا حواريا عن الحرب في سوريا، وكان المتحاورون يصرخون والمذيع يحاول جاهدا إيقاف الفوضى مما لفت انتباه جاري، الذي سألني عما يجري، فحاولت جاهدا ترجمة ما تيسر من موضوع الحوار.
الرجل استمع باهتمام إلى كل ما استطعت إليه سبيلا من شرح، محاولا توسعة الفكرة عن الربيع العربي وأزمات العرب، وحين انتظرت جوابه، كان يبتسم بسخرية موجعة ويقول: هذا تاريخ أفريقيا ودولها القبلية بكل أديانها المتعددة يعيد نفسه لديكم. حتى أنت يا أفريقيا!

العيد صار سلعة إعلامية للبث

كان التلفزيون قبل مرحلة الفضائيات، جزءا من أجواء العيد في العالم العربي، وكانت له طقوسه الجميلة التي باتت راسخة أيامها، وأنا من جيل يستذكر حضور برامج العيد التي كانت تجمع الفنانين المشهورين في أجواء احتفالية جميلة.
طبعا المسرحيات الكوميدية الكلاسيكية كانت تعاد في بثها على القنوات العربية الأرضية، وكانت سهرات العيد التلفزيونية مفعمة بالفن المحترم والحضور الجميل.
اليوم، مع عصر الفضائيات، صار العيد نفسه سلعة إعلامية للبث، على الفضائيات الكبيرة، أما المحطات الرسمية القديمة فلا زالت تعلك التقليد نفسه دون تجديد.
هناك طرفة أردنية تنتشر دوما في مناسبات الأعياد مفادها أن إدارة التلفزيون الأردني ارتبكت ليلة ما قبل العيد وتم عقد اجتماع طارىء بسبب ضياع شريط مسرحية «العيال كبرت».. مما يؤدي لتوهان إدارة البرامج في البحث عن بديل.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

«سعودة» الذوق العربي… فيروز على شاشة فلسطين… واختفاء المسرح الساخر في سوريا

مالك العثامنة

- -

2 تعليقات

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات
    التعارف ذهب حين ذهبت التقوى وأصبحنا كقبائل إفريقيا كما قال لك جارك الغاني يا أستاذ مالك
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. “سبقنا أفريقيا في الوحشية! ”

    تنميط سلبي في غاية البؤس . وهل وحشية افريقيا هي التي قتلت عشرات الملايين في الحربين العالميتين ؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left