إنعام كجه جي… السرديات العراقية واستحقاق الجائزة

علي حسن الفواز

Sep 19, 2016

فوز الروائية إنعام كجه جي بجائزة مؤسسة لوك لاغادير ومعهد العالم العربي في باريس اعتراف بأهمية الرواية الوثائقية، وجدّية حضورها المميز في السرديات العراقية والعربية، مثلما هي تعريف بفكرة (الماجرى) في الوقائع العراقية ومرثياتها في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي.
ففي روايتها الساحرة «طشّاري» التي تم اختيارها كأفضل رواية عربية مترجمة للفرنسية، تبدو هذه الوقائع حاضرة بقوة، في توصيفها التاريخي والأنثربولوجي، إذ تترسم إنعام كجه جي اغترابات الكائن العراقي في الداخل والخارج، وتلامس محنة هويته القلقة، الهوية المفجوعة بوجع (الطشّار) إذ تاه مريدوها في المهاجر بحثا عن لحظة أمانٍ قلقة، لكنهم- رغم القسوة والتوحش- يظلون الأكثر انشدادا للوجود الغامر في الذاكرة والتفاصيل واليوميات العالقة بالمكان، مثلما يتحول هذا (الطشّار) الوجودي إلى شهادة مضادة وفاضحة لما جرى في العراق، ولما تعرضت له المكونات العراقية من مكاره إنسانية وظلامية بسبب الاحتلال وتوحش جماعات الصراع الأهلي.
شهادات كجه جي عن أبطالها وحيواتهم واغتراباتهم في هذه الرواية تستدعي القراءة ليس بوصفها مغامرة في السرديات العراقية، بل لأنها عبّرت عن لحظةِ وعيٍ ظاهراتي متعال ومفجوع، استعادت عبر قصديته الكثير من الوقائع والظواهر إلى السرد، ومقاربة محنة الصراع التاريخي وسسيولوجيا العنف في الذاكرة العراقية، من خلال سيرة الطبيبة العراقية (وردية) التي كانت تعمل في مدن الجنوب العراقي، حيث بدت عين الروائية هي عين كاميرا في رصد تحولات عوالم الصراع، واستكناه خفايا روح المكان العراقي وما تعرّض له من تغيّرات وصدمات مسّت هويته ووجوده.
ولعل ترشيح هذه الرواية ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2014 كان التأكيد الواضح واللافت على القيمة الفنية والأنثربولوجية لها، فضلا عن قيمتها التاريخية بوصفها أثراً سرديا لعلائق عاشتها البطلة في المكان العراقي، ومع حيوات اجتماعية تنتمي إلى التنوع الديموغرافي العراقي، وهو ما أسبغ على الرواية بُعدا مميزا، لتقانتها الفنية، ولأسلوبيتها في معالجة تحولات الأحداث والصراعات، وهو يضع الرواية في سياق الرواية الواقعية الجديدة، التي تستحق الالتفات إلى جدّتها وحيويتها، وإلى خصوصية مقاربتها للوثيقة والحدث والشخصية والزمن، إذ زاوجت الروائية في معالجاتها الفنية ما بين الواقع والتخيّل، وبين سردية الحكي وسردية الريبورتاج، تلك التي بدت وكأنها أكثر تمثلاً لما جرى في الوقائع العراقية، ولما حفلت به من تحولات ومفارقات، تفجر فيها الكثير من الأنساق المضمرة، وسرائر المقموع والمسكوت عنه، إذ تقصت تشظي شخصياتها في مدن المهاجر والمدن النائية، مثلما لامست فواجعها في الداخل، وفي يومياتها وفي اغتراباتها.
رواية «طشّاري» رواية وقائع، ورواية تاريخ، وبقدر حساسيتها الواقعية، إلّا أنها، قدّمت لنا روحا جديدة في السرديات الجديدة، تلك التي احتفتْ بروح التفاصيل، والحفاظ على وهج وجودها في المسار الروائي، مثلما بدتْ لقارئها وكأنها كشوفات موجعة للذات العراقية ولسيرتها، ولرعب هوامشها الضاجة بفوبيا الاستلاب، فقد وضعتنا الروائية أمام (مشهد عراقي) يخترل الوجع الوطني، والانهيار المكاني، لكنها بالمقابل وضعت أحداثها خارج لعبة الهروب إلى الأمام، إذ ظلت مسكونة بالحنين، وحافلة بحرارة حضورها القلق، حيث تبحث وسطَ هذا العدم التاريخي عن هاجسها العميق بالوجود الاستعادي، الذي جسدّه الحفيد في ألعابه وهو يقترح مقبرته الإلكترونية للموتى العراقيين في المهجر.
لقد وضعتنا إنعام كجه جي أمام سرديات التعريف بالرواية العراقية الجديدة، ليس بمعنى التعريف بتقانتها الفنية حسب، بل- أيضا- بجرأتها في تناول موضوعات مهمـــــة مثل الهوية والتاريخ والجندر والحرية، فهي ورغم كل التباساتها ظلت غائرة في الأنساق المضمرة في الواقع المرعب، وأكثر إثارة في مشــغل الســـرديات العراقـــــية، لاسيما تلك التي تتعلق بأزمات التعــــاطي مع ما يدور حول مفاهيم المهجر والآخــــر والحرب والاحتلال والحياة والموت، وهذه المفاهيــــم الإشكالية تحولت داخل سياق هذه الرواية إلى عناصر مولـــدة وباعثة على استكناه معان مغايرة للحياة التي اضطرت لأن تعيشها، مثلما تعبّر عن وعي قرائي دال على عمق الرؤية، والاندفاع باتجاه تحويل الوعي الظاهراتي إلى قوة احتجاجية رافضة لهيمنة الموت ولقهريته الطاردة.

٭ ناقد عراقي

إنعام كجه جي… السرديات العراقية واستحقاق الجائزة

علي حسن الفواز

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left