حكام الشرق الأوسط والانتخابات الرئاسية الأمريكية

لا شك في أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة هي أطرفها في التاريخ الأمريكي، بل العالمي لما تحتل أمريكا من أهمية في عالمنا المعاصر بوصفها قوة عظمى، بل القوة العظمى الوحيدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وحتى اليوم. وهي انتخابات رئاسية مزدوجة الطرافة بالفعل، تشارك فيها امرأة للمرة الأولى في تاريخ تلك الانتخابات، وينافسها رجل يتميّز برعونة وقلة خبرة سياسية لم يسبقه عليهما أي مرشح في الانتخابات نفسها، وذلك إلى حـد أذهـل العالم ولا زال يذهله يوماً بعد يوم كلّما تفوّه دونالد ترامب بإحدى الفلتات التي اختصّ بها.
ويسهل جداً تصوّر موقف الحكام الأوروبيين غرباً وشرقاً من تلك الانتخابات. فلا شك في أن حكام أوروبا الغربية أجمعين ينظرون إلى ترامب بقلق شديد ويتمنّون بشدة فوز كلينتون. فهي امرأة اعتادوا التعامل معها عبر السنين، ولا سيما عندما كانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة، يرون فيها عن حق ممثلة الاستمرار في التقاليد السياسية الأمريكية والأعراف السياسية الدولية، وضمانة للتحالف المميّز الذي يشدّ الاتحاد الأوروبي إلى عرّابته التاريخية، الولايات المتحدة الأمريكية.
أما كون هيلاري كلينتون امرأة، فيكاد يكون أمراً طبيعياً في نظر حكام أوروبا الغربية المعاصرين. والحال أن امرأة، هي أنغيلا ميركل، تقف على رأس أعظم دولها، جمهورية ألمانيا الاتحادية. كما يسهل تصوّر موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو موقف لا يحتاج إلى تخمين إذ أنه قد تبادل كيل المديح مع دونالد ترامب الذي أعلن من جهته أنه سوف يسعى وراء التعاون مع روسيا وطي صفحة الخصومة معها.
أما بالنسبة لحكام الشرق الأوسط فقد تكون الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة أكثرها خلطاً للأوراق وقلباً للمعادلات المعتادة منذ أن باتت الولايات المتحدة الأمريكية تلعب دوراً رئيسياً في تحديد مجرى الأمور في المنطقة. فحيث لدى طهران سببٌ هام لخشية فوز ترامب، الذي يأخذ على كلينتون تأييدها للاتفاق النووي المعقود مع إيران ويعد بسياسة أكثر تشدداً إزاءها، يتمنّى حليف طهران في دمشق فوز ترامب بعد أن صرّح هذا الأخير بأن بشّار الأسد أهون الشرور في الحالة السورية. أما سائر حكام المنطقة، وقادة شتى القوى التي تخفي ضحالة برامجها السياسية بالتستّر وراء الدين، فمترددون بين خشيتهم من انعكاس سياسات ترامب القائمة على تسعير رُهاب الإسلام واستغلاله في الحملة الانتخابية، وخشيتهم من وصول امرأة إلى سدة الرئاسة في الدولة التي اعتادوا على سيادتها عليهم، بل امرأة تجهر بنسويتها خلافاً للمستشارة الألمانية ميركل.
وحده بنيامين نتانياهو مطمئنٌ للنتيجة التي سوف تسفر عنها الانتخابات الرئاسية الأمريكية. فكلا المرشحين يتنافسان في إعلان صداقتهما مع الدولة الصهيونية وحرصهما على أمنها، غير مباليين لمصير الشعب الفلسطيني. بل انضمّ ترامب مؤخراً إلى قافلة مرشحي الرئاسة الأمريكية الذين وعدوا عبر السنين بالاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل. والحقيقة أن نتنياهو في موقف يحسده عليه بالتأكيد سائر حكام المنطقة : فهو صديق بوتين وينسّق عسكرياً مع روسيا في سوريا، وهو يعلم أن المعسكرين المتنافسين في أمريكا لا يكنّون لإسرائيل سوى المودّة. وبالطبع لا يرى نتنياهو في أنوثة هيلاري كلينتون مصدراً للقلق وقد سبقته امرأة، هي غولدا مائير، في منصب رئاسة وزراء الدولة الصهيونية، وذلك قبل ما يقارب نصف قرن.
وردت في مقال لكارل ماركس، كتبه لمّا كان لا يزال شاباً، فكرة عميقة سبقه عليها العديد من المفكّرين منذ عصر التنوير، لكنّه صاغها بصورة فريدة ومتميّزة. كتب أن التقدم الاجتماعي يُقاس بمكانة النساء الاجتماعية، مضيفاً بين هلالين : بمن فيهنّ القبيحات. والحقيقة أن غولدا مائير هي بالتأكيد خير إثبات لصدق هذا المعيار الأساسي في التدليل على تفوّق الدولة الصهيونية على الأنظمة العربية.

٭كاتب وأكاديمي من لبنان

حكام الشرق الأوسط والانتخابات الرئاسية الأمريكية

جلبير الأشقر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    الذي يجعل الدولة الصهيونية متفوقة هم الأنظمة العربية الذين ثبتوا حكمهم بتثبيت حكم الصهاينة كما أمرهم من جاء بهم للحكم !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول د 0 عطوة 0 ايلياء:

    مازلنا ننتظر من البعير او الثور حليب عن هاأرتس الصهيونية شهرين قبل انتخابابات 2012 وانا اكتب واكرر على امة اقرأ وربما 1 من مليون قرأ فى ذلك اليوم وعد جاك روزان رئيس اللوبى الصهيونى اوباما بالفوز تانية وبنفس الموقف وعد هيلرى بالفوز فى 2016 وتضيف الصحيفة ان جاك روزان هذا وراء فوز من سبق من سكان البيت الابيض الذى يتبدل ساكنيه على ساكن دائم وهو اليوت ادامز الصهيونى وهومستشار الرئيس للسياسة الخارجية اى مهندس السياسة الامريكية ومنه نعرف انه غير مهم من هو الرئيس فالسياسة والخطة واحدة وغير ذلك علينا ان نعى ان امريكا اليوم ليست كاليوم التالى لعام 1942 فمنذ 30 عام هرب الصهاينة رأس المال والتقنية الى الصين حيث الايدى العاملة والمواد الخام الرخيصة ليباع نفس المنتج بالغرب بعشر تكلفته بالمصنع وبطالة وركود وافلاس وسقوط بدأ باليونان حتى امريكا تلك الازمة الاقتصادية واجب معرفتها للحالمين بجنة الغرب وهجرتهم له مخططة وممولة من صهيون لتقوم الفتن والمشاكل بين سكان البلاد والهاجرين مشاكل تأخذ عقود وغير ذلك اقنع الصهاينة بوش وبلير للغزو فى حروب ضد الاسلام فى العراق وافغانستان بسبيل الخلاص من الاومة لتتفاقم وتزيد الطين بلة فبوتن ايضا دخل سوريا بعد اجتماع نتياهو به بساعات لحماية حارس الجولان المجرب وبعد ان ضمن له امريكا وحلفها فدخل بكل وزنه فالامريكى والروسى مرتزقان للبج بوس صهيون الذى اسقط السلطنة العثمانية وبريطانيا العظمى والمانيا والاتحاد السوفيتى واليوم العرب كله لصالح امبرطورية صهيون فترى الشرق والغرب متفقين على اطالة الازمة السورية فكلما ضعف فريق دعموه لتطول الازمة وقضية اللاجئين خططوها ومولوها لانها بروفة للارض المقدسة التى يعلنون جهارا نهارا بعمليات ترانسفير حيث يريدون الارض بدون اهلها وقد اعلنت هيلرى فى بداية حملتها انها ستعيد الملف الايرانى النووى لمن ينامون فى العسل واخذت معظم كلمة نتنياهو فى الامم المتحدة واضافت هيلرى بانها ستنقل سفارتها من تل ابيب الى القدس وكان بوش قد تفوه بذلك ولم يجرؤ على فعلها اما الدست فيركب على 3 وادة المانيا والثانية المانيا والثالثة هيلرى ولا ننسى انها سليلة روتشيلد الصهيونى وحامل تناك الذهب لعبد الحميد وخدعته لبورصة لندن ومالك البنك الدولى وبانى 10 مدن فى الكيان من جيبه الخاص والسلام على من اتبع الهدى0

  3. يقول منى-الجزائر:

    لازلت أؤمن وبقوٌة أنّ مايسمى”اسرائيل” هي كذلك لاتزيد عن كونها كيان يطلب الغرب دوامه لأبد الآبدين ؛لقدرته الخارقة على استمرار زعزعة المنطقة العربية واسعار لهيب الحروب وووو وليتخلصوا في آن من الأقلية اليهودية التي كانت تربك بلدانهم…
    امريكا تنتخب مهرج او تنتخب أرغوز لايهم فكلاهما وجهين لعملة واحدة
    ماذا جنينا من انتخاب باراك حسين أوباما صاحب البشرة الداكنة والاصول الاسلامية وقارئ ادوارد سعيد…؟!!؟؟؟؟؟؟
    نحن امام مرحلة خطيييرة جدا ،أيا كانت نتائجها سوف تدوم ليس اقل من مرحلة”جمهوريات مابعد الح ع 2″
    لنا الله…..
    اشكرك الاستاذ والمفكر الكبير جلبير الأشقر

اشترك في قائمتنا البريدية