«بحر من حكايات» يلملم الأرشيف الفلسطيني ولا يجده والسؤال أين السيرة؟… «هذا البحر لي» من قلنديا الدولي للفنون ودار النمر تحتضن الذاكرة الوطنية

زهرة مرعي

Oct 08, 2016

بيروت ـ «القدس العربي»: «هذا البحر لي» عنوان لفعاليات العام 2016 اختاره «قلنديا الدولي» المحفل الملهم للفنون البصرية الذي تأسس عام 2012. عشية الخامس من الجاري بدأت الفعاليات وتتواصل إلى 31 منه. نشاط هادف لأن تكون فلسطين وجهة للثقافة والفنون البصرية تشارك فيه حيفا، بيروت، غزّة، عمّان، لندن، القدس، رام الله وبيت لحم. دار النمر للفن والثقافة استقبل فعاليات قلنديا الدولي في بيروت.
«هذا البحر لي» دون شك، ومن المهم أن تكون حكاياته مجموعة. «بحر من حكايات ـ أسفار الأرشيف الفلسطيني» مهمة تولاها كل من أحمد باركلي وهنا سليمان وشغلت حيزاً واسعاً لجهة المكان وكذلك الأهمية على صعيد الذاكرة التي تنتظر من يبحث عنها، يجمعها، يحفظها ويعرف متى يستخدمها.
حسب هنا سليمان بدأت الفكرة بالبحث عن علاقة فلسطينيي لبنان بالبحر انطلاقاً من «هذا البحر لي». إنها الحركة والهجرة، وحركة الناس توازي حركة الأرشيف. حركة الثورة الفلسطينية كانت أساس، ومعها كان يتحرك أرشيفها أو لا. الانطلاقة بدأت بالبحث عن الأرشيف التي أوجدها الفلسطينيون في لبنان بين 1964 و1982 وماذا حلّ بها؟ وهكذا انطلق مشروع أسفار الأرشيف الفلسطيني مع دار النمر بالتعاون مع أحمد باركلي، ونحن معاً تعاونا مع مجلس شؤون الصورة الذي نظم المخطط الفني للمشروع.
«بحر من حكايات» ينطلق في مساره الأول من فكرة الأرشيف وصناعة التاريخ. تقول هنا سليمان المختصة بالتاريخ والأرشفة: لدى انطلاقها سعت منظمة التحرير لكتابة ثورتها بنفسها، وتالياً أسست مجموعة أرشيف وثقت الوجود الفلسطيني واستخدمت كأداة لكتابة التاريخ. إنه وعي حركات التحرر الوطني بخلق أرشيفها لكتابة تاريخها، حتى لا تبقى رهينة أرشيف الدول والأعداء. هذا المعرض يتضمن قصة تاريخ واحدة ضمن تواريخ عدة محتملة. نعي جيداً أن أي أرشيف يستحيل أن يكون كاملاً. الأرشيف الذي نقدمه ليس الصورة الكاملة. هو ما نراه، والأهم ما تمكنا من إيجاده. إلى صالة كبيرة حيث تتركز ثلاث شاشات. تقول سليمان: هي قصص أرشيف وكالة «وفا» للأنباء، وأرشيف «مؤسسة السينما الفلسطينية» وأرشيف «مركز الأبحاث» التابع لمنظمة التحرير. كان نديم شرتوني من مجلس شؤون الصورة واقفاً أمام الشاشات الثلاث ليشرح الطريقة الأفضل لإخبار وإظهار القصة أو بحر الحكايات التي توصل إليها كل من هنا سليمان وأحمد باركلي. إنها غرفة التحكم التي تجمع قصص الأرشيف. وللمهتم وفي خلال وجوده في غرفة التحكم قدرة التحكم بالوقت وبالمكان. أي يمكنه الاطلاع على حركة الأرشيف في وقت محدد يختاره. وهكذا جُمع الأرشيف بثلاث حكايات سبق وذكرتها هنا سليمان. وعبر زر تظهر قصة مؤسسة السينما بالسنوات وما تخللها، ومعها خريطة تحكي مسار تلك المؤسسة.
مركز الأبحاث كان الشرارة ومنه تطورت الأفكار، وهو لا يزال محفوظاً في الصحراء الجزائرية وفي قاعدة عسكرية بعد أن استردته منظمة التحرير من العدو الإسرائيلي الذي سلبه خلال احتلاله لبيروت. هذا الاسترداد تمّ مع تبادل الأسرى سنة 1983. تقول هنا سليمان، مع الدوس على الزر والشاشة الخاصة بمركز الأبحاث تظهر الحكاية بكل تفاصيلها. ثمة أزرار على اللوحة ليست عاملة فهي تمثل الأرشيف الذي نفتقده ولا نعرفه، ولم تصلنا معلومة عنه. هي أزرار تنتظر الكشف عن مزيد من الحكايات.
هذا الجهد المهم في البحث عن «بحر من حكايات» فلسطين مستمر حتى بعد الـ31 من الجاري. تشرح سليمان أن الحكايات الخاصة بمركز الأبحاث الفلسطيني كُتب عنه الكثير. مهند يعقوبي أنجز فيلماً عن مؤسسة السينما الفلسطينية، وسيتواجد خلال المعرض للحديث عن عمله وتاريخ مؤسسة السينما، وكالة «وفا» لا تزال موجودة وتكتب عن نفسها. «بحر من حكايات» ينتهي سنة 1993، وكل من الحكايات الثلاث تصل إلى مكان مختلف. في هذا التاريخ الذي تنتهي فيه الحكايات لا يزال أرشيف منظمة التحرير في صحراء الجزائر. أرشيف السينما موزع وبعضه ضاع. جزء من هذا الأرشيف سافر سنة 1977 على بكرات كما كان متوافراً إلى قبرص ومنها إلى روما حيث تمّ المونتاج وولد فيلم «تل الزعتر» وبقيت هناك. رحلة أرشيف «وفا» بدأت من بيروت إلى تونس، ثم غزّة والجزء الأصغر منه انتقل إلى رام الله.
هي الذاكرة الفلسطينية لها هجراتها المتلازمة مع هجرات حركاتها الوطنية وشعبها. تعقب هنا سليمان: قلنا «بحر من حكايات» لأن الذاكرة الفلسطينية كانت تبحر مع الشعب وتنتشر. «حكايات» بحثنا كانت نهاياتها سنة 1993 مع محطة أوسلو. وتطالعنا صورة توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن: عرفات، رابين، بيريز وكلينتون. مع هذه المحطة حدث تعديل على البرنامج الوطني الفلسطيني وبدّل مقولة تحرير كامل الأرض بالكفاح المسلح، إلى مقولة بناء الدولة عبر المفاوضات. وهكذا طرحنا السؤال عن مصير أرشيف الثورة بعد تغير البرنامج الوطني؟
بدورنا طرحنا السؤال عن الماهية التي اعتمدها «بحر من حكايات» حيال مرحلة مفصلية جداً في حياة الشعب الفلسطيني؟ تُرك لزوار «هذا البحر لي» أن يختاروا بين نهايتين: نهاية التذكر الجماعي أو لملمة الذاكرة. ونهاية النسيان الجماعي. وهكذا سألت سليمان: إلى أين ترغبين التوجه؟ إلى التذكر الجماعي كان الخيار. وفيه جمع لما بقي من الأرشيف. من أرشيف «وفا» الذي استقر في رام الله وتحول إلى ديجيتال، وهو متوفر «أون لاين». أرشيف مركز الأبحاث فنحن نبلغ زوار معرضنا برسالة وجدناها تقول «تجرد محتويات كل صندوق من المكتبة الأصلية لمركز الأبحاث وكل صفحة تحمل اسم دولة فلسطين، جيش التحرير الوطني الفلسطيني، قيادة قوات القسطل». ولم تتوافر أي معلومات عن الجهة التي أمرت بهذا الجرد، وإن كان جزءاً من عملية أوسع نطاقاً. تقرأ سليمان في محتويات الرسالة لتصل لحصيلة بأنها دحضت فكرة راودتنا بأن الأرشيف ضائع وما من أحد يسأل عنه، لكن بحسب تاريخ تلك الرسالة أن أحدهم زار هذا الأرشيف في صحراء الجزائر سنة 2003 وخلص إلى 124 صفحة عنه. لم نعرف الجهة بالتحديد، لكن من الواضح أن هذا تمّ بالتعاون مع السلطة الفلسطينية تبعاً لاسم دولة فلسطين وختم السلطة الفلسطينية.
إذاً للقصة بقية؟ فقد تكون لدينا مزيد من المعلومات بعد سنة. تتوقع هنا سليمان. وتتابع: أفلام مؤسسة السينما الفلسطينية كانت تُعرض في جميع أنحاء العالم باستثناء فلسطين. سنة 2003 عُرضت بعض هذه الأفلام في القدس لأول مرة. وهذه الشاشة تتضمن مجموعة من الأفلام لمن يرغب بمشاهدتها ومنها: عمّان، ليس لهم وجود، الرؤية الفلسطينية، تل الزعتر وأطفال فلسطين. السر الذي احاط بانتقال أرشيف مؤسسة السينما إلى روما ظهر فهي موجودة في أرشيف حركات التحرر في العالم والذي يعرف باسم «إيمود». وسنة 2005 بدأت تلك الأفلام تتحول إلى ديجيتال. وسنة 2011 انجز مهند يعقوبي فيلمه مع مونيكا مولر. هي لقطات من جريدة «السفير» و»مؤسسة الصمود» و»خروج منظمة التحرير من بيروت سنة 1982» و»الإجتياح سنة 1982» و»الأعراس الفلسطينية» و»الهلال الأحمر الفلسطيني» و»صامد أو مؤسسة اعالة الشهيد ومركز التدريب». كذلك يوجد في روما أصل فيلم «تل الزعتر» حيث خضع للمونتاج هناك سنة 1977. ما ذكرته هو جزء من المواد الخام التي يتضمنها أرشيف مؤسسة السينما في روما.
في تلك القاعة شاشة خالية من أي مادة أو موضوع. هو الأرشيف الذي لم نجده بعد. نحن في بحث عن صور لوكالة «وفا» غير موجودة جزء منها بقي في بيروت، وآخر في تونس، غزة أو أمكنة اخرى نجهلها، ولا نعرف أثر الحرب على بعضها. تقول سليمان: على عاتق مركز التوثيق كانت تقع مهمة تصوير كافة منشورات منظمة التحرير عبر تقنية مايكروفيلم وبخمس نسخ لكل منها، وهي جميعها ضائعة، وليس متاحاً الوصول إلى مكتبة مركز الأبحاث في الجزائر. ونحن نجتهد للوصول إلى مزيد من الـ»حكايات».
في غرفة التذكر الجماعي حيث ختام الرحلة طاولة حوار، مقاعد وملفات. هو اجتماع متخيل من الأرشيف الوطني الفلسطيني. تأسس الأرشيف الوطني الفلسطيني بعد اتفاق اوسلو ليكون «ذاكرة الأمة وذاكرة الدولة». عن محتوياته تقول سليمان: يتضمن 800 ألف وثيقة عن فلسطين أغلبها يعود للعهد العثماني، وتغيب تماماً عنه المرحلة الممتدة من 1964 إلى 1994. ذاكرة الأمة وذاكرة الدولة شطبت مرحلة الكفاح المسلح. فيما يتضمن أرشيف المحتل الإسرائيلي 400 مليون وثيقة. والأهم أن قانون الأرشيف في السلطة الفلسطينية غير مقر حتى اليوم، لهذا ما من مسوغ قانوني يجبر مؤسسات السلطة الفلسطينية على وضع مستنداتها في الأرشيف الوطني الفلسطيني. وهكذا نستنتج أن ذاكرة الدولة تمّ شطبها، وذاكرة الوطن في مكان آخر.

«بحر من حكايات» يلملم الأرشيف الفلسطيني ولا يجده والسؤال أين السيرة؟… «هذا البحر لي» من قلنديا الدولي للفنون ودار النمر تحتضن الذاكرة الوطنية

زهرة مرعي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left