تشكل حادثة بائع الأسماك المغربي الذي قرّر الموت دفاعاً عن رزقه يوم الجمعة الماضي مثالاً رهيباً عن الاستخفاف بحياة البشر في البلدان العربية، ولكنّ ثقل هذه الحادثة يزداد اضعافاً حين نعلم أن ذلك حصل في المغرب الذي يمثّل منذ عقود أنموذجاً ترنو إليه الشعوب العربية الطامحة في التداول السلميّ للسلطة والتدرّج في مدارج الرقيّ المدنيّ اعتماداً على صندوق الانتخاب وليس احتكاما للقوة الغاصبة والطائرات القاصفة والبراميل المتفجرة والمدافع التي تدمر المدن وتهجّر سكانها، كما يجري في سوريا والعراق.
تفاصيل الحادثة المؤلمة وخلفيّاتها السياسية ضاعفت بدورها من تأثيرها، بدءاً من طحن شاحنة القمامة لجسد الشاب وعظامه في مشهد أقرب لأفلام الرعب، مروراً بوقوع ذلك في الحسيمة التي كانت مركز محمد بن عبد الكريم الخطابي (قائد المقاومة الريفية ضد الاستعمارين الفرنسي والاسباني ومؤسس جمهورية الريف التي تعرّضت لهجمات كيميائية اسبانية بين 1921 و1927)، وهذه المنطقة التي دفعت ثمنا باهظا من أجل الحرية ضد المستعمرين، ما لبثت أن ورثت تجاهل «المخزن» المغربيّ لها بعد الاستقلال، وكانت على توتّر مستمر مع الملك المغربي الراحل الحسن الثاني التي لم يزرها طوال فترة حكمه الممتد 38 سنة، كل ذلك بالتوازي مع ما يعتبره الأمازيغ – وأغلب سكان الشمال منهم – من اضطهاد تاريخيّ مستمر لحق بهم.
أدّت هذه الحادثة إلى غضب مغربيّ عامّ تجسّد في تظاهرات عديدة خاصة في الشمال المغربي التي لا يزال يشهد احتجاجات سلمية خلال الأيام الماضية، ومن الطبيعي أن تمتد هذه التظاهرات إلى العواصم الأوروبية التي تتواجد فيها جاليات مغربية كبيرة وتصاعد التنديد بهذه الجريمة كما أن وسائل التواصل الاجتماعي امتلأت بالاحتجاجات والتعليقات التي تعبّر عن الصدمة والذهول كما طالبت بتنظيم مسيرة وطنية للغضب، بل إن أحد المحتجين، وهو أب لأربعة أولاد، أقدم بعد مشادة مع رجال أمن على إضرام النار في جسده في استعادة جديدة لحادثة البائع المتجول التونسي الذي أشعل ثورات الربيع العربي.
وإلى جانب الغضب والاحتجاج والتنديد حضرت العجرفة وازدراء آلام البشر وكراماتهم على شكل تدوينة أطلقتها برلمانية تدعى خديجة الزياني، وهي التي يفترض فيها أن تمثّل شعبها وتعبّر عن آمال المغاربة وطموحاتهم، حيث اعتبرت الاحتجاجات في الحسيمة فتنة ووصفت المحتجين بالأوباش ما استدعى إطلاق عريضة شعبية طالبت بإقالتها من مهامها كافة، وكان أمراً مناسباً تجميد المكتب السياسي لحزبها لعضويتها من جميع هياكل الحزب.
كان مناسبا أيضاً أن يقوم وزير الداخلية المغربي محمد حصاد بتقديم واجب العزاء لأسرة محسن فكري الذي سمّاه المغاربة «شهيد الحكرة» (أي شهيد الشعور بالظلم والاحتقار من قبل السلطة)، وكذلك قيام النائب العام في الحسيمة بإحالة 11 شخصاً على قاضي التحقيق بتهم التزوير في محضر رسمي والقتل غير العمد، غير أن شخصيات حقوقية مغربية اعتبرت هذه الإجراءات غير كافية ورأت أن التحقيق يجب أن يجري مع كل الأطراف التي شاركت في الجريمة وتزوير وقائع القتل.
ما يحصل في المغرب يمسّ كل العرب لأنه يمثّل تجربة متقدّمة للعلاقة بين الشعوب وحكامها ونخبها، وكما نتمنّى لهذا البلد التقدم والتنمية والازدهار فكذلك نتمنى لشعبه، بمكوّناته كافة، العدالة والحرية والكرامة، وهي مفاهيم تبدو مجرّدة لكن تطبيقها الحقيقي يكون على الأرض وبين الناس، وخصوصاً المظلومين والفقراء والمهمشين.
قلبنا مع الشعب المغربي وعزاؤنا بـ»شهيد الحكرة»، الذي قتل دون ماله «فهو شهيد»، وأحد أحفاد الخطابي الذي قال: «لا أرى في هذا الوجود إلا الحرية، وكل ما سواها باطل».
رأي القدس
تحياتي لكل الاصدقاء المعلقين اعلاه،شكرا للقدس لمقالها الرائع و هو ليس بمستجد عليها،يجب ان نقسو على التجربة المغربية و لا نماريها فمن المفترض ان تكون قدوة و منارة لامكانية الانتقال الدمقراطي في المنطقة العربية الغارقة في الاستبداد،حادثة الحسيمة كشفت بالملموس جمود الادارة و غباءها في التعاطي مع الازمات و محاولتها الاستنجاد بنظرية المؤامرة لتغطية فشلها تبدو مضحكة كما تبريراتها لباقي الفضائح و التي لم تتوقف على طول السنة فهذه الادارة تخرج من فضيحة لتسقط في اخرى،حادث الحسيمة لا يمكن حصره في كونه قادم من منطقة الريف هو حادث حدث و يحدث في كل اقليم و ان بطرق مختلفة ،الادارة عاجزة عن مكافحة الفساد ولتغطية فشلها تستنجد بقوانين متقادمة او تسارع لتبرأة المخطئين و الدفاع عنهم و عندما يتحرك الشارع تتراجع و ترمي كرة النار بيد القضاء الذي بدوره يعاني من اعطاب كثيرة و ببطء و الزمن يكون كفيل بطي هذه الازمات التي لا تحل و تستمر و تستفحل،الحكومة في كل هذا تبقى مجرد شاهد زور فهي غير قادرة على اخذ زمام المبادرة و اجتهادها التشريعي يتم تعطيله في غرفتي البرلمان و عندما يتم الافراج عن التشريعات تكون قد فقدت جوهرها الاصلاحي ،الادارة هي من يحكم و هي من يشرع و هي من ينفذ و عقليتها قديمة و رد فعلها بطئ جدا في حين ان الشارع متحرك و يقظ ،اصطدام الادارة بالشارع قد يحدث في اي وقت و خروج الامور عن السيطرة هو امر وارد،و من يحب المغرب عليه ان يهمس في اذن خدام الدولة ان يتوقفوا عن الاستخفاف بمطالب الشارع المغربي لانها مطالب واقعية و لا يمكن اخفاء شمس الفساد و الاحتكار الفاقعة بغربال بنكيران المثقوب…
* أسعد الله صباح الجميع .
* أعزائي ( المغاربة ) داخل المغرب وخارجها
حياكم الله.
* بما أن النقاش (ديموقراطي ) من حق أي شخص يدلي برأيه ومن حق الطرف الآخر
الرد بدون تشنج وعصبية وكأن القيامة قامت.
* عموما; اعتقد أن (الشعوب العربية )
ما زالت غير جاهزة (للديموقراطية )
وقبول الرأي الاخر .
سلام