السعودية عادت لممارسة دورها القيادي في المنطقة.. دعمت انقلابين في مصر وداخل المعارضة السورية

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’ لا يستطيع المراقب للاحداث المصرية والاضطرابات تجنب الحديث عن مصرين، واحدة في ميدان التحرير واخرى في رابعة العدوية، وقد بدا هذا واضحا يوم الجمعة حيث اجتمع مؤيدو تدخل الجيش في ميدان التحرير للافطار وحمل بعضهم صور الفريق عبدالفتاح السيسي حيث يرون انه تدخل لاكمال مسار ثورة 25 يناير 2011 فيما حمل معتصمو ميدان رابعة العدوية صور الرئيس المعزول محمد مرسي.
فبالنسبة ملك البطراوي التي جاءت للتحرير ‘هذا ليس انقلابا عسكريا’، ‘لقد كان السيسي ينفذ رغبة الشعب’. لكن مريم كيرولس التي كانت ناقدة لمرسي والناشطة في ميدان حقوق الانسان ‘لا اجد شيئا يستحق الاحتفال’، مضيفة ان ‘التحول من الفاشية الدينية الى الفاشية العسكرية لا اعتقد انه امر يستحق الاحتفال حتى يثبتوا عكس ما اقول ويقوموا باصلاحات’. ويرى وائل اسكندر الصحافي والناشط ان سقوط مرسي كان الطريق الوحيد لتحقيق اهداف ثورة 25 يناير، فمع انه لا يرى في حكم العسكر الجواب الا انه يرى فيه الطريق للصلاح افضل من مرسي ‘فمع مرسي لم تكن هناك اية فرصة’، فقد ‘كان مرسي اوتوقراطيا ولم ينقلنا ولو خطوة نحو الديمقراطية’.

اعادة تأهيل الفلول

وتقول الصحيفة ان معسكر المعادين لمرسي يخشى من اعادة تأهيل رجال حسني مبارك حيث كان العنف الذي مارسته الشرطة ضد المعارضة سببا في الثورة، ولكن ما شوهد اثناء الانقلاب الاخير من حماس للشرطة ضد مرسي ساعد على تأهيل الشرطة وقوات الامن. فقد خرجت قوات الشرطة جنبا الى جنب مع الثوريين للمطالبة برحيل مرسي فيما فشلت نفس الشرطة بتوفير الحماية للمعتصمين في رابعة العدوية. وفي الوقت الذي فضل الجيش ممارسة التأثير من الخلف بدلا من اعتلاء مسرح القيادة كما فعل قبل 15 شهرا بعد سقوط مبارك وكان هذا مثار ارتياح للكثيرين الا ان هناك قلقا من تراجع دور حركة ‘تمرد’ التي اسهمت في اسقاط مرسي من النظام الجديد المدعوم من الجيش. فقد قال المتحدث باسم الحركة انها لم تستشر حول الدستور المؤقت. وبالنسبة للثوريين فالقادة في الاعلى قد يصعدون ويسقطون ولكن دولة القمع في الاسفل هي الباقية، فحتى يسقط النظام وليس رأسه فالثورة مستمرة وتهتف ‘الشعب يريد اسقاط النظام’ ايا كان رأسه مبارك ام مرسي او الجيش. وينظر لسقوط مرسي على انه نتاج لتحالف غير مقدس بين الثوريين وبقايا النظام وهو ما دعا باتريك كوكبيرن للتساؤل ان كان الربيع العربي الثوري ينهار.

عودة النظام الديكتاتوري

وتساءل في مقال له في صحيفة ‘اندبندنت اون صاندي’ ان انتهى الربيع العربي الى هزيمة؟ وان كان العالم العربي يعود الى سنوات الخمسينات من القرن الماضي حيث استغلت الجماعات والقوى العسكرية والمدنية ضعف الدولة وتصارعت فيما بينها وبدعم من الخارج في غالب الاحيان؟ ومن هنا ان كانت الاجابة على هذه الاسئلة بنعم فالنتيجة ستكون انظمة ديكتاتورية على غرار الانظمة التي ولدت منتصف القرن الماضي حيث تحولت بحلول السبعينات من القرن نفسه الى دول بوليسية.
وقد بررت الانظمة هذه سياساتها بان الدولة القوية تعتبر ضرورة لقمع كل الخلافات والانقسامات داخلها والحفاظ على الاستقلال القومي امام التهديد الامريكي والاسرائيلي، ايران او الدول الاستعمارية القديمة. ويصور الكاتب الوضع في دول الربيع العربي وبعد عامين من الثورة على انها تواجه ثورات مضادة، وحربا اهلية او تفككا للحكومات. ففي مصر هلل الناشطون العلمانيون لاطاحة الجيش بمرسي في الثالث من تموز (يوليو) الحالي، ورفضوا امام كل الادلة ان يكون ما فعله الجيش انقلابا وتمسكوا بكونه ثورة. وما حدث كما يقول ان الجيش قام بتجاهل مواقف الثوريين العلمانيين فيما عادت النخبة الملوثة ايديها بالفساد من عهد مبارك الى قواعدها.

منقسمون

ويرى الكاتب ان هناك اسبابا واضحة لهزيمة او احباط الراديكاليين والثوريين وينبع هذا من كون النجاح الذي حققوه ضد الدولة البوليسية في مصر وتونس واليمن وليبيا جاء لان النصر تحقق عبر تحالف واسع من كل الاطراف، ويرى ان حالة البحرين مختلفة لان قمع الدولة لقي دعما من السعودية ودول الخليج التي تدخلت بشكل عاجل. ففي مصر وليبيا تعاون الليبراليون مع الاسلاميين لتحدي الوضع القائم.
ورحب الكثير من الاقباط بسقوط النظام الذي قام باحترامهم وقمعهم والتحكم بهم في آن واحد. ويقول ان الخلافات الطبقية بين الاغنياء والفقراء ورجال الاعمال والفلاحين وابناء العشوائيات لم تمنع من تعاونهم اثناء الثورة لكن هذه الخلافات عادة ما تكون عرضة للظهور في واقع ملموس من الخلافات الاجتماعية والسياسية والاثنية والدينية او عملية تفكك تسير باتجاه الحكومة التي تحاول الامساك بمفاصلها.
ويرى ان الانظمة القديمة عادة ما تسقط او تترنح لانها كانت تحتضر او فاسدة، وفي العادة ما تلعب اقتصاديات السوق الحر في زعزعة استقرار الوضع القائم عبر استفادة النخب المقربة من النظام من سياساته مثل الخصخصة التي تتم عادة من خلال سرقة واسعة لمقدرات البلاد. وهذا ما يؤدي الى الظلم والحرمان ويجعل من الجماعات المحرومة اكثر قربا من الثورات كما هو الحال في سورية الآن.
ويضيف ان كل الثورات عادة ما تضم اشخاصا مختلفين ممن يديرون ظهورهم ضد التيار ولو مؤقتا فالاستقلال الامريكي مثلا لم يكن ليتحقق لولا التحالف الفرنسي مع الامريكيين مثلا. ومن هنا فالثورات عادة ما تحتوي على عنصر من عناصر خداع النفس، فالدعائيون لا ينظرون بدقة لدوافع حلفائهم المؤقتين، لكن في حالة الربيع العربي فالخلافات بين معارضي الوضع القائم كانت عميقة منذ البداية مما جعل من الانقسام وضعا لا مفر منه. ففي سورية يجلس الليبراليون والديمقراطيون على نفس المقعد مع الملكيات القمعية والمحافظة في دول الخليج. وفي الوقت الذي تشجب فيه امريكا وبريطانيا فظائع النظام السوري فانهما تتجاهلان القمع في البحرين.
ويضيف ان الثورات تشبه المعارك يربحها من يخطىء اقل، وفي الربيع العربي وانتفاضاته فقد بالغ كل طرف في الدور الذي لعبه وبالغ في تقدير قوته، ففي مصر اظهر مرسي وجماعته من الاخوان عبقرية في التدمير الذاتي. فمبررهم الوحيد كان دائما ان اليد الخفية للنظام القديم والتي لم تذهب ظلت تلاحقهم في كل خطوة وتدمر كل جهودهم. وفي النهاية في مصر وغيرها من دول الربيع العربي عادت مشاكل الخمسينات من القرن الماضي الوخيمة ولكن بحس اكثر انتقامي اقوى. هذا يقودنا الى الدور السعودي والخليجي في الانقلاب او الثورة المصرية الاخيرة.

عودة السعودية

ففي تقرير كتبه ريتشارد سبنسر في ‘صاندي تلغراف’ جاء فيه ان السعودية عادت لتسنم دورها القيادي في المنطقة، وكلاعب مهم في سياسات العرب حيث نجد ملامح الدور السعودي في كل من مصر وسورية. ويقول كاتب المقال ان السعودية قد تكون اقل دولة ثوروية في العالم لكنها حازت على اعجاب الثوريين المصريين الاسبوع الماضي عندما قال احد الناشطين الذين كانوا يخشون السعودية التي قاتلت من اجل بقاء حسني مبارك ولكنهم في ميدان التحرير وجدوا كلمات رقيقة للسعودية حيث قال سيد سامي حسن وهو من ناشطي 25 يناير -2011 ‘السعوديون اشقاؤنا، مؤمنون، محمد مرسي كان عميلا للامريكيين والقطريين اما السعوديون فهم يقدمون لنا المساعدة’. ويلاحظ التقرير ان تحولات الولاء في المنطقة العربية وخلال العامين الماضيين كان مثارا للدهشة.
ولعل عودة او ظهور السعودية المفاجىء كلاعب رئيس في المنطقة العربية واحد من تقلبات الربيع العربي. فعلى خلاف منافسيها من دول الخليج كانت السعودية ممارسة دورها خلف الستار حيث تفتح حقائبها لمن تريد بذل الكرم اليه، لكن في الحالة المصرية والسورية كانت واضحة في نواياها واهدافها، ولم يفت المراقبين تماهي الموقف السوري والسعودي في الحالة المصرية. فقد كانت السعودية من اوائل الدول التي اعلنت عن دعمها السريع للنظام الجديد في مصر الذي انهى حكم مرسي وجماعة الاخوان، وفي يوم الثلاثاء الماضي فتحت محفظتها المالية وقدمت خمسة مليارات للنظام الجديد وبلغت مساعداتها مع الامارات والكويت 12 مليار دولار، وهو مبلغ اعلى مقارنة بدعم دولة قطر 8 مليارات للرئيس مرسي. وفي الوقت الذي يستبعد فيه الكاتب اي دور سعودي في العملية المحكمة والتي خطط لها في السابق لعزل مرسي الا ان السيسي كان واثقا من مستقبل الانقلاب عندما اعلن ما حدث، على الرغم من انه ورث بلدا في حالة اقتصادية صعبة ولم يكن لديه من القمح سوى ما يكفي لشهرين.

مرسي وايران

واشار التقرير الى ان غضب الاماراتيين والسعوديين من مرسي جاء لفتحه الباب امام الحوار مع ايران، وبحسب الباحث تيودور كراسيك من معهد التحليل العسكري للشرق الادنى في دبي فلم تكن السعودية والامارات مرتاحتين من حكومة مرسي واثرها على المنطقة. ومن هنا انتهزتا فرصة ‘فشل مرسي ونظمتا التغيير لحكومته وبالتالي تشكيل السياسة حسب رؤيتهما’.
ويقول انه لم يكن هناك اي تفاوض مباشر حول التغيير بين الجيش وحكومتي الامارات والسعودية، لكن احمد شفيق المرشح الخاسر في الانتخابات واحد رموز فترة مبارك يعيش في الامارات ويعمل كمستشار لحكامها، وتوقع شفيق الانقلاب قبل حدوثه بـ 48 ساعة. كما ان السيسي وعدلي منصور لديهما علاقات قديمة مع السعودية، فقد عمل السيسي ملحقا عسكريا في الرياض وعمل منصور مدة سبعة اعوام مستشارا لوزارة التجارة السعودية. ويشير الكاتب الى الانقلاب المدعوم سعوديا الذي شهدته اروقة فنادق اسطنبول عندما استقال غسان هيتو من الحكومة الانتقالية، وهو المدعوم من قطر وتم انتخاب احمد عاصي الجربا رئيسا للائتلاف السوري فيما نظر اليه على انه ترشيح سعودي. ويربط المحللون عودة الدور السعودي بالتغييرات في قطر حيث تم تسليم السلطة للشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية