«الفلايكية» مهنة القوارب في وادي أبو رقراق من عبور الضفتين إلى تبني مقاربة الرحلات السياحية

ليلى بارع

Nov 26, 2016

الرباط ـ «القدس العربي»: على بعد ثلاث دقائق أو أقل من وسط الرباط، عاصمة المغرب، وعلى ربوة تؤدي إلى قلعة «الوداية» التاريخية، يطل نهر أبو رقراق، الذي يمنح عاصمة المغرب، رئتها ومتنفسها النهري الجميل، وأهم ما يشد إلى هذا المكان، إضافة إلى المآثر السياحية التي تحيط به، من صومعة حسان، والقلعة التاريخية التي استقر فيها جزء من الموريسكيين المطرودين من جنة الأندلس، تلك القوارب التقليدية المصنوعة من الخشب والمصبوغة بلون البحر الأزرق، والتي تتناثر على سطح نهر أبو رقراق، أو كما يسميه ساكنة الرباط «بوركراك». قوارب للعبور إلى الضفة الأخرى، حيث مدينة سلا التي تلوح من قريب. الرحلة قصيرة لا تستغرق أكثر من خمس دقائق ذهابا وإيابا، ألفها ساكنو سلا ممن كانوا يقطنون على الجانب الآخر من النهر، خاصة قاطني «قشلة العكسر» وألفوا استخدامها للذهاب والإياب إلى محلاتهم التجارية أو للتسوق أو لقضاء أغراضهم في العاصمة الرباط، وحتى حين لم يعد لهذا الحي من أثر بفعل أشغال تهيئة ضفتي نهر أبو رقراق، بقي العديد من الساكنة مخلصا للعبور، وأخذ المكان شهرته الجميلة من هذه الحركة اليومية، ليحل محله شيئا فشيئا عبور من أجل الترفيه، لمجرد التواجد تحت سماء زرقاء فاتحة، يشتهر بها المغرب، وحيث الماء المائل إلى خضرة محببة، وصياح النوارس على الضفة المقابلة…وحيث دماثة أخلاق البحارة أو «الفلايكية»، كما يطلق عليهم بالدارجة المغربية، يغري الراغبين، خاصة من الأجانب والشباب، بالقبول بدعوتهم للقيام بجولة نهرية قصيرة أو لجولة سياحية، تمتد من صومعة حسان حتى الجانب الآخر من «لوداية».

ذاكرة الماء

ولأن للماء ذاكرة فإنه رغم انحسار مجد الفلايكية، وانصراف الساكنة السلاوية إلى وسائل النقل الحديثة، وخاصة مع بناء أكبر قنطرة في افريقيا والتي تربط بين المدينتين، الرباط وسلا، فإن المكان ما زال يحتضن 72 «فلوكة»، أي قارب خشبي، يعيش أفرادها على مهنة نقل الزبائن من وإلى الضفتين، ويعرضون خدماتهم السياحية على الزوار، رغم قلتهم، خاصة خلال فصل الشتاء، لكن رغم قلة المداخيل، فإن الفلايكية مصرون على الاستمرار في الاشتغال في عين المكان، لأن الرزق هو كما يقولون «على الله» ولأن أغلبهم لا يجيد حرفة ثانية غير ركوب هدوء النهر الرقراق. العاملون على الزوارق الخشبية، منحوا عمرهم بالكامل للعمل في هذا النهر، ست وثلاثون سنة من الإبحار بين الضفتين هي عمر بالنسبة لمحمد الذي يناديه أصدقاؤه «حمادة»، وهو عمر أيضا بالنسبة لذلك الشاب الذي أطلق اسم ابنته على زورقه الخشبي، والذي اشتغل بهذه الحرفة لمدة عشرين سنة، وحين انتبه وجد أن النهر ومهنة الزوارق الخشبية قد سرقت وحولت مجرى حياته، لذلك فإن المشتغلين في هذه المهنة لا يمكنهم الحياة بعيدا عن النهر، فقوت يومهم مرتبط به إلى حد التطابق، مما يعني أن أي خلل في مسار الأمور يمكن أن يشرد عشرات من العائلات.
يقول غيلان وهو صاحب قارب أطلق عليه اسم ابنته سلمى 2: «أمارس المهنة منذ أكثر من عشرين سنة، واخترتها لأنني ابن المنطقة، ولأنني لم أرغب في ممارسة أي حرفة غيرها، في البداية كنت أشغل كصياد في البحر بعدها بدأت في الاشتغال على مراكب العبور، قبل أن أمتلك قاربي الخاص بعد إحصاء العاملين في النهر في إطار مشروع تهيئة ضفتي أبو رقراق…حيث أصبحت الأمور منظمة أكثر وأصبح لكل منا زورقه ورقمه الخاص به وأوراقا تثبت ذلك، لكن من حيث وتيرة العمل، فما تزال الحال كما كانت عليه سابقا، نشتغل على وجه الخصوص في فصل الصيف والعطل ونهايات الأسبوع لكن في فصل الشتاء تقل الحركة ويقل اشتغالنا، وحين تتساقط الأمطار فذلك يعني أنه يوم من دون مدخول».

القطع مع الماضي

وحيث يوجد الفلايكية اليوم، يتذكر كل من التقيناهم كيف تطورت الأمور وأخذت منحى جديدا خلال السنوات الأخيرة، قاطعة مع هدوء الماضي وصمت المكان، تغير ارتبط خاصة بمشروع تهيئة ضفتي نهر أبو رقراق، الذي أضفى الكثير من الفخامة على المكان الذي شهد قفزة نوعية من حيث بنياته التحتية، مشاريع سكنية، وقناطر، وترامواي، ومسرح، ومركبات سياحية، ومقاه على طول المارينا، أو الكورنيش، الواجهة البحرية. تغيرات جعلت من المكان قبلة للعشاق ولمحبي الهدوء والسكينة، وتأمل رحلات العبور بالقوارب الزرقاء الخشبية، التي تخلق أجواء رومانسية وعاطفية وتشد الزائر إلى المكان أمام تهادي المراكب على سطح النهر التاريخي. أجواء تجلب الكثير من الزوار، خاصة الشباب، إلى المكان، وإن كانت الأقلية فقط من ترغب بنزهة في القارب، مكتفية بتأمل المراكب الخشبية ورحلات العبور التي يقوم بها الآخرون.
يقول محمد، وهو صاحب مركب خشبي للعبور ويمارس هذه المهنة منذ أكثر من 36 سنة، «كل شيء تغير بعد تنمية المشروع، قبل ذلك كان هناك ما يسمى بقشلة العكسر، وكان هناك اقبال كبير على العبور بين الضفتين خاصة الحرفيين، لكن الأمور تغيرت الآن مع التطور الذي عرفته الضفة الأخرى، ومع التجديد الحاصل وبناء القناطر، لم تعد الحال كما كانت وتم إنشاء مجمعات سكنية جديدة ولم يعد لدينا الزبناء القدامى نفسهم، فأغلبية زبائننا اليوم هم من السائحين الذين يأتون خاصة في فصل الصيف وفي أيام العطل أو الأعياد».
لا تكلف الرحلة القصيرة نحو الضفة الأخرى أكثر من درهمين ونصف، ثمن أدهشنا ونحن نقوم باستكشاف المكان، ولا يعوض «الفلايكية» عن عرق جبينهم سوى تلك الرحلات القصيرة أو الطويلة التي تبدأ من خمسين درهما وقد تصل إلى 200 درهم أو أقل بقليل، وقد ترتفع إن كان الزبون يرغب في رحلة أطول باتجاه مصبات النهر الطويلة. رحلة يتذكر الأقدم سنا أنها كانت بريالين لا غير، ثم بستة ريالات، ثم بدرهم قبل أن يستقر الثمن على درهمين ونصف، أي أقل من نصف دولار.
تتوزع القوارب على مكانين، أو «طابلتين» كما يسميها البحارة بالدارجة المغربية. مكانان مختلفان من حيث أهميتهما الاقتصادية رغم المسافة القريبة بينهما، حيث تدر المحطة الأولى المتواجدة بالقرب من قلعة «لوداية» مداخيل أكبر من المحطة الثانية، أي محطة حسان، وإن كان لا يفصل ينهما غير ثلاث دقائق مشيا على الأقدام، لقربها، عند الوصول إلى الضفة الأخرى، من المكان الذي يقصده العابرون منها، وكذا لتواجدها قرب مجموعة من المقاهي الراقية. ويتبادل أصحاب القوارب الاثنين والسبعين الاشتغال بين المحطتين في كل يوم، لتحقيق بعض العدالة التي لم تسعف الظروف لخلقها لغياب إعلانات تليق بقيمة وجمالية المكان وعمق فكرة العبور بالمراكب الخشبية العتيقة والتي تكاد كفكرة أن تشكل جزءا من التراث الشعبي المغربي، ويمكنها أن تماثل بسهولة من حيث شهرتها مراكب المدينة العائمة فينيسا في إيطاليا، حيث تتوافر كل الظروف لخلق مكان سياحي بامتياز يمكنه أن يشكل عامل جذب للسياح الأجانب.

أسماء نساء

كل أسماء المراكب الخشبية العتيقة المخصصة للعبور تحمل أسماء نساء، خديجة 2، وشادية، وثورية وشيماء، حين سألت أحد البحارة أجابني بجدية كبيرة إن «الفلوكة» هي أنثى، أما مراكب الصيد، أي «الباطوات» فهي تحمل اسماء مذكر، لذلك تحمل القوارب الخشبية الخاصة بالعبور أسماء النساء، وتحمل المراكب الخاصة بالصيد والأكبر حجما والمزودة غالبا بمحرك، اسم الذكور… ابتسمت لهذه المقاربة «الجندرية» للمراكب والزوارق التقليدية، لكن صاحب القارب كان جادا وهو يخبرني بالأمر وكأنه حقيقة مسلم بها. ورغم الابتسامة التي لا تفارق محيا العاملين في هذه الزوارق، فإن معوقات كثيرة تحول دون اشتغالهم بشكل يعكس جودة الإمكانيات التي جادت بها الطبيعة على المكان. يقول أحد أصحاب المراكب «نحن في حاجة إلى التغطية الصحية، وفي حاجة إلى إنارة جوانب المحطتين معا، فغياب الإنارة مساء يخلق مشكلة بالنسبة للراغبين في ركوب الزوارق ويدفعهم للابتعاد، كما نشكو من غياب حمامات خاصة بالعاملين، ونشتكي من غياب الأمن، فنحن أحيانا نقوم بحماية المواطنين من بعض الاعتداءات، خاصة النساء، ينبغي أن يكون هناك مركز للشرطة في المكان ودوريات دائمة يراها الناس للإحساس بالأمان واستكشاف المكان الذي قد لا يبدو مرئيا للكثيرين بسبب الطبيعة الجغرافية المنحدرة للنهر، خاصة عندما يكون الماء في حالة جزر».
ويقول أمين الفلايكية توفيق، الذي كان حاضرا في المكان «هناك أشخاص يكترون القوارب ويخلقون لنا بعض المشاكل، لا يحترمون التسعيرة المتفق عليها من طرف الجميع، كما أن مراكبنا بحاجة لواقيات شمس، وبالفعل قامت إحدى الجمعيات بصناعتها، لكن أصحاب مشروع المارينا اشترطوا وضع شعارهم عليها غير أننا رفضنا خوفا من التمادي أكثر على مجالات اشتغالنا مستقبلا، ويبقى حضور مقر دائم للأمن أهم متطلباتنا في هذه المرحلة».

منتوج سياحي

ورغم كل المشاكل التي يتخبط فيها القطاع، فإن الزائر لنهر أبو رقراق ولمحطة الزوارق لا يمكنه سوى أن يتوقف طويلا أمام سحر المكان وزرقته، ويقف على طيبة هؤلاء الأشخاص الذين لا يمانعون في عبور الأشخاص مع دراجاتهم النارية نحو الضفة الأخرى، ولا يمانعون في نقل بعض النساء أو الرجال بدون مقابل، فالعابرون، باستثناء السياح، تحولوا مع مرور الوقت إلى زبائن معتادين، ولعلهم يدركون أن العبور نحو الضفة الأخرى لم يعد كافيا لسد حاجيات العاملين في المكان، وحدها السياحة والرحلات النهرية للترويح عن النفس يمكنها انقاذ هذا القطاع من الاندثار، علما أن الأمر يتعلق بتأهيل القطاع وإحاطته بعناية خاصة على رأسها الأمن والإنارة والإشتغال على الترويج لهذا المنتوج بكثير من الحرفية والمهنية من الجهات الوصية، كمنتوج سياحي محلي بامتياز.

«الفلايكية» مهنة القوارب في وادي أبو رقراق من عبور الضفتين إلى تبني مقاربة الرحلات السياحية

ليلى بارع

- -

3 تعليقات

  1. و رقراق ذاك العظيم
    -
    على شاطئيه ارتمى اللحن والمزهر
    _____________________________

    قدحي انا قد جف يارقراق
    -
    فاسكب حمي السحر بالاحداق
    -
    ابو رقراق كان ملهما وسببا في اهداء الاغنية المغربة الرصينة لرائعة القمر الاحمر وقصة الاشواق
    -
    وتحياتي

    • آه عليك يا صوت مراكش، انها كانت رأئعة هذه الاغنية، و رقرااااااااااااق ………
      .
      على يمين الصورة، و على بعد 300 م، لا زلت اتذكر مطاعم بسيطة لكن نظيفة للسمك. مممممم ….
      .
      كنا ننزل مع الشلة، و نقطع النهر لنتناول هناك ما يحل للعين و اللسان، رائع المشهد هناك.
      .
      لا ادري ان كانت المطاعم مجودة ام لا. على اي، الذكريات لا زالت موجودة.

      • صدقت يا اخي و لا تزال بنفس الروعة وتزداد بكثير
        _
        في ديار الغربة رافقتني رائعتي “رقراااااااق” ” في الصحاري الليبية
        -
        كما في البحار رحم الله عبد السلام عامر
        -
        تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left