«الراب التونسيّ»: محرك الثورة ونبض الشارع

مرآة عاكسة لواقع عجزت بقيّة الفنون عن وصفه

Dec 03, 2016

تونس – ضياء بوسالمي: كانت بداية انتشار فنّ الراب في تونس متواضعة، لكن مع مرور السّنوات، أخذ بعدا آخر، وأصبح مسموعاً ومطلوباً من طرف الجمهور الذي وجد فيه نوعاً جديداً من التّعبير ونسقا آخر من الموسيقى، غير ذلك الذي اعتاده.
ورّغم أنّ العديد من الفنون ظلّت مُغَيَّبَةً ومهمَّشة من طرف الجمهور (الرواية، الرسم…)، لكن الراب فرض نفسه كنمط موسيقيّ جديد خلق مجاله واحتلّ حيّزاً لا بأس به في المشهد العام.
سرعان ما أخذ الراب في الاتّساع تدريجياً منذ الثّورة ليصل إلى أعلى درجاته في السنوات الأخيرة ويتحوّل إلى «شبه صناعة» لم ترتق إلى مستوى أوروبا والولايات المتّحدة، لكنّها باتت مصدرا لكسب المال عبر تقنيات مختلفة.
كما تُعْتَبَرُ عالماً له مميّزاته وخصائصه التي تستحقّ الدّرس والتعمّق فيها على العديد من المستويات والجوانب لفهمها وتفكيكها.
الراب في العالم العربيّ عموماً والراب التونسيّ خصوصاً دليل على التّحولات التي طرأت على السّاحة الفنيّة في البلاد. هو بمثابة المرآة العاكسة لواقع لطالما عجزت بقيّة الفنون، على اختلاف أنماطها، عن وصفه وإيصاله للجميع.
إنّها خاصيّة يتميّز بها الراب من خلال علاقته الجدليّة مع الشّارع. فهو منه ينطلق وإليه يعود: عود على بدء، فالكلمة واللّحن من/ في الشّارع يُخْلَقَانْ وتكون بدايتهما وإليه/ من خلاله تكون نقطة وصولهما ونهايتهما.
ليست تلك النهاية بمعنى الموت والاندثار وإنّما هي ذلك التّمظهر والتشكّل في جمل موسيقيّة تنطلق من عمق معاناة المجتمعات وتنبع من واقعها. ههنا يُفْتَحُ المجال واسعًا لنتمكّن من الحديث عن ثقافة «الأندرغراوند».

عن الموسيقى

في الراب التونسي، الإيقاع متواتر وسريع. لا مجال للاستراحة أو حتّى لأخذ بعض الثواني لفهم واستيعاب ما يحصل من حولك. يباغتك اللّحن وتفاجئك الكلمة التي تتخفّى خلف الإيقاع لوهلة ثمّ تبدأ هجومها عبر اقتحام مجال سمعك لتنتزعك من عالمك وتتيح لك فرصة ولوج عالم «الرابور».
الكلمة والإيقاع، يتنافران تارة ويتمازجان طوراً فيتوه المستمع «توهاناً لذيذا» لا يدوم طويلا ليعود النّسق إلى تسارعه المجنون ويعود المتلقّي إلى سيرته الأولى متوثّبا يترقّب المجهول.
ما يميّز أغاني الراب هو تنوّع أنماطها وإيقاعاتها وطريقة إلقاء النّصوص، فتحوّل الكلمات اٌلمُوَقَّعَةُ إلى وسيلة لفهم الذات من جهة والاطلاع على خفايا عوالم نجهلها من جهة أخرى. «الرابور» يُفْرِغُ شحنةً من الطّاقة الكامنة فيه ( تكوّنت من خلال معاناة يوميّة ) عبر نصّه – الذي يظهر إمّا شعرا مُوَقَّعاً أو نثرا مُسَجَّعًا – ليمرّرها إلى المستمع عن طريق قوّة الصوت وتسارع اللّحن والتفرّد في الأداء.
«ميكانيزم» من خلاله يقع تمرير مجموعة المشاغل والهموم عبر الكلمات على وقع ألحان نستسيغها ثمّ نألفها. يصعب علينا أمام هذا ”الزّخم الموسيقي” أن نحدّد ماهية هذا الفن بدقّة أو أن نفصل بين النصّ واللّحن فهما متلاصقان ويظلان كذلك إلى الأبد.
فنّ يجمع بين عدّة أنماط موسيقيّة فنجد صخب الروك، هدوء وسلاسة الموسيقى الكلاسيكيّة وجنون ومرح الجاز، كلّها تمتزج لتمنحنا موسيقى تأخذنا إلى عوالم متعدّدة نتأرجح فيها بين الواقع والخيال.

الزّخم الثوريّ

إن كان لا بدّ من تصنيف الفنون بإعتماد معيار الواقعيّة، فإنّ فنّ الراب حتما سيكون على رأس القائمة. إذ تستمدّ النصوص حماسها ودِينَامِيكِيَّتَهَا ممّا يحصل حولها من أحداث. و تكفي الإشارة في هذا الصدد إلى الدور الذي لعبه الراب عند بداية اندلاع الثورة التونسيّة. وحدها نصوص/أغاني الراب كانت قادرة على استيعاب اللحظة وأظهر فنانو الراب وعياً أدّى إلى نجاعتهم خصوصا في مساهمتهم في تأجيج الأوضاع والتحامهم بالزخم الثوريّ.
لقد كانت الصبغة الواقعيّة لهذه النصوص والوصف الدقيق – بكلمات صادمة وعنيفة في أغلب الأحيان – عوامل كفيلة بأن ترجّ المستمع الذي استوعب الصدمة وأفاق على تسارع النّسق الثوري تماما كتسارع نسق أغاني الراب. لقد كانت هذه اللّحظات الثوريّة هي بداية الاعتراف بهذا الفنّ سواء كان ذلك على مستوى النّجاعة أو على مستوى الجماليّة وهي بمثابة الإنطلاقة الحقيقيّة للراب ولفناني الراب الذين تحوّلوا من أعماق المدن وأزقّتها إلى الأضواء والإعلام لا بل إنّهم أصبحوا المحرّك الأساسيّ ورموز الثورة لما لنصوصهم من تأثير على المستمعين.

«الراب التونسيّ»: محرك الثورة ونبض الشارع
مرآة عاكسة لواقع عجزت بقيّة الفنون عن وصفه
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left